واقع سوريا ضمن الصراعات الدولية

منشور  كلنا سوريون

المتتبع لما يجري في سورية، بعد السنوات السبع من اندلاع ثورتها ضد نظام استولى على كل مقاديرها من بشر وحجر، ونتيجة لازدياد التدخلات الدولية والتصارع عليها نتيجة لموقعها الاستراتيجي الجغرافي والسياسي، ولما كان يمكن أن يشكله انتصار ثورتها من مخاطر على الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية، وخاصة الخليجية، يلاحظ أمرين واضحين:

الأول: تحييد وابتعاد السوريين عن تقرير مصيرهم، ومصير بلدهم.

الثاني تقسيم البلد لمناطق أو دويلات.

صار معروفا لكل السوريين أن قرارهم في العواصم الإقليمية والدولية، فهم مستبعدون بالكامل من التشاور ومناقشة مصير بلدهم، سواء كانوا في المعارضة أو النظام، وحضورهم ليس إلا إجراءً شكلياً تستلزمه بروتوكولات الدبلوماسية.

ومعروف أن روسيا وإيران هما من يمثلان ويفاوضان باسم النظام شكلاً، وحقيقة دفاعا عن مصالحهما، حيث تمكنت روسيا من تأسيس قواعد على سواحل المتوسط، ووقعت عدة عقود عسكرية، وأخرى اقتصادية تخص النفط والغاز والفوسفات وغيرها، ناهيك أنها تستخدم نفوذها في المنطقة كورقة للتفاوض مع الغرب وأمريكا على مناطق أخرى، وخاصة أوكرانيا.

أما إيران، فطموحها أكبر، ويتجاوز المصالح الاقتصادية، والتي تبلغ المليارات، نحو إحداث تغييرات جوهرية تصل لحد نشر التشيع في البلاد، وإلحاق البلد في فلكها السياسي والمذهبي، وذلك من خلال استحضار الشيعة من مختلف بقاع الأرض وإشراكهم في معركة النظام ضد السوريين، ناهيك عن الميليشيات التي أسستها من السوريين تحت إمرة الحرس الثوري.

لم يكن حال المعارضة أحسن حالاً، فقد تراجع دورها لصالح الدول الداعمة وخاصة تركيا وقطر والسعودية والولايات المتحدة، ولكن الأمر الأكثر سوءا هنا الخسارات العسكرية التي لحقت بأطراف المعارضة منذ نهاية 2015 وحتى الآن، نتيجة للدعم الفعال والمشاركة المباشرة من الطرفين الروسي والإيراني لجانب قوات النظام، في ظل تراجع أو تردد القوى الداعمة للمعارضة، وكأنما وصلت لحالة تسليم بدور روسي متصاعد في البلاد.

الطرف الكردي المتمثل بتنظيم الاتحاد الديمقراطي وقواته العسكرية، وحدات حماية الشعب والمرأة، التي كانت أساس قوات سورية الديمقراطية وقائدتها الفعلية، استأثرت بقضية الشعب الكردي، ووضعت نفسها كقوات برية في خدمة الولايات المتحدة في حربها ضد داعش، وتحولت وفق علاقاتها النفعية بحجة الحفاظ على المناطق الكردية، والطمع باعتراف سياسي من الولايات المتحدة بتلك الكانتونات، إلى قوات أقرب للنظام وأكثر ابتعادا عن المعارضة.

وفقا للاصطفافات ومجريات المعارك العسكرية، صار البلاد مقسمة لمناطق هي:

1- منطقة النظام، والممتدة من شمال إلى وجنوب سورية، مرورا بوسط وغرب سورية، وتضم المدن الرئيسية، وتخضع بشكل مباشر لسيطرة الروس والميليشيات الإيرانية وينحصر دور قوات النظام في دوره الشكلي الضروري لتحقيق مصالح الدول الداعمة له.

2- منطقة قسد، والموزعة في الشمال الشرقي والغربي في مناطق الجزيرة وعين العرب وعفرين، حيث في الجزيرة وعين العرب منطقة نفوذ وحماية أمريكية، أما في عفرين فهي بحالة تحالف وحماية من روسيا، وعداء يتعمق مع جيرانها نتيجة لسلوك التنظيم التمييزي.

3- منطقة الشمال السوري، أو ما يعرف باسم منطقة درع الفرات، وهي تحت إشراف تركيا، ومساحتها أقل من بقية المناطق الأخرى، لكنها تزدحم سكانيا، إضافة للوجود الكثيف في المخيمات. وتمتد من اعزاز غربا بمسافة ضيقة إلى جرابلس شرقا حيث تتوسع نحو الجنوب لمدينة الباب.

4- منطقة الشمال الغربي (إدلب)، وتتحكم فيها هيئة أحرار الشام (جبهة النصرة سابقا) وحركة أحرار الشام، حيث يعتبر الأول امتدادا لتنظيم القاعدة، بينما يتمتع الثاني بعلاقات جيدة مع تركيا وبعض دول الخليج، وهو غير مصنف على قوائم الإرهاب.

5- منطقة الجنوب الغربي من سورية، حيث وجود الجبهة الجنوبية وهي من مجموعة فصائل من الجيش السوري الحر والمصنفة بالاعتدال، وتتمتع بالدعم والرعاية الأردنية والأمريكية.

6- منطقة داعش (أو خلافتها) والتي تتموضع على أراضي الرقة ودير الزور، تشكل ضدها تحالف دولي واسع أمريكي غربي، وعربي من جهة، وروسي إيراني من جهة، والمعركة مستمرة ضدها.

أمام هذه التقسيمات القائمة بحكم الأمر الواقع، كيف سيكون عليه شكل سورية المقبل؟

من الواضح حتى الآن وضمن المدى المنظور أن هناك عمليتان متماشيتان سوية وتحققان نوعا من الاجماع أو الاتفاق الدولي والإقليمي، وهما محاربة داعش واستعادة المناطق التي تسيطر عليها، والثانية تعزيز مناطق خفض التصعيد وتعميم وقف إطلاق النار ليشمل مناطق أوسع.

في الجانب الأول، تسير المعارك التي تقوم بها قوات قسد مدعومة، وبمشاركة من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ومسألة استعادة الرقة مسألة وقت لا أكثر، بغض النظر عن الضحايا الكثر من المدنيين.

أما المنطقة الأخرى الواقعة تحت سيطرة داعش فهي دير الزور، فمن الواضح أن ثمة اتفاقا جرى بين الولايات المتحدة، وروسيا على توكيل روسيا وقوات النظام باستعادة دير الزور، ومن دون الاقتراب من المعابر الحدودية، إضافة لتأسيس منطقة عازلة صحراوية بين المنطقتين: الرقة ودير الزور.

وفي الجانب الثاني، ما تزال المشاورات والاتفاقات بين الدول الثلاثة مستمرة وهي روسيا وتركيا وإيران، لتعزيز وقف إطلاق النار، وهي عملية تشكل بلا شك مناخا لاستئناف المفاوضات، فإيقاف عمليات القصف والقتل الروسي بحق الناس كان وما زال مطلبا شعبيا أيضا، وفي الآونة الأخيرة، شكل انضمام الولايات المتحدة إلى هذه العملية من خلال رعاية اتفاق بينها وبين روسيا في المنطقة الجنوبية خطوة إضافية داعمة، حيث هناك تقاطع مصالح لأكثر من طرف فيها، فهي تشكل منطقة عازلة لإسرائيل لإبعاد الميليشيات الإيرانية وهو نقطة تقاطع لأكثر من طرف، إضافة لطرد التنظيمات المتطرفة من المنطقة.

في الشمال، وفي منطقة درع الفرات، تتحضر تركيا مع فصائل من الجيش الحر لاستعادة القرى العربية التي احتلها تنظيم (بيدا)، والتي يعيش أهلها الآن في خيام على الحدود مع تركيا، مع تحضيرات وتصريحات خطابية بالهجوم على عفرين، والمرجح أن يتم استعادة القرى العربية، لإعادة سكانها إليها، وهو ما يشكل نصرا حقيقيا ومعنويا لتركيا، وللجيش الحر في المنطقة، ويوسع المنطقة من زاويتها الغربية لتصل لعرض حوالي 20 كم، أما قصة الهجوم على عفرين فلن يكون أكثر من تصريحات، وحرب إعلامية قد يحضران لما بعده، وهو ضرورة التوافق التركي الكردي الذي يعتبر من ضرورات الاستقرار في المنطقة وفق شروط سيتم الاتفاق عليها برعاية أمريكية، أما في حالة احتمال الحرب على التنظيم في عفرين، فقد يشكل ذلك دافعا له لتسليم المنطقة لقوات النظام وروسيا.

القضية الأخرى التي تحقق إجماعا دوليا وإقليميا ولو بنسبة أقل هي القضاء على العناصر المرتبطة بالقاعدة في محافظة إدلب، وهي من حيث الوقت لربما تأتي في المرحلة الثانية، والقوى المرجح أن تنفذ هذه العملية تركيا والتحالف الدولي بقيادة أمريكا، وما نراه من بعض الانزياحات في مواقع وتموضعات بعض الفصائل هناك يؤشر على ذلك، أما أن يقوم النظام وروسيا وتنظيم الاتحاد الديمقراطي بتلك العملية، فاحتمالها ضئيل ويعتمد على تغيير في الاصطفافات والتحالفات الدولية والإقليمية.

ما هو الممكن أمام السوريين أمام هذا التشظي، وهل يمكن الانطلاق من تلك المناطق لبناء هيئات وطنية (مدنية وعسكرية) في عموم البلاد؟

من الواضح أن المناطق الستة الحالية ستنحسر إلى ثلاثة أو أربعة مناطق ضمن مدى زمني قصير، وقد لا يتعدى العام الواحد، لتصبح الخريطة موزعة بين منطقة كبرى تحت إشراف شكلي للنظام، ورعاية ودعم من روسيا وإيران، تضاف لما تسيطر عليه حاليا جزءا كبيرا من دير الزور، وقد يستثنى منه المعابر الحدودية. والجزء الآخر تحت إشراف أمريكي موزع في شريط جنوب البلاد محاذ للأردن وإسرائيل، وفي شرق وشمال شرق البلاد، حيث قيادة قسد مع بعض العشائر العربية التي ستشارك في إدارة الرقة إلى جانب الجزيرة، وعين العرب، وعفرين، والمنطقة الواقعة تحت الإشراف التركي والتي ستضم إليها محافظة إدلب.

عملياً، للمعارضة نشاط وتواجد في المنطقة الواقعة تحت النفوذ الأمريكي جنوب البلاد، ومحافظة إدلب، إضافة للريف الشمالي من حلب، ورغم تباعد الأمكنة وصغر مساحتها، لكنها تضم كتلة بشرية كبرى تصل لربع سكان سورية وخاصة في ظل عودة قسم من اللاجئين في تركيا مع تحسن واستقرار الظروف في تلك المنطقة، ولربما يكون إيجاد طريق يصل بين الريف الغربي والشمالي من حلب، وبالتالي مع محافظة إدلب مهمة ملحة، يتوجب العمل عليها بجدية، والاستفادة من الاصطفافات الجديدة من أجل تحقيقها، الأمر الذي يسهل لتشكيل حركة التواصل والتنقل من جهة، ومن جهة أخرى يصبح من الضروري العمل على تشكيل حركة وطنية، تطرح خطابا توحيديا متسامحا، تكون محفزا ودافعا لحركات مشابهة في المناطق الأخرى، وخاصة الرقة ومناطق سيطرة النظام التي يتعاظم فيها القهر أكثر تجاه الساكنين هناك، وكذلك في مناطق سيطرة قوات قسد، والتي من المتوقع أن تخضع لتغييرات هيكلية وسياسية مثل إشراك بقية الأحزاب الكردية في إدارة المنطقة، ومن المفروض أن يتم تشكيل هياكل ثورية عربية في تلك المناطق، تعمل بالتوافق والتشارك مع مثيلتها في باقي المناطق وبالتوافق مع الأحزاب الكردية، والتجمعات المستقلة التي تسعى لسورية موحدة لا مركزية ديمقراطية تؤمن الحقوق لجميع مواطنيها، بعد التوصل لإعادة تأسيس دولة موحدة تعتمد قانونا ودستورا يساوي بين الناس، ويوزع السلطات بين مناطقه، وبالشكل الذي يرتضيه الناس، وهو مجال مفتوح للمستقبل ولمدى دور وقوة الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والهيئات المستقلة.

رغم كل السواد الذي يحيط بالبلاد، والمصير الذي ترسمه القوى الإقليمية والدولية لبلدنا، لكن من الضروري العمل من اللحظة من أجل مستقبل طال انتظاره، لا مكان فيه للاستبداد.

 

أحمد عيشة / كلنا سوريون

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد