المناطقية عدوى النظام في مناطق المعارضة

منشور  تمدن

جانب من الدمار في درعا (إنترنت)

على مدى السنوات السابقة التي بدأت بسيطرة حزب البعث على السلطة وبلغت أوجها مع دخول سوريا في نفق حكم آل الأسد، مثلت النزعة المناطقية أحد أهم وسائل النظام في بث الخلاف، وتحكيم مبدأ فرق تسد، بدءاً من الحلقة الأوسع على مستوى كل محافظة، بالاعتماد على منطق التمييز بين أبناء الريف وأبناء المدينة، وانتهاءاً بالحلقة الأصغر بين أبناء المنطقة الواحدة ، ففي ادلب حارة شمالية وأخرى جنوبية، وفي حماه سوق وحاضر، وانتقالا إلى باقي المحافظات السورية، لا يوجد منطقة مهما بلغ حجمها إلا وتحتوي على نزاع مناطقي يبلغ أوجه بين بلدات الجوار.

 

ومع بداية الثورة السورية واشتعال المظاهرات ضد النظام، انخفضت هذه النزعة بشكل كبير، وصبغ هتاف المتظاهرين بالتضامن باسم منطقتهم مع باقي المناطق الأخرى، “يا درعا حمص معاكي للموت”، كان الهتاف الأول الذي نادى به المتظاهرون في محافظة حمص.

إلا أن طول المدة الزمنية ساعد النظام على تعزيز المرض المناطقي بطرق عدة كان أخرها التسويات والهدن المناطقية، وخاصة على مستوى محافظة دمشق وريفها، بالإضافة لنجاحه بصبغ الثورة باللون الريفي، بعد السيطرة على مدينتي حلب وحمص.

تعتبر النزعة الطائفية سلاحاً لا يقل أذاه عن أذى الطائفية، لما له من أثار سلبية بين أبناء المنطقة الواحدة، فهو موضوع سهل التناول ويترك أثراً سلبيا لا يزول بسرعة خاصة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وسهولة استخدامها في نشر مثل هذه المواضيع.

الناشط الإعلامي باسل عز الدين قال لـ «تمدن»: استغل النظام جميع الطرق المتاحة في بث سم المناطقية بين أبناء الشعب السوري ومن أبرز هذه الطرق كان استغلال مواضيع المزاح “النكت” من خلال أدواته ومندوبيه الأمنين، عمد النظام إلى بث نكت كثيرة رسمت صورة نمطية للحمصي أنه مختل عقلياً وللإدلبي أنه شاذ أخلاقياً، ووسمت ابن الجزيرة بالجهل والحلبي بالجشع».

بهذه الطريقة استطاع النظام بث السم في العسل وخلق حساسية بين أبناء المناطق السورية لم تنجح الثورة في تلافيها والقضاء عليها بل طغت في الآونة الأخيرة لتصبح سمة عامة في مناطق المحرر، وتحولت معظم المدن والبلدات الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية إلى كنتونات مغلقة، وصلت في بعض المناطق إلى ضرورة وجود كفيل ليسكن أحد أبناء المناطق الأخرى فيها، كما يحدث اليوم في مناطق الإدارة الذاتية.

“استغل النظام جميع الطرق المتاحة في بث سم المناطقية بين أبناء الشعب السوري ومن أبرز هذه الطرق كان استغلال مواضيع المزاح “النكت” من خلال أدواته ومندوبيه الأمنين (..) حيث عمد من خلالها على رسم صورة نمطية للحمصي أنه مختل عقلياً وللإدلبي أنه شاذ أخلاقياً، ووسمت ابن الجزيرة بالجهل والحلبي بالجشع”

المناطقية في ظل الثورة

على مدى السنوات السبع تعرضت الثورة السورية إلى تحولات كبيرة ولم تستطع إيجاد جسم جامع لجميع الأطراف مما أنتج مؤسسات وهيئات كرتونية اكتفت باسم المعارضة دون وجود سياسة مرسومة وخطة واضحة لها في مواجهة النظام الذي استطاع من خلال هذه المؤسسات تحقيق معظم أهدافه على الأرض وتعزيز أفكاره، سعى النظام منذ انطلاق الثورة إلى عزل بعض المدن والبلدات وتقديم خدمات لمدن وبلدات أخرى وتفضيل منطقة على أخرى، هذا ما ولّد نوعاً من الكراهية لدى أهالي هذه المناطق، استطاع النظام تغذيتها من خلال بث الشائعات، أما بالنسبة للفصائل المسلحة فقد أكتفى أغلبها بمناطقها وخاصة أن كل فصيل اعتقد أن الثورة حققت أهدافها وانتهت بتحرير مدينته.

يزيد الخطاب المناطقي الوضع سوءاً، ففي منطقة كريف حمص الشمالي تضم ما يقارب 9 مجالس محلية أدى عدم وجود جسم جامع إلى ظهور هذا الكم الهائل من المجالس المحلية فمجلس المحافظة المناط به تنظيم هذه الأمور اتبع السياسة الذي سعى النظام إلى تنفيذها والملخصة بقانون «فرق تسد».

الناشط الإعلامي كريم خشفة قال لـ «تمدن»: على مستوى حي لا يتجاوز عدد سكانه 5 آلاف شخص، أنشأ مجلس المحافظة فيه مجلساً محلياً، يوجد في الكتلة الشرقية لمناطق المعارضة في مدينة حمص والمعروفة بريف حمص الشمالي عشرات المجالس المحلية، في حين يكفي وجود مجلسين رئيسيين لإعطاء أداء إداري ناجح وتنظيم العمل بالشكل الأمثل، الأمر نفسه ينطبق على الكتلة الغربية والمعروفة باسم الحولة.

المناطقية على المستوى المحلي

مع دخول منطقة ريف حمص الشمالي ضمن هدنة خفض التصعيد، استغل النظام عدم الوضوح الذي يسود الوضع الراهن، وبدأ العمل في سبيل تأجيج بعض الصراعات الداخلية وذلك لجر المنطقة إلى حرب مناطقية على غرار ما حدث في غوطة دمشق، بدأها بنشر إشاعات حول قيام ضباط من مدينة الرستن بالتوجه إلى قاعدة حميميم الروسية لإجراء مصالحة باسم الرستن عدا عن باقي مناطق الريف، الأمر الذي تواصلت بخصوصه صحيفة «تمدن» مع الفعاليات العاملة ضمن المدينة، وتبين أنها إشاعة لا أساس لها من الصحة، الغاية منها خلق فتنة بين الجيش الحر المتواجد في المدينة مع باقي الفصائل العاملة في الريف.

بعد فترة زمنية وجيزة تم إعادة بث أخبار ملفقة حول الكهرباء وانتشرت هذه الأخبار كانتشار النار في الهشيم لكونها حاجة ضرورية للسكان هذه المرة تم استهداف مدينة تلبيسة لينتشر الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن قيام أشخاص من تلبيسة بالتواصل مع النظام لإدخال الكهرباء إلى المدينة وحرمان باقي مدن وبلدات الريف الحمصي منها، وبهذا الخصوص تواصلت «تمدن» مع المجلس المحلي في تلبيسة، والذي أكد أن الأخبار المنتشرة لا وجود لها على الواقع.

الناشط الإغاثي عبد الكريم أيوب قال: «بالنسبة لموضوع الكهرباء تم الاتفاق منذ عدة أشهر بين لجنة مفوضة باسم مدن وبلدات ريف حمص بالكامل مع وفد من النظام وتم الاتفاق على عدة بنود منها إدخال الكهرباء للمنطقة مقابل السماح للنظام لصيانة خط ال400 وتشغيله وضمان المعارضة بسلامة الخطوط المارة من مناطق سيطرتها، إلا أن بعض الأطراف استغلت بدء عمليات الصيانة من تلبيسة لتنشر أخبار ملفقة بغية تأجيج فتنة مناطقية.

 المناطقية على المستوى الإغاثي

وفق الإحصائيات المتوفرة لكل بلدة من بلدات المنطقة نسبة مئوية على الجمعيات الإغاثية اعتمادها في حال تنفيذ مشروع على مستوى ريف حمص الشمالي مما يحقق عدالة في التوزيع، ويسهل عمل الجمعية من جهة أخرى، إلا أن عدم التزام بعض الجمعيات بهذه النسبة وتوزيعهم بحسب انتماء مدير الجمعية يعتبر من أهم روافد النزعة المناطقية.

وبحسب أيوب: «عمدت المكاتب الإغاثية على تأمين إحصائيات محلية مثلت نسبة كل بلدة على حدة الجهة الوحيدة التي التزمت بهذه الإحصائيات هي الهلال الأحمر، بينما تعمل أغلب الجمعيات الأخرى وفق نظام التوزيع العشوائي، الذي ظهر مع بداية الثورة وبهذه الطريقة تقدم الجمعيات خدمة مجانية للنظام وتعزز المناطقية بين أبناء ريف حمص الشمالي ولو بشكل غير مباشر».

بعد فشله بالسيطرة عسكرياً على المنطقة وعدم القدرة على فرض سيناريو التهجير بالرغم من تعدد المحاولات، لجأ النظام إلى تأجيج المناطقية في سبيل خلق فتنة واللعب على وتر نازح ،مقيم حمصي، رستناوي، تلاوي، لفرض سيطرته على آخر ما تبقى للمعارضة في محافظة حمص.

 

عبد الله أيوب / تمدن

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى