باحث اقتصادي: 80% من النفط السوري سيكون تحت سيطرة الميليشيات الكردية في السنوات العشر القادمة

منشور  صدى الشام

إياد الجعفري، خبير اقتصادي و مدير تحرير موقع “اقتصاد مال وأعمال السوريين”

حاوره: مصطفى محمد/ صدى الشام

 

نفط الحسكة ينقل بالصهاريج إلى النظام في مصفاة حمص.

♦ تجكم الأكراد والنظام علاقة “تبادل المنافع”. 

♦ الحليف الصيني ربما يكون من أبرز المستفيدين مستقبلاً.

 

يطرح انحسار تنظيم الدولة “داعش” عن المناطق السورية الغنية بالثروات لصالح قوات وميليشيات أخرى، تساؤلات حول مستقبل هذه الثروات وفي مقدمتها النفط.

وتعود هذه التساؤلات بالدرجة الأولى إلى صعوبة تفسير العلاقة القائمة حالياً بين مختلف الأطراف، والشكل الذي ستتخذه لاحقاً بناءً على جملة متغيرات.

ولعل أوضح مثال هنا هو العلاقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وبين نظام الأسد، ويرى إياد الجعفري، مدير تحرير موقع “اقتصاد مال وأعمال السوريين” الموقع المتخصص بالاقتصاد السوري وأحد مشاريع “زمان الوصل” ، في حوار مع “صدى الشام”، أن هذه العلاقة يمكن فهمها في ضوء مبدأ تبادل المنافع، حتى وإن كان هناك مصالح مشتركة وأخرى متضاربة.

وفيما لا يجزم الجعفري بوجود خطة لنقل النفط والغاز السوري إلى إسرائيل، فإنه لا ينفيها نهائياً بانتظار ما ستفرزه التطورات الميدانية في البادية السورية.

وفيما يلي نص الحوار:

– منذ مدة قصيرة كشفت وسائل إعلام محلية عن التوصل لاتفاق بين الوحدات الكردية والنظام، حيث يبحث هذا الاتفاق في توريد نفط الحسكة لنظام الأسد، والسؤال ما هي المعلومات التي بحوزتكم عن هذا الاتفاق، وما هي دلالته؟

حينما نتحدث عن ملف النفط في المنطقة الشمالية الشرقية، الخاضعة لسيطرة ميليشيات “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”، يجب توضيح جملة حقائق قائمة اليوم على أرض الواقع، أبرزها، أن أكثر من ثلثي الثروة النفطية السورية، تقع فعلياً تحت سيطرة الميليشيات الكردية، وفي غضون السنوات العشر القادمة -إن لم تحصل اكتشافات نفطية جديدة- ستشكل الحقول النفطية في مناطق سيطرة تلك الميلشيات، المصدر لأكثر من 80% من الثروة النفطية السورية، حسب مصادر متخصصة، منها، تصريحات لـ عبدو حسام الدين، معاون وزير النفط المنشق عن النظام أدلى بها لموقع “اقتصاد” في حوار مطول قبل أكثر من عام، حيث تسيطر ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على منطقتين رئيستين في إنتاج النفط الثقيل بسوريا هما: حقول الحسكة بما فيها رميلان والسويدية وكراتشوك، وحقول منطقة الشدادي أوالجبسة، التي انتزعتها تلك الميليشيات من تنظيم الدولة خلال العام الفائت، أما حقول دير الزور فهي تنتج النفط الخفيف، الذي يؤول للنضوب بسرعة أكبر، مقارنة بالنفط الثقيل الموجود في مناطق سيطرة الميليشيات الكردية.

وكي نفهم واقع الثروة النفطية والبعد اللوجستي الخاص بنقلها نوضح أن خط النقل الرئيس لنفط شمالي شرقي سوريا مُخرّب، وهو الخط الذي كان ينقل النفط الثقيل من حقول الحسكة إلى ميناء طرطوس، ويمر في محافظة الرقة، وكان يغذّي سابقاً مصفاتي حمص وبانياس، هذا الخط تعرض للتخريب، فتوقف نقل النفط فيه كلياً، لذا فإن سبل تصدير النفط المتاحة حالياً لدى الإدارة الذاتية الكردية هي بالصهاريج الناقلة للنفط، ومنذ التقاء مناطق سيطرة الأكراد مع مناطق سيطرة النظام في منبج وريفها قبل بضعة أشهر، بات نقل الصهاريج المحملة بالنفط من شمالي شرقي سوريا وصولاً إلى مصفاة حمص متاحاً، وهكذا لم يكن الإعلان عن اتفاق تصدير النفط من مناطق سيطرة الأكراد إلى النظام، قبل أيام، إلا إقراراً بأمر واقع، حيث أكدت مصادر محلية، عدة مرات، أن الصهاريج المحملة بالنفط، تنقل نفط الحسكة عبر منبج إلى حمص منذ أشهر.

“الجفري: أكثر من ثلثي الثروة النفطية السورية، تقع فعلياً تحت سيطرة الميليشيات الكردية، وفي غضون السنوات العشر القادمة -إن لم تحصل اكتشافات نفطية جديدة- ستشكل الحقول النفطية في مناطق سيطرة تلك الميلشيات، المصدر لأكثر من 80% من الثروة النفطية السورية”

– هل يدخل الاتفاق في إطار التعاون وتبادل المنفعة بين النظام والوحدات الكردية، أم أنه يرسم ملامح مستقبلية لواقع النفط السوري خلال الفترة المقبلة، أي ما بعد القضاء على تنظيم الدولة؟

أعتقد أن العلاقة بين الطرفين معقدة، ولا يمكن أن تخضع لتوصيف مبسّط، فهم ليسوا حلفاء، وليسوا في الوقت نفسه أعداء، وإن كانوا خصوماً إلى حد ما، وأعتقد أن العلاقة بين الديمقراطي الكردي ونظام الأسد، تشبه إلى حدٍ ما تلك العلاقة المعقدة التي ربطت لسنوات، بين تنظيم الدولة والنظام، ومحاولة فهم تعقيدات هكذا علاقة يحيلنا إلى استراتيجية شهيرة في العلاقات بين القوى السياسية، تُدعى في بعض الأدبيات باستراتيجية “السلات المختلفة”، وهي نظير استراتيجية “السلة الواحدة”، ففي الاستراتيجية الأخيرة تكون العلاقة بين الطرفين منتظمة، يتفقان فيها على ترتيب تسوية تنهي أي خلاف بينهما، بحيث يضعان كل مصالحهما المشتركة في سلة واحدة، أما استراتيجية “السلات المختلفة” فهي تتيح لطرفين بينهما مصالح مشتركة، وفي نفس الوقت لهما مصالح متضاربة، أن يجدا حلاً مؤقتاً عبر تقسيم المصالح المتنازعة بينهما في سلات مختلفة، يتفقان في بعضها ويتركان بعضها الآخر للصراع الميداني أو السياسي.

هكذا هي بالتحديد طبيعة العلاقة بين الاتحاد الديمقراطي الكردي، وبين نظام الأسد، إذ أن الطرفين عاجزان عن حسم مصالحهما المتضاربة بالقوة الميدانية، وفي الوقت نفسه تجمعهما مصالح مشتركة، لذا فالحل أن يتفقا على سلة للمصالح المشتركة، بينما يتركان المصالح المتضاربة في سلات أخرى تحت رحمة الصراع الميداني والسياسي، إلى أن تتغير الظروف، بما يتيح حسم تلك القضايا العالقة بينهما.

إن نظام الأسد غير راضٍ بالمطلق عن سيطرة الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشياته على الثروة النفطية في شمالي شرقي البلاد، فهذه الثروة كان تُدخل له سنوياً حوالي 4 مليارات دولار، و كما أنه غير راضٍ عن دور الأكراد في السيطرة على الرقة برعاية أمريكية، خشية أن يكون الآتي السيطرة على دير الزور، ليُحرم من آخر مصدر نفط ينتظر استعادته من تنظيم الدولة المتقهقر، لكن النظام الذي حاول التحرش بالأكراد، وجد أن الغطاء الأمريكي لهم مُحكم، فاضطر للتسليم بمبدأ تبادل المنافع معهم، وهي القاعدة التي يتبعها النظام حيال الأكراد، منذ أكثر من سنتين تقريباً، وفي المقابل يحتاج الديمقراطي الكردي إلى النظام في جوانب محددة، رغم رغبته بالتخلص من وجوده الرمزي المتبقي في شمالي شرقي البلاد، فالمنشآت النفطية التي تخضع اليوم للإدارة الذاتية الكردية، لم يستطع الأكراد إدارتها وحدهم، واضطروا للاستعانة بالنظام، بالإضافة إلى مؤسسات الدولة الخاضعة له، بما فيها من فنيين ومهندسين، ناهيك عن أن حاجة الديمقراطي الكردي لتمويل نشاطه العسكري تزيد من الحاجة لتصدير النفط، ولو على حساب سكان الحسكة أنفسهم، الذين يعانون اليوم من أزمة محروقات، حسب ما أكدت مصادر إعلامية محلية، ولأنه لا توجد سبل للتصدير متاحة أمام الأكراد إلا باتجاه النظام عبر منبج باستخدام الصهاريج، لذا فإن الديمقراطي الكردي لا يملك خياراً لتحصيل مكاسب مالية تساهم في تمويل آلته العسكرية ومقاتليه، إلا عبر بيع النفط لصالح النظام، ما دامت الخيارات الأخرى للتصدير غير قائمة حالياً.

من جانبه، فإن نظام الأسد بحاجة ملحة لشراء النفط من الحسكة، فهو في نهاية المطاف يشتريه بأقل من السعر العالمي غالباً، كما كان يشتريه من تنظيم الدولة.

-لكن لماذا حصلت أزمة محروقات في الحسكة، رغم غناها بالنفط؟

الجواب ببساطة، أن معظم حقول النفط هناك معطلة، والإدارة الذاتية الكردية تستثمر المتاح منها فقط، حيث تشير المعلومات الآتية من هناك إلى أن أقل من 30% من حقول رميلان قابلة للاستثمار، فيما يوجد 4 آبار فقط من أصل آلاف الآبار تعمل في الشدادي، وإصلاح هذه الآبار والبنية التحتية الخاصة باستخراج النفط منها يتطلب مليارات الدولارات، لذا فإن النفط الذي تصدره الميليشيات الكردية لصالح نظام الأسد، سيكون على حساب الحاجة المحلية لسكان الحسكة أنفسهم.

– هل يقتصر التعاون الاقتصادي بين النظام والوحدات على النفط، أم يمتد إلى المياه والكهرباء، خصوصاً أن الوحدات تسيطر اليوم على السدود الهامة والرئيسة؟

ما ينطبق على ملف النفط في العلاقة بين نظام الأسد والديمقراطي الكردي، ينطبق على ملف الكهرباء إلى حدٍ ما، مع فارق بالنِسب فالوحدات الكردية يحوزون على 80% تقريباً من النفط الثقيل في سوريا، أما بالنسبة للكهرباء فإن مصادر توليدها لم تعد تعتمد بصورة رئيسة على السدود، فالنظام يستخدم الغاز في توليد الكهرباء بنسبة 56% منذ ما قبل الثورة، في حين يختلف الوضع بالنسبة لملف المياه، إذ أن موارد المياه الخاضعة لسيطرة الأكراد تغطي حاجة المناطق الخاضعة لسيطرتهم لا أكثر، ولتوضيح مفاصل الحاجة المتبادلة بين الطرفين، نورد مثالاً عما يحدث اليوم من ارتفاع معدلات قطع الكهرباء في الحسكة، الأمر الذي أدى إلى بعض الاضطرابات، حيث اتهم متظاهرون مؤسسات الدولة الخاضعة لنظام الأسد بقطع الكهرباء عن معظم السكان، وتخصيصها فقط للمسؤولين، فيما تتهم هيئة الكهرباء التابعة للإدارة الذاتية الكردية تركيا، بقطع المياه عن السدود الثلاثة الكبرى التي تسيطر عليها، ما تسبب بانخفاض منسوب المياه عن مستوى العنفات الخاصة بتوليد الكهرباء.

ومن الملفت أنه في مقابل اتهام السكان للنظام بقطع الكهرباء، تنفي الإدارة الذاتية الكردية هذا الاتهام وإنْ بصورة غير مباشرة، ما يؤكد حاجة هذه الإدارة للفنيين والمهندسين التابعين لمؤسسات الدولة السورية الخاضعة للنظام في إدارة السدود ومحطات توليد الكهرباء في المنطقة الشمالية الشرقية، أي أن الطرفين مضطران لبعضهما، كما أن هناك قواسم مشتركة كبيرة بينهما.

“وفق استراتيجية (السلات المختلفة) بين الأكراد والنظام يتفق الطرفان على بعض المصالح المتنازعة ويتركان بعضها الآخر للصراع الميداني أو السياسي”

– تشهد البادية السورية حراكاً متسارعاً في الآونة الأخيرة، ما علاقة ما يجري بالنفط والغاز السوري غير المستثمر فيها بعد؟

حصل تراشق إعلامي كثيف في الآونة الأخيرة بين الإعلام التركي والروسي من جهة، وبين الإعلام السعودي من جهة أخرى، ما يوحي بوجود أمر ما يُطبخ من جانب الأمريكيين تحديداً، لكن لا يمكن الجزم بعد إن كان ذلك مجرد تراشق يندرج في سياق الصراع السياسي بين القوى الإقليمية والدولية في سوريا، أم أنه تأكيد لوجود ثروات نفطية وغازية غير مكتشفة في البادية السورية بكميات كبيرة، حسبما كان يُشاع في ستينيات القرن الماضي من جانب السوفييت قبل أن تنفي ذلك مؤسسات غربية متخصصة.

– بناء على التحركات العسكرية، هل من الممكن أن يمنح النظام عقود جديدة لأطراف حليفة له كسداد لديونه، مثل إيران أو الصين على سبيل المثال؟

في ملف النفط تحديداً، ربما يكون الحليف الصيني، من أبرز المستفيدين مستقبلاً، من عمليات إعادة تأهيل حقول رميلان والجبسة، حيث كانت هناك شركات صينية تعمل في تلك المنطقة، حتى وقت متأخر، قبل أن تنسحب مع اضطراب الأوضاع الأمنية، ومن المرجح، أن يتيح النظام فرصة العودة لتلك الشركات، حينما تستقر الأوضاع هناك، أو قد يحيل تلك الفرصة للإيرانيين والروس، حسب قوة ضغط كل طرف عليه.

بطبيعة الحال، يجب أن يتم ذلك بالتفاهم مع الأكراد تحديداً، إلا إذا تمكن أولئك من سحب كامل ملف النفط في شمالي شرقي سوريا بما فيه الجانب التقني، من قبضة النظام، وهو أمر مستبعد في المدى المنظور، لكنه غير مستبعد في مدى زمني أبعد.

– هناك تسريبات إعلامية تتحدث عن وجود توافق بين الأطراف المحلية والدولية على تقاسم نفط البادية السورية، ما هي علاقة إسرائيل بما يجري، وخصوصاً فيما يتعلق بوصول النفط السوري إلى أراضيها عبر الأراضي الأردنية؟

تتضح ملامح خطة مُحتملة، بأن تسيطر ميليشيات “قوات سوريا الديمقراطية” ذات القوام الكردي على كامل الجزيرة السورية، وعلى البادية وصولاً إلى الحدود مع الأردن، بالتعاون مع قوى عشائرية عربية، وبغطاء أمريكي، وذلك لنقل النفط والغاز السوري من شمالي شرقي سوريا ومن باديتها عبر خطوط نقل مروراً بالأردن إلى إسرائيل، وقد أصدرت مؤسسة بحثية بريطانية خريطة توضح مسار تلك الأنابيب المزمعة، وتناقل نشطاء تلك الخريطة، دون الكشف عن اسم تلك المؤسسة البحثية حتى الآن، لكن ما قالته تلك المؤسسة البحثية البريطانية المزعومة، أكدته صحيفة “يني شفق” التركية المقربة من حزب العدالة والتنمية التركي، وكذلك وكالة “سبوتنيك” الروسية المقربة من الكرملين، بوجود تنسيق سعودي – إماراتي، برعاية أمريكية، لتمويل نشاط عسكري كردي –عشائري عربي، لتمديد أنابيب النفط تلك، عبر البادية السورية مروراً بالأردن انتهاءً بإسرائيل، وكانت مساعي الأمريكيين للسيطرة على كامل الحدود السورية – العراقية، من الجانب السوري، واستشراس الإيرانيين في إفشال مساعيهم تلك، مؤشراً يوحي بوجود أمر ما يتعلق بالنفط والغاز في البادية السورية تحديداً.

لكن ورغم ما سبق، لا نستطيع الجزم بتلك المعطيات بصورة أكيدة، ذلك أن الأمريكيين تراخوا لاحقاً حيال الشراسة الإيرانية، وأتاحوا للإيرانيين خرق الحدود السورية – العراقية، عبر معابر ترابية قطعت الطريق على فصائل تدعمها واشنطن كانت تعتزم التقدم نحو دير الزور انطلاقاً من الجنوب السوري.

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد