تربية النحل في الشمال السوري مهنة عريقة تختفي تدريجياً

منشور  سوريتنا

صعوبة في الرعاية وأرباح ضئيلة لا تغطي التكاليف

تربية النحل في مدن الشمال السوري مهنة تتوارثها كثير من العائلات، ويزاولها كثير من الأهالي بفعل قيمة العسل الغذائية والدوائية وتوفر الخلايا اللازمة والمراعي المتنوعة، والتي تقدم دخلاً جيداً لأصحابها، إلا أنها بدأت تتراجع مع تصاعد الحرب بعد 2012، شأنها شأن كثير من المهن التي فقدت أصحابها، وبدأت المناحل بالاختفاء تدريجياً من السهول والمراعي التي تشتهر بها.

وكانت محافظة إدلب تحتل المركز الأول في سوريا بعدد طوائف النحل، والتي كانت تقدر بأكثر من 90 ألف طائفة في 2011، وبلغ إنتاج المحافظة من العسل في ذلك العام، 550 طناً حسب إحصائية وزارة الزراعة في حكومة النظام، حيث تتركز تربية النحل في أريحا والدانا ومعرة النعمان وخان شيخون ودركوش، بل كانت تنتج أنواعاً متعددة من العسل.

وقال أبو أحمد السهو، مربي نحل في منطقة سهل الروج لــ سوريتنا: «إن تربية النحل في الماضي لم تكن ذات مشاكل وهموم كما هي اليوم، لتوفر الخلايا ومادة الشمع والأدوية اللازمة والمراعي المتنوعة وسهول التنقل بينها، أما اليوم فالظروف تشكل لنا تحدياً كبيراً، وغالبية المربين إما هجروا مهنتهم أو خفَّضوا عدد خلايا النحل، وتحولت تربية النحل من مهنة رابحة إلى مشروع لا يكاد يسد احتياجات المربين في كثير من الأحيان، بل شكل عبئاً عليهم».

فقدان أنواع من النحل

يتابع أبو أحمد قائلاً: «هناك العديد من أصناف النحل، إلا أن أغلبها بات هجيناً، ففي السابق كنا نعتمد على النحل الأصيل كالأوكراني الذي يتميز بإنتاجه الوفير، لكن تربيته صعبة الآن، فهو يحتاج إلى جو معتدل، وكنا ننقله إلى مناطق الساحل في الشتاء، وهذا غير ممكن اليوم».

كما كان مربو النحل يربون النحل الإيطالي الذي يتميز بجمع العسل، لكنه لا يتحمل حرارة الصيف؛ فهو بحاجة إلى مناخ ساحلي وضعف مقاومته للدبور الأحمر جعل تربيته صعبةً للغاية.

كما يُربى النحل السوري الذي أثبت مقاومته للظروف المناخية والبيئية ومقاومته للدبور الأحمر، وله نوعان: السيوفي وهو شرس، والغنامي الأكثر هدوءاً، وهو صغير الحجم ولونه أصفر، ولكن إنتاجهما للعسل ليس وفيراً كالأوكراني والإيطالي.

إلا أن النحل السوري بات هجيناً بفعل استيراد ملكات التلقيح وإنتاج البيوض من تركيا أو من مناطق سيطرة النظام، والتي بلغ سعر الواحدة منها 300 دولار أمريكي.

“محافظة إدلب تحتل المركز الأول في سوريا بعدد طوائف النحل، والتي كانت تقدر بأكثر من 90 ألف طائفة في 2011، وبلغ إنتاج المحافظة من العسل في ذلك العام، 550 طناً حسب إحصائية وزارة الزراعة”

تكاليف عالية وأسعار ضئيلة

وتبلغ كلفة إنتاج كل 1 كغ من العسل حوالي 4000 في الوقت الذي يباع فيه بين 5000 – 6000 ليرة سورية، إضافةً إلى انخفاض إنتاجية الخلية الواحدة التي كانت تتراوح قديماً بين 7 – 8 كغ، بينما اليوم أصبحت تنتج 3 – 4 كغ من العسل، فضلاً عن صعوبة التصريف، حيث كان العسل السوري يُصدَّر لدول الخليج ولبنان، أما اليوم فقتصر الأمر على بعض المحلات الصغيرة والمشافي الميدانية التي تستخدمه كعلاج لالتهاب الكبد المزمن والالتهابات عامةً والحروق، بالإضافة للمصابين بمرض السكر.

وأوضح عبد القادر عثمان العامل في تربية النحل، أن «كلفة الإنتاج مرتفعة جداً، وقلة الإنتاج ترتبط بعوامل توفر المراعي الغنية بالزهور لجلب الرحيق، وارتفاع أجور النقل».

ويضيف عبد القادر «كنت أملك 100 خلية قبل ست سنوات، أما في الوقت الحالي تراجعت إلى 30 خلية وهذا بفعل الوفيات والأمراض، وهو حال الكثير من النحالين، وبالتالي تحولت تربية النحل من مهنة إلى مجرد عمل محدود الدخل».

تراجع أنواع العسل مع انحسار المراعي

يحتاج النحل للرعي في بساتين مختلفة ومتنوعة الزهور لإنتاج أصناف متعددة من العسل، لكن قلة المراعي وانحسارها شكلت تحدياً كبيراً للنحالين، يقول عبد القادر «كنا نذهب في الشتاء إلى الساحل حيث المناخ معتدل ودافئ، وهو ما يتناسب مع بعض الأنواع، وفي الصيف نتوجه إلى الرقة حيث يتوفر الماء والمراعي الجيدة، والتي تحوي شجرة الكينا على طرفي الفرات ووجود زهر القطن في شهري تموز وآب، أما عسل اليانسون فكان يتم الحصول عليه من مراعي ريف حماة وتلبيسة في حمص».

إلا أن جميع تلك المناطق بات من المستحيل التوجه إليها سواء بالجهة التي تسيطر عليها أو بالقصف الذي يطالها، الأمر الذي دفع الكثير من النحالين إلى تخفيض عدد الخلايا واقتصارهم على بعض المراعي في المناطق المحررة كريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي وإدلب، حيث تتركز زراعة حبة البركة وعباد الشمس ونبتة الجيجان التي تنمو بعد الحصاد.

وتتعدد أنواع العسل تبعاً لأنواع المراعي واختلافها كالأشجار والأزهار، وللنحل أيضاً دور في ذلك التنوع، إلا أنه هناك محدودية في إنتاج أنواع مختلفة من العسل في محافظة إدلب خلال الوقت الرهن، مع فقدان العديد من المراعي، فعسل الحمضيات كان ينتج من مراعي الساحل، وعسل القطن والكينا من مراعي الرقة، فيما اقتصر الإنتاج حالياً على عسل حبة البركة وعسل الجيجان واليانسون والشوكيات وعباد الشمس واللوزيات فهذه الأصناف مراعيها متوفرة إلى حد ما ضمن المناطق المحررة في إدلب وحماة.

“أبو أحمد: هناك العديد من أصناف النحل، إلا أن أغلبها بات هجيناً، ففي السابق كنا نعتمد على النحل الأصيل كالأوكراني الذي يتميز بإنتاجه الوفير، لكن تربيته صعبة الآن، فهو يحتاج إلى جو معتدل، وكنا ننقله إلى مناطق الساحل في الشتاء، وهذا غير ممكن اليوم”

انتشار للأوبئة يرافقه فقدان للأدوية

يتعرض النحل إلى كثير من الآفات والأمراض، وحول ذلك قال المهندس الزراعي أحمد عدلة من قرية كورين بريف إدلب: «إن الآفات التي تصيب النحل تنقسم إلى فيروسي، مثل تكيّس الحضنة، وبكتيري مثل تعفن الحضنة الأمريكي، وتكمن المشكلة الأساسية في مكافحته هو أن البكتيريا عبارة عن جراثيم تنمو عندما تتهيأ لها الظروف المناسبة، والتي تستطيع أن تظل حية لمدة 50 عاماً وضمن الخلايا القديمة للنحَّال، وهذا المرض يصيب اليرقة (النحلة حديثة الولادة)، وتموت وهي في طور العذراء، لذلك فهو يختلف عن مرض تعفن الحضنة الأوروبي، الذي يؤدي إلى موت النحلة عندما يصبح عمرها 4 – 5 أيام، وهناك مرض الحلم والفاروا (القراد) وتتم بطرق غير كيميائية».

أما الحشرات التي تعتبر من أشد أعداء النحل فهي طائر الوروار الذي يعيش في مناطق شرق سوريا حول ضفاف الفرات ووجود المياه، ويفترس النحل أثناء طيرانه في الجو وكذلك يمنع سروحه بسبب صوته المميز، ويظل النحل قابعاً في خلاياه، أما مكافحته فتكون عبر صيده بوساطة شباك صيد والبندقية، أو نصب مكبرات صوت كجهاز إنذار قرب الخلايا.

وكذلك الدبور الأحمر الشرقي الذي يهاجم النحل ويقوم بسرقة العسل وافتراس العاملات، والدبور الأصفر الغربي لا يقل خطراً على النحل من الدبور الأحمر.

وعن توفر الأدوية قال المهندس عدلة «هناك صعوبة كبيرة في تأمين ما يلزم لمكافحة الأمراض، والتي ارتفعت بنسبة عشرة أضعاف عن الماضي، وتأتي عن طريق النظام، وبالتالي من المرجح أن يرتفع سعرها إلى خمسة أضعاف. هذا إن سمح النظام بعبورها إلى مناطق سيطرة المعارضة، أو ربما تكون الأدوية التركية هي البديل في بعض الأحيان، والتي تعتبر سيئة ورديئة في غالب الأحيان فضلاً عن ارتفاع سعرها».

تحديات أخرى

ولم تقتصر التحديات والصعوبات التي تواجه مربي النحل على قلة المراعي وفقدان الأدوية وارتفاع أسعارها، بل تعدى الأمر ذلك إلى صعوبة تأمين مادة الشمع اللازمة لعمل إطارات خلايا النحل، فلا يوجد سوى معمل واحد في بلدة سرمدا لإنتاج الشمع، وكذلك ارتفاع أسعار الخلايا الفارغة؛ فسعر الخلية الواحدة بلغ 15000 ل. س، بعدما كان سعرها لا يتجاوز الألف ليرة، وتبقى عملية نقل وترحيل النحل من مكان لآخر الأكثر صعوبة؛ فلا يمكن نقل النحل ليلاً بسبب استهداف السيارات، ما يضطرهم للتنقل نهاراً، وهذا تحدٍّ آخرً، وعدا هذا كله أرخى ارتفاع أسعار المحروقات بظلالها على مربي النحل سواء بارتفاع تكاليف النقل أو بعدم قدرة المزارع على سقاية بعض المحاصيل لإعطاء زخم إنتاجي أكبر للمراعي، وقد تبقى بعضها بعلبة، ما ينعكس سلباً على النحالين.

“عبد القادر: كنت أملك 100 خلية قبل ست سنوات، أما في الوقت الحالي تراجعت إلى 30 خلية وهذا بفعل الوفيات والأمراض، وهو حال الكثير من النحالين، وبالتالي تحولت تربية النحل من مهنة إلى مجرد عمل محدود الدخل”

أوجه مختلفة للتلاعب بالعسل

هناك طرق كثيرة لغش العسل كما يرى محمد السعيد وهو نحال وتاجر عسل من قرية اللج بريف إدلب «فمنهم من يضيف محلول السكر للعسل، ومنهم من يضيف العسل الأسود، وثالث يضيف الماء في بعض الأحيان. أما البعض فيرى أن الغش محصور في تغذية النحل على السكر بدلاً من رحيق الأزهار، ومنهم من ربط لون العسل بالغش، لكن ذلك ليس مقياساً؛ فاللون يختلف بحسب طبيعة المرعى، ومما قد لا يعرفه البعض أن عسل الحمضيات يكون لونه أصفر فاتحاً، وعسل اليانسون لونه غامق، وآخرون اعتقدوا أن تجمد العسل في الشتاء هو دليل على أن العسل مغشوش، إلا أن ذلك أيضاً لا يعتبر مقياساً، فعسل القطن يتجمد حتى لو كان غير مغشوش. كل ذلك يتعلق بنوعية المراعي».

أما طرق كشف الغش، فتكون مخبرياً عن طريق التحاليل والاختبارات، أو عن طريق الخبرة الشخصية والاحتكاك بالعسل والنحل، وبعضهم اتبع طرق بسيطة كطلاء ورقة بيضاء عادية بالعسل ومن ثم حرقها فإذا انطفأت يكون العسل جيداً؛ فهو بخلاف السكر لا يحترق.

 

للمزيد اقرأ أيضاً..

المناحل محدودة شمال حلب.. وغرفة حديثة لتقديم الدعم

 

حوالي 8 آلاف خليّة نحل في ريف دمشق وتراجع في إنتاج العسل السوري

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد