الحضارة والعقلانية والقومية.. الأقانيم الثلاثة للمؤرخ السوري قسطنطين زريق

منشور  كلنا سوريون

المؤرخ السوري قسطنطين زريق "شيخ المؤرخين العرب" (إنترنت)

وُلِد قسطنطين زريق في دمشق عام 1909 في أحد أحياء دمشق الأصيلة “حي القيميرية”، لعائلة مسيحية أرذثوكسية متوسطة الحال، عُرفت بابتعادها عن التعصّب الديني وبميولها للتعاون مع اتباع الديانات الأخرى، وبالأخص أنه وُلِد في فترة عاصر فيها أحداثاً كبرى من خروج العثمانيين ودخول الجيش العربي وقيام المملكة السورية بقيادة فيصل الأول ومعركة ميسلون والانتداب الفرنسي.

نشأته وتحصيله العلمي والأكاديمي

تلك الحالة خلقت في نفس زريق تفكيراً حرّاً وراسخاً بالتعددية منذ بداياته الطفولية، ومما ساهم بتلك النزعة دراسته في المدرسة الأرذثوكسية (الآسية) – لمراحلها الثلاث – والتي كانت تتميز بإيمانها الوطني حيث كان يدرس فيها الكثير من الطلاب المسلمين.

تلك العلاقات الاولى جعلت زريق ينظر لمنطق الحياة وفي دمشق بالذات من جانبها المشرق، إضافة لذلك فإن المكان الذي عاش به خلق في روحه نظرة أولى وعميقة حول التشكيل التاريخي لتلك البلاد، حيث تركت انطباعات وتساؤلات كبيرة.. ففي منطقته حيث يعيش نزلت البشارة على بولس الرسول، ويمتد الشارع إلى باب شرقي حيث من خلاله فتح خالد بن الوليد دمشق، وتواجد قبور وأضرحة يوحنا المعمدان والإمام الحسين ومعاوية وصلاح الدين وابن تيمية وابن عربي على اختلاف اتجاهاتهم ودياناتهم.

كل تلك الأشياء والأمكنة والبيئة تركت في روح زريق ثقافة طفولية أولى ستجعله يتجه مستقبلاً ليكون أحد أهم مؤرخي العرب، والتي ستترك بصماتها العميقة في شخصيته وتؤثر في تكوينه العقائدي والسياسي.

في العام الذي توفي فيه والده “قيصر” في كولومبيا عام 1924 أنهى قسطنطين مرحلته الثانوية وانتقل مباشرة إلى بيروت ليدرس في الجامعة الأمريكية الرياضيات، لكنه لم يستمر طويلاً لإحساسه بأنّ تلك الدراسة بعيدة عن تكوينه النفسي والعقلي، ليحول مجال دراسته إلى كلية الآداب باختصاص تاريخ، حيث نال على شهادة البكالوريوس عام 1928 بمرتبة شرف أولى، ليسافر مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويلتحق جامعة شيكاجو ليحصل منها على درجة الماجستير في العام ذاته، ودرجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1930 من جامعة برينستون.

بعد تخرجه عاد زريق إلى الجامعة الامريكية في بيروت حيث عمل بين فترتي 1930 – 1945 كأستاذ مساعد فيها، كما تدرّج بالعمل بعدة مناصب، فأصبح أستاذاً عام 1942 في الجامعة الامريكية كما درّس في جامعة دمشق وجامعتي كولومبيا وجورج تاون في الولايات المتحدة كأستاذ زائر. وعُيّن فيما بعد رئيساً لجامعة دمشق.

تقلده مناصب دبلوماسية

في تلك الفترة عمل زريق أيضاً في السلك الدبلوماسي حيث خدم كمستشار أول ثم وزير مفوض في المفوضية السورية بواشنطن في مرحلة الجلاء الفرنسي، واختير ممثلاً عن سوريا في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بين عامي 1945 – 1947. بعد إنهاء مهمته عاد إلى البلاد فعُيّن نائباً لرئيس الجامعة الأمريكية في بيروت مع احتفاظه عمله أستاذاً للتاريخ، وكان ذلك المنصب لا يشغله سوى الأمريكيين، وإن دل ذلك على شيء فهو الثقة العلمية الكبيرة التي كان يحظى بها زريق في الأوساط الجامعية والعلمية الثقافية.

في مرحلة ما بعد الاستقلال كانت سوريا تتجه للصعود والبناء في سعي لتحرر كلي، وكان تنظيم الجامعات وإيجاد مناهج علمية وثقافية صحيحة هو أحد أشكال ذلك البناء، فاستُدعي زريق عام 1949 ليكون رئيساً في جامعة دمشق فعمل على تغيير المناهج بشكل جذري وظل يدير الشؤون الثقافية والعلمية في الجامعة حتى عام 1952 حيث استقال زريق من منصبه في الرئاسة بسبب اقتحام الجيش للحرم الجامعي بحثاً عن طالب رفض استلام شهادة بالقانون من العقيد أديب الشيشكلي، فغادر البلاد متجهاً مرة أخرى إلى بيروت حيث أصبح رئيساً بالوكالة في الجامعة الامريكية هناك.

كانت تلك الفترة قد أخذت زريق من تفرغه للعمل الفكري فكان غارقاً في الشؤون الإدارية للعمل الجامعي. ورغم استقالته من العمل بعد ذلك إلا أنه بقي على تواصل دائم مع العمل الأكاديمي، فتولى مناصب عديدة وحاضر في الكثير من الجامعات كأستاذ زائر. ونشط في العديد من المنظمات الثقافية الاقليمية والعالمية، فكان رئيس جمعية أصدقاء كتاب لبنان. رئيس مجلس أمناء الدراسات الفلسطينية.

عضو في مجلس أمناء جامعة قطر. عضو فخري في الجمعية التاريخية الامريكية. عضو مراسل في مجمع اللغة العربية في دمشق. عضو في الهيئة الدولية لكتابة التاريخ العلمي والحضاري للإنسانية برعاية اليونسكو. وغير ذلك الكثير من المناصب.

أثناء مرحلة تفرغه الشبه كامل من الأعمال الإدارية عمل زريق على بحوثه الفكرية وهي الهاجس الأساسي والعلمي له، فكتب عدداً من المقالات والبحوث في المجلات العربية كالمعرفة والمقتطف والعربي ومجلة مجمع اللغة العربية وحلقة الدراسات الاجتماعية، كما أصدر عدداً كبيراً من الكتب المهمة في التاريخ وقضايا الفكر والقومية العربية والنهضة والحضارة وتحقيقات في التراث العربي، ومنها (نظرات في الحياة القومية العربية المنفتحة في الشرق العربي.

نحن والتاريخ. في معركة الحضارة. تهذيب الأخلاق لابن مسكويه. نحو عالم عربي أفضل. أمراء غسان من آل جفنة. اليزيدية قديماً وحديثاً. تاريخ ان الفرات. معنى النكبة. هذا العصر المتفجر. الكتاب الأحمر، والذي كتبه في مطلع الثلاثينات والذي اُعتبر آنذاك ميثاقاً للقومية العربية).

“إطلاق لقب شيخ المؤرخين العرب على قسطنطين زريق لم يأت من فراغ. لقد كان أحد أهم رموز الفكر السوري العالمي والعربي المعاصر، الذي اتخذ من فكره مشروعاً للنهضة الإنسانية دون الغوص بأبعاد السياسة التي كانت مرافقة لذلك الزمن”

أعماله الفكرية

استمر قسطنطين زريق في بحوثه الاكاديمية وكتابة المؤلفات حتى لحظة وفاته عام 2000.

بالطبع عندما نتحدث عن مشروع بحث التراث والتاريخ من نظرته القومية عند قسطنطين زريق فبالتأكيد نحن لا نتحدث عن القومية العربية بمعناها البعثي الأسدي أو الصدامي، بل قومية البناء التحرري الاول والعلمي. العروبة بإمكانياتها البشرية والحضارية لدفع عجلة الحداثة إلى الأمام.

يمكن تلخيص مجمل أعمال قسطنطين الفكرية بثلاثة مفاهيم أساسية وهي الحضارة والعقلانية والقومية. فمن هذه المفاهيم انطلق لمعالجة قضايا ومشكلات الواقع العربي.

الحضارة عند زريق

شكّلت الحضارة عند زريق هاجساً أساسياً، فالقومية لديه تترسخ في الشعور الشخصي للإنسان في لحظة تقبلّه للوعي والثقافة الاخرى، إنها لحظة الانفتاح على تجارب العالم الآخر والاستفادة منها وليس التقوقع على الذات وبقاء تكرير الحضارة التي كانت توجد في بلادنا في لحظة ما، لقد فتح أفق جديد لإعادة النظر وهيكلة الوعي الذي نمتلكه من خلال الاستفادة من التجربة العالمية، فالحضارة من هذا المعنى تترابط لترفع من شأن المفهوم القومي وليس العكس.

فالعرب لن يكون لهم وجود فعلي وتراثي إن لم ينفتحوا على التجربة الثقافية في دول العالم الآخر الذي يختلف معنا من حيث مفاهيمنا وسلوكياتنا الحياتية. إنها تبادل للوعي من أجل الارتقاء. فالتقوقع القومي يؤدي قطعاً للغرق بالجهل والتعصب والتطرف.

العقلانية في فكر زريق

أما مفهومه الآخر عن العقلانية فهو تعبير عن الثقافة الحديثة، إنها عقلنة ما نمارسه بشكل منطقي، وهذا يتحقق بعنصرين متلازمين، وهما العلم والخلق. فبرأيه كي ينظر الشخص للحياة بشكل عقلاني يتوجب عليه أن يدرس كل العلوم المتاحة حتى لو تعارضت مع ثقافته التي ورثها بشكل أعمى عن أسلافه، لأنّ ما يؤخذ دون تفكير أو نقد للسائد يؤدي قطعاً للدوران في حلقة من إعادة إنتاج تلك الثقافة الموروثة التي لن تؤدي للارتقاء لا بالوعي ولا حتى السلوك الإنساني في صيغة التواصل مع العالم المتقدم علمياً واخلاقياً.

أما بالنسبة للخلق فقد تجلت نظرته بمحاولة انجاز أي شخص لأي شيء ممكن فكرياً حتى وإن كان في بداياته ناقصاً، فمحاولة خلق شيء جديد يؤدي تراكمياً لازدياد الوعي عند الشعوب وتؤدي في مرحلة الوصول إلى الامتلاء لعمل ثورة حقيقة تُطيح بكل ما هو قديم وتحلّ بالجديد الحداثي.

القومية

وحول مسالة القومية وقد شغلت الحيز الأكبر من فكر زريق، فقد رأى انها جوهر الحياة العربية ليس بمعناها اللغوي أو الجغرافي الذي تبناه الفكر القومي السياسي فيما بعد، بل بمعناها النهضوي العقلي. فالقومية ليست شعوراً تتبادله مع شخص يتحدث لغتك او تجمعك به أرض، بل هي منهج للاستفادة من اختلاف التجربة الواسعة الممتدة جغرافيا من المحيط إلى الخليج. تنوّع التجربة تاريخياً في كل بقعة من الحالة القومية لها مشروعها النهضوي الخاص بها الذي يجب دراساته بشكل حيادي وعميق.

وبالرغم انه لم يقدم الكثير في كتاباته لتطوير فلسفة عربية قوية ومتكاملة إلا أنه نجح في إثارة بعض القضايا، حيث كانت بحوثه بمثابة مساهمات لفتت انظار المفكرين العرب الآخرين والذي أتوا بعده إلى ضرورة التصدي لتلك المشاكل ومعالجتها. وكانت اهم مساهماته في المشروع القومي هو بحثه في القضية الفلسطينية والتي اعتبرها محك النهضة العربية. لقد كانت كتاباته حول القضية الفلسطينية مجالاً لإثراء الفكر العربي وتحفيز له باعتماد منطلقات جديدة في النظرة القومية.

إنّ إطلاق لقب شيخ المؤرخين العرب على قسطنطين زريق لم يأت من فراغ. لقد كان أحد أهم رموز الفكر السوري العالمي والعربي المعاصر، الذي اتخذ من فكره مشروعاً للنهضة الإنسانية دون الغوص بأبعاد السياسة التي كانت مرافقة لذلك الزمن. لقد حافظ زريق على فكره الحر والأكاديمي من الدخول في عالم السياسة وبقي وفياً وعاملاً مجتهداً لتاريخه وثقافته وأكاديميته وإنسانيته حتى وفاته.

 

خالد علوش / كلنا سوريون

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد