التعذيب في المعتقلات انتهاك للإنسانية.. يحرمه الدستور السوري وتشرعنه المراسيم الرئاسية

منشور  كلنا سوريون

واحدة من الصور الصادمة التي سربها "تقرير القيصر" لضحايا التعذيب في معتقلات النظام السوري (وكالة الأناضول)

يصادف يوم 26 حزيران من كلّ عام مناسبة عالميّة لإحياء مأساة ضحايا التعذيب في أنحاء العالم، ويُتيح هذا اليوم مساندة ضحايا التعذيب والتأكيد مجدّداً أنّه لا يمكن القبول أو السماح بارتكاب التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانيّة أو المهينة. وهو مناسبة لتجديد الالتزام بالتنديد بمثل هذه الأعمال والسعي إلى الانتصاف لضحايا التعذيب.

إنّ مصطلح “تعذيب” يضمّ مجموعة متنوّعة من الممارسات مثل الضرب القاسي بالعصا، الصدمات الكهربائيّة، الاستغلال الجنسيّ والاغتصاب، العزل لفترات طويلة، الأعمال الشاقّة، محاكاة الغرق والخنق، قطع الأعضاء، الصلب لفترات طويلة، الإجبار على الوقوف قبالة الحائط ممدد الذراعين والرجلين لمدّة ساعات، التعرّض المتواصل لأضواء ساطعة أو تعصيب العينين، التعريض بصفة مستمرة للضجيج العالي، الحرمان من النوم أو الأكل أو الشرب، الإكراه على المكوث واقفاً أو منحنياً، أو الهزّ العنيف.

يعتبر القانون الدوليّ التعذيب “معاملة قاسية، لا إنسانيّة ومهينة” بشكل سافر، ويعدّ التعذيب انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان، حظره القانون الدوليّ حظراً كليّاً. وكانت الشرعة الدوليّة لحقوق الإنسان قد صاغت العديد من الوثائق التي اعتبرت التعذيب جريمة يعاقب عليها. جاء في المادّة الثالثة للإعلان العالميّ لحقوق الإنسان: “لكلّ فرد الحقّ في الحياة والحرّيّة وسلامته الشخصيّة”. كما جاء في المادّة الخامسة: “لا يعرّض أيّ إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطّة بالكرامة”.

وقد جاء في العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة 1966 في المادّة السادسة: “الحقّ في الحياة حقّ ملازم لكلّ إنسان. وعلى القانون أن يحمى هذا الحقّ. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسّفاً”. كما جاء في المادّة السابعة: “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانيّة أو الحاطّة بالكرامة. وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أيّة تجربة طبيّة أو علميّة على أحد دون رضاه الحرّ”.

وكذلك كان الحال مع اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافيّة والتي تقع في صلب القانون الدوليّ الإنسانيّ الذي ينظّم السلوك أثناء النزاعات المسلّحة ويسعى للحدّ من تأثيراتها. وجاء في المادّة الثالثة: “تحريم القتل، والتشويه، والتعذيب، والمعاملة القاسية، واللاإنسانيّة، والمهينة، واحتجاز الرهائن، والمحاكمة غير العادلة.

وقد كانت اتفاقيّة مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية الصادرة عام 1987 أكثر الأشكال تنظيماً ووضوحاً في التعامل مع ظاهرة التعذيب الجسدي.

وقد جاء في الفقرة الأولى من المادّة الثانية من الاتفاقيّة: “على الدول الموقّعة على اتفاقيّة مناهضة التعذيب أن تتّخذ إجراءات تشريعيّة أو إداريّة أو قضائيّة لمنع أعمال التعذيب” ولمّا كانت سورية قد انضمّت للاتفاقية في عام 2004، تعالوا لنرى ما هي الإجراءات التي اتخذتها إعمالاً للنصّ أعلاه:

الدستور السوري

في الفقرة الثانية من المادة 53 من الدستور السوري لعام 2012: “لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك ولا يسقط هذا الفعل الجرميّ بالتقادم” وكذلك جاء في المادة 54: “كلّ اعتداء على الحرّيّة الشخصيّة أو على حرمة الحياة الخاصّة أو على غيرها من الحقوق والحرّيّات العامّة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة ولا تسقط الدعوة الجزائيّة ولا المدنيّة الناشئة عنها بالتقادم”.

قانون العقوبات السوري

ورد في المادّة 391 من قانون العقوبات السوري: “1/ من سام شخصاً ضروباً من الشدّة لا يُجيزها القانون رغبة منه في الحصول على إقرار عن جريمة أو على معلومات بشأنها عُوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، 2/ وإذا أفضت أعمال العنف عليه إلى مرض أو جراح كان أدنى العقاب الحبس سنة”.

نرى أنّ مواداً في الدستور السوريّ أو في قانون العقوبات قد منعت بشكل أو بآخر التعذيب وممارسته، ولكن وباستعراض سريع لمواد وتشريعات قانونيّة أخرى صادرة بمراسيم رئاسيّة نستطيع أن نكتشف التناقض صارخاً، مثلاً المادّة 16 من المرسوم التشريعي رقم (14) تاريخ 15-1-1969 القاضي بإحداث إدارة أمن الدولة تنصّ: “لا يجوز ملاحقة أيّ من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمّات المحدّدة الموكلة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلّا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير” وجاء في المادّة 74 من قانون التنظيمات الداخليّة لإدارة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 549 بتاريخ 5/12/ 1969ما يلي: “لا يجوز ملاحقة أيّ من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء، في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير”. كما يوجد نصوص مشابهة تحمي عناصر وضبّاط الجيش والإدارات التابعة له كشعبة المخابرات العسكريّة والجويّة وكذا بالنسبة لعناصر الشرطة وشعبة الأمن السياسيّ التابعين لوزارة الداخليّة.

بقراءتنا لهاتين المادّتين في هذين القانونين نلاحظ وبوضوح: انتهاك حقّ المواطن السوريّ، إذ يحرمانه من حقّ اللجوء إلى القضاء، للادّعاء على أيّ رجل أمن ارتكب جريمة بحقّه، إذا كانت هذه الجريمة قد ارتُكبت بسبب ممارسة رجل الأمن لوظيفته، أو أثناء ممارسته له، كما أنّهما تهدمان مبدأ المساواة أمام القانون، إضافة إلى أنّهما قوانين تتعارض مع أحكام الدستور وبالتالي فهي نصوص غير دستوريّة.

 

هديل السمان – محامية / كلنا سوريون

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد