نساء منتجات.. “عفاف الزير” امرأة تتحدى الإعاقة

عفاف الزيز في متجرها بمدينة الريحانية التركية، تبيع فيه الأشغال اليدوية التي تنتجها (SNP)

 

كتبتها: رغد برغوث – SNP

 

“الحياة مزدحمة بالمصاعب والحواجز لكن العزيمة والإصرار كفيلتان بتحطيم كل العقبات وتخطيها.. وطعم الحياة يحلو بالتحديات”.

هذه العبارة كتبتها عفاف في صفحة “شمعة أمل” التي أنشأتها في موقع التواصل الاجتماعي الشهير (الفيسبوك)، لتشجيع ذوي الاحتياجات الخاصة لأن الإعاقة “ليست نهاية الحياة” بحسب تجربتها.

 

عفاف الزير (42 عاماً)، امرأة سورية، ولدت بإعاقة جسدية حركية (قصور في الأقدام) في محافظة إدلب، ولكنها تحمل من العزيمة والإصرار ما يستحق تسليط الضوء عليه.

على الرغم من إعاقتها عاشت عفاف طفولة طبيعية كأي طفل عادي، ولعبت مع الأطفال في صغرها لعبة كرة القدم ولعبة الرجل (الحجلة)، إلا أنها لم تدخل المدرسة ولم تتعلم كبقية أقرانها، بسبب الإهمال الحكومي والمجتمعي.

تقول عفاف: “حرمت من دخول المدرسة ولم أعرف ما تعني مدرسة بسبب عدم وجود أي مؤهلات أو أي شيء له علاقة بالمعاق أو كرسي أو أي مكان مهيأ لذوي الاحتياجات الخاصة في سوريا في تلك الأثناء”.

تضيف عفاف معبرة عن أسفها تجاه مجتمع لاقت منه الرفض منذ نعومة أظافرها: “حتى الزملاء لم يتقبلوا وجود شخص مختلف بينهم هذا ما منعني من دخول المدرسة”.

لم يقف حرمان عفاف من التعليم عائقاً يمنعها من أن تصبح في شبابها، متدربة ومتطوعة في الهلال الأحمر السوري، ورائدة في المشاريع التي كانت تقيمها الرابطة النسائية في مركز مدينة إدلب، وكانت عضوة مسؤولة عن الدعم النفسي ومشرفة في الحفلات التي كانت تقام لذوي الاحتياجات الخاصة في العاصمة دمشق وباقي المحافظات السورية.

“في الثلاثين قررت أن أجلس على مقاعد الدراسة.. كان قرار حياة أو موت، إما أن أخرج وأتحدى العالم رغم كل التحديات، أو أن أبقى جالسة في البيت إلى أن يأخذ ربنا أمانته”

 مشاريع صغيرة

في سن العاشرة بدأت عفاف تتعلم الأشغال اليدوية والفنية، وتتحدث بنبرة يعلوها الرضا والفخر عن شغفها بعملها الذي كان يملأ وقتها ويشعرها بالنجاح: منذ كنت طفلة كان لدي شغف بالأشغال اليدوية، اشتغلت (سياخ وسنارة وسنارتين) ولوحات سيراميك و(شغل إبر كنفة)، وكل شيء يتعلق بالأشغال اليدوية كنت اشتغله”.

اضطرت عفاف لترك العمل بالأشغال اليدوية، بعدما بلغت العشرين من عمرها، لظهور مسؤوليات أخرى على عاتقها حيث انشغلت في رعاية أخوتها والأعمال المنزلية، إلا مكوثها في البيت لم يوقفها عن المبادرة لتكون إنسان ناجح في حياته.

وتقول عفاف: “في تلك الأثناء خطر في بالي أن أكون تاجرة في البيت، فأخدت مبلغ كنت قد ادخرته من عملي السابق، كان بمقدار خمسة ألاف ليرة سورية، اشتريت بها مكياجات (مساحيق للتجميل)”.

 

 التعليم حلم مؤجل

كانت دائرة معارف عفاف ضيقة لم تكن تتعدى حدود البناء الذي تقطنه ولم تتجاوز علاقاتها محيط الأقارب والجيران، وكانت تمكث وحيدة مع والديها وشقيقها الصغير في المنزل بعد زواج أخوتها البقية، تقول: “عندها أحسست بفراغ كبير بداخلي وفي وقتي “.

خطوة أولى بادرت بها عفاف بعد الفراغ الذي اجتاح حياتها، حيث قررت بأن الوقت حان لتتعلم القراءة والكتابة في عمر يناهز الثلاثين، “مبادرة متأخرة لكن لابد أن تنجح”، على حد قولها.

محض صدفة جمعت عفاف مع عضوة مسؤولة في حزب البعث، كانت تعمل في الرابطة النسائية في مركز المحافظة، في وسائل النقل الداخلي (السرافيس)، وتروي عفاف أن هذا اللقاء العابر كان مفصلياً في حياتها، لأنها طلبت من المسؤولة تمنحها مقعد في برنامج “محو الأمية” التي تديرها الرابطة.

بعد مرور عشرين يوم على ذلك اللقاء تلقت عفاف اتصال من رابطة الاتحاد النسائي فرع إدلب، تلقت من خلال دعوة لزيارة الرابطة لتتعرف على المعلمين والزملاء وتبدأ دروسها في دورة “محو الأمية”.

تقول عفاف “أغلقت سماعة الهاتف، ومشاعر مختلطة تخالجني ما بين الفرح والتردد”، موضحة صعوبة اتخاذ قرار كهذا بالنسبة لها وفي عمرها: “كان قرار حياة أو موت، إما أن أخرج وأتحدى العالم رغم كل التحديات، أو أن أبقى جالسة في البيت إلى أن يأخذ ربنا أمانته”.

وضعت كل الاحتمالات السلبية أمامها، ودرستها قبل نقاط القوة في تجربة “التعلم في الكبر”، كانت تستعد لمواجهة الصعوبات على حد تعبيرها، وتضيف عفاف: “توقعت مثلاً ألا يحبني زملائي، وربما ترفض المعلمة التعامل معي”.

لم تكتف عفاف بتعلم القراءة والكتابة، وسارعت بتسجيل اسمها في دورات كمبيوتر (ويندوز)، بالإضافة إلى تدريب الإسعافات الأولية والدفاع المدني.

شاركت كمسؤولة عن الدعم النفسي لذوي الاحتياجات الخاصة في الهلال الأحمر السوري، ما بين 2009 و2012، وأطلقت مبادرة “رغيف الخبز”، لتأمين الخبز للفقراء.

“لن أسمح للظروف أن تتغلب عليّ سأظل أحاربها حتى أنتصر”

 

رحلة النزوح واللجوء

ومع انطلاق الثورة السورية، في ربيع 2011، تقيّدت حركة عفاف كثيراً، وبات صعباً عليها أن تنجز ما بدأته، ونتيجة اشتداد التوتر الأمني في إدلب اضطرت العائلة للنزوح مؤقتاً إلى ريف حلب حيث بيت إحدى عماتها.

تقول عفاف: “هرعت إلى غرفتي مسرعة لأبدل ملابسي، وجمعت قطعة أو قطعتين من الملابس ومنشفتي وجواز سفري، وما يكفي لزيارة قصيرة، حتى انني نسيت جميع أوراقي وشهاداتي على السرير واتجهت لأودع جيراني”.

وتضيف: “كنت حاسي إنو مالي رجعة على سوريا أو على إدلب أبدا”.

صدق حدس عفاف بعد مرور خمس وأربعين يوم في ضيافة عمتها قرر أهلها السفر إلى تركيا، لأن منزلهم في إدلب تحول إلى رماد نتيجة القصف والعمليات الحربية بعد يومين من مغادرتهم.

أشعلت عفاف سيجارة ولاح في عينيها حزن عميق وهي تحكي عن منزل العائلة والذكريات: “حرق المنزل بأكمله وكان المتضرر الأكبر غرفتي التي لم أرى رمادها، كان عندي خزانة صغيرة احتفظ فيها شهاداتي التي حصلت عليها من الهلال الأحمر، ويوجد بعض الإسعافات الأولية هذا ما دفع قوات النظام لحرق المنزل، تحت شبهة أنه مشفى ميداني (مكان يقدم الخدمات الطبية الطارئة للمناوئين لنظام الأسد)، وعلى إثر ذلك عمم اسمي وصرت مطلوبة للنظام”.

عبرت عفاف مع عائلتها الحدود السورية إلى تركيا من بلدة أطمة، بطريقة غير شرعية (تهريب)، ولحسن حظها كان الطريق ترابي مما سهل سير الكرسي المتحرك، فكانت الرحلة يسيرة نوعا ما، على حد وصفها.

جانب من الأشغال اليدوية التي تنتجها عفاف وتبيعها في متجرها الصغير بمدين الريحانية التركية (SNP)

انطلاقة جديدة

أمضت عفاف سنتين في بيتها الجديد مع أسرتها في مدينة الريحانية التركية معتكفة في المنزل، تملأ وقتها بهوايتها ومهنتها القديمة “الأشغال اليدوية”، كما اتقنت فنون جديدة في هذه الحرفة من جاراتها التركيات، لدرجة أنهن كن يترددن إليها ليتعلمن منها.

لم ترغب عفاف بأن تظل حبيسة المنزل في حين لم تفارقها فكرة افتتاح “محل تجاري”، أرادت الخروج للعالم والتعامل مع الناس، وبعد محاولات من البحث مصحوبة بقدر من التحدي والاصرار استطاعت افتتاح محلها، الذي أطلقت عليه اسم “ملبوسات العفاف ” في شارع فرعي في حي الريمار/الريحانية.

عفاف راضية عما تعمله وتنجز رغم معوقات الحياة والإعاقة الجسدية، وهي الآن قادرة على تلبية احتياجاتها الخاصة وتأمين مصروفها مما تجنيه كل يوم في متجرها.

أثبتت عفاف جدارتها وقطفت ثمار جهودها التي أينعت حب الآخرين لها، وفي كل يوم تتجمع الجارات في متجرها ليس بالضرورة للتسوق، وإنما لشرب القهوة في كثير من الأحيان، وتقول عفاف عن شعبيتها مفتخرة: “عندما اتأخر في فتح المحل تنهال عليّ الاتصالات المتوالية من جاراتي عفاف أين أنتِ، افتقدنا لك”.

ترتشف عفاف رشفة من فنجان القهوة، وتقول: “لن أسمح للظروف أن تتغلب عليّ سأظل أحاربها حتى أنتصر”، وتختتم قصتها برسالة مما استخلصتها من تجربتها في الحياة:

“أحب أن أقول لكل إنسان معاق أو غير معاق أنت قادر على صنع ما تريد، ارسم حياتك بنفسك، وكن صاحب القرار وصانعه، حياتك ملكك وحدك، فأنت ستعيشها “.

 

 

رغد برغوث / طالبة في سنة التحضير الجامعي، مقيمة في مدينة الريحانية التركية، تلقت تدريباً صحفياً من الشبكة السورية للإعلام المطبوع على الكتابة الصحفية.

 

 

 

للمزيد اقرأ أيضاً..

“رجاء العبد الله”.. أمٌ تواجه الحرب وتصمد أمام عتمة الحياة

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد