“رجاء العبد الله”.. أمٌ تواجه الحرب وتصمد أمام عتمة الحياة

رجاء العبد الله مع أطفالها ووالدتها في منزلهم الصغير في مدينة الريحانية جنوب تركيا (SNP)

كتبتها: رولا بيطار – SNP

 

من داخل دكان صغير (حانوت)، في مدينة الريحانية التركية، استطاعت رجاء ببراعتها وحنكتها أن تجعله منزلاً يأوي ما تبقى من أسرتها.

رجاء العبد الله امرأة سورية أربعينية، من سهل الغاب في ريف حماة، يناديها من حولها باسم أم محمد، فقدت العديد من أفراد أسرتها في الحرب، وجبرتها الظروف أن تكون المعيل، لكن الأمر ليس مجرد ظروف صعبة يمر بها الإنسان بل إنه الإيمان بأن في هذه الحياة ما نستحق أن نعيشه.

تسكن أم محمد بعد أن لجأت إلى تركيا، قبل ثلاثة أعوام في دكان صغير، نظراً لارتفاع سعر إيجارات المنازل وعدم وجود المعيل، وهو مكان غير مخصص للسكن إلا أنها استطاعت أن تحوّله إلى منزل تتقاسم فيه مع أمها المسنة وأبنائها وأبناء أخوها الأيتام هموم الغربة وشظف العيش.

“أنا أرملة، وأم لثلاثة أبناء (محمد، أحمد، منى)، كنا نسكن جميعا في قرية عين الطاقة في سهل الغاب. فقدتُ زوجي قبل عشرين عاماً إثر حادث سير”، تقول أم محمد: “لازمتني المسؤوليات مبكراً وكان عليّ أن أكون الأب والأم، عانيت كثيراً حتى كبر أبنائي وكنت أعمل في الزراعة لأتمكن من رعايتهم، أولادي أملي الوحيد في الحياة الذي دفعني دائما أن أبقى قوية”.

الحزن لا يأتي دفعة واحدة

تصف أم محمد حياتها ورغم رصانتها وانسيابها في حديثها، إلا أن الارتباك بدى واضحاً حين بدأت باستذكار أسماء أخوتها “مهيب” و “سليم”، وابنها أحمد الذين غيّبتهم صفحات الحرب السورية.

“أعادت الحرب التي عقبت انطلاقة الثورة السورية في 2011، فتح فصل الفقد في حياتي مرة جديدة حيث حطت بأعبائها الثقيلة في داري لعدة سنوات”.

تبدأ أم محمد بتقليب دفتر أحزانها فأول من فقدته هو أخاها مهيب (31 عاما) وزوجته سلمى ( 27 عاما)، حدث ذلك، بحسب ما ترويه لموقع (SNP)، في يوم خريفي من عام 2013، عندما كان مهيب رفقة مع زوجته وطفليه فاطمة وعبد الله، في طريق عودتهم من مدينة حماة باتجاه القرية، وقبل أن يصلوا استهدفت سيارتهم برصاص متفجر، من قبل القوات الحكومية المتركزة في قلعة المضيق آنذاك، مما أدى لمقتل مهيب وزوجته على الفور. وشاءت الأقدار ألا يتأذى الطفلين ليشهدوا موت والديهم أمام أعينهم.

“لم تجف دموعي ولا دموع أمي بعد رحيل مهيب وسلمى، كنا نتقطع ألما على أطفاله، ونحاول مع مرور الأيام، عبثاً، أن نرتّق فجوة غيابهم في قلوب أطفالهم وفي قلوبنا”.

لم يدم الحزن طويلاً على مرارة الفقد إلا وتبعه فقد آخر، وبعد فترة وجيزة، فقدت أم محمد أخاها الصغير سليم (20 عاماً)، أيضاً برصاص قناص استهدفه وهو في منزله في الضيعة.

“تفاجئت بأن هنالك تابوت كان معنا في نفس السيارة التي أقلتنا، نظرت جيدا وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة.. وإذ بي أرى أحمد مستلقي وسط نعشه جميلا كما أتاني في الصباح، بس والله راح بلا فطور”

صدى الصوت الأخير

دائرة الألم والحزن لم تغلق بفقدان الأخوة سليم ومهيب وسلمى، وكأن للحزن مواسم تأتي تباعاً وفي تصاعد يفقد المرء صوابه، تجفف أم محمد دموعها لا لكي تتوقف عن البكاء بل استعداداً لما سترويه.

تعيد أم محمد روزنامة حياتها إلى ذلك اليوم التشريني البارد في 2015، الذي ما يزال يكوي قلبها بوجعه إلى الآن وتستذكر أدق تفاصيله، يوم فقدت فلذة كبدها.

“كان يوم عادي جداً، استيقظت باكراً وبدأت بأعمال المنزل المعتادة من تنظيف وغسيل للملابس، وعندما انقطع التيار الكهربائي فجأة توقفت عن العمل وخرجت إلى شرفة بيتي انتظر أولادي”.

تتابع “جاء أحمد (18 عاما) ابني الأوسط وصديق أيامي فرِحاً، بعدما شذّب لحيته الطرية بشكل جديد غير الذي اعتدته”.

– سألني وقتها: “ها يما كيف الحلاقة الجديدة؟”
– أم محمد: “والله هي المرة غير ولابقتلك كتير دائما اعملها هيك…”
خجل أحمد كثيرا بعد اطرائي الأخير، سألته إذا كان يرغب بأن يتناول الفطور، فأجابني:
– “بعدين..” وجلسنا سوية نتأمل قريتنا الوادعة.

في تلك الأثناء، بلغ أم محمد وابنها خبر مفاده بأنه ثمة هجوم مرتقب للقوات الحكومية على قريتهم، لم يأخذ أحمد الأمور على محمل الجد وانصرفت أمه تستكمل أعمالها بعد عودة التيار الكهربائي.

تتابع رواية تفاصيل ذلك اليوم، شاردة الذهن والدموع تملأ عينيها، كأنها تعيش تلك اللحظات: “ما هي إلا دقائق حتى بدأت أصوات الرصاص تنذر فعلياً ببدء الاقتحام. وجاء ابن أختي (حمزة) مسرعاً، يستعجل أحمد وينبهه بضرورة مغادرة القرية ريثما يغادر الجيش”.

غادر أحمد من دون أن أرى وجهه، وهو يهم بالركض مع حمزة سمعته يقول: “يما.. يما.. يما وأنتو شو رح تعملوا؟”
قلت له: “روحوا أنتو نحنا مندبر حالنا.. روحوا بسرعة، ومن ثم غاب صوته”.

بعد ساعات من الانتظار والترقب والخوف بدأت أم محمد تشعر بالقلق حيال أحمد، وراحت تتصل به كثيراً، لكن أحمد لم يرد، الأمر الذي زاد من قلقها أكثر وأكثر.

“تلقيت بعدها اتصال من حمزة يخبرني أنه وأحمد وصلا إلى قرية آمنة، وسيتصلون بي مرة أخرى لكنني لم أصدق حمزة كثيرا”. قلب الأم دليلها.

ومع اشتداد القصف، تقول أم محمد: “جاء أهلي وأخرجوني مع ابنتي من المنزل كان الجميع ينتظرني مع سيارة نقل مفتوحة من الخلف بحجة أننا سنغادر الى مكانا آخر، صعدت مع ابنتي إلى جانب السائق الذي كان من أقربائي وأخذت أسأله كثيرا عن ابني وهو يشيح بنظره عني، مما زاد مخاوفي بأن شيء ما حدث فعلا لأحمد”.

تتابع: “وصلنا إلى جبل الزاوية نزلت بعدها من السيارة وإذا بالكل يبدأ بالبكاء والنحيب، نظرت إلى خلف الجموع، لأتفاجئ بأن هنالك تابوت كان معنا في نفس السيارة التي أقلتنا، نظرت جيدا وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة.. وإذ بي أرى أحمد مستلقي وسط نعشه جميلا كما أتاني في الصباح، بس والله راح بلا فطور”.

تكمل جملتها الأخيرة وهي تغرق بدموعها وبلوعتها. قُتل أحمد في ذلك اليوم إثر استهدافه بقذيفة مدفعية سقطت بقربه وهو يحاول أن يبتعد عن القرية مع ابن خالته حمزة.

“ابنك أكبر إرهابي!”

بعد حوالي شهرين، من مقتل أحمد كانت أم محمد على موعد آخر ومتجدد من مسلسل الفقد التراجيدي، مع شعور آخر كوى قلبها، عندما أخبروها أن ابنها البكر محمد (20 عاماً)، تم اعتقاله من جامعته في حلب.

تتنهد بعمق وهي تروي قصة اعتقال محمد، من قبل المخابرات الجوية في حلب، بعد وشاية من صديقه الذي يشاركه السكن، ومن ثم تم تحويله إلى فرع الأمن العسكري في دمشق حيث قضى سنة ونصف من دون ذنب.

تضيف أم محمد ” ذقت أصعب الأيام وأمرها وأنا اتنقل بين الأفرع الامنية لأتمكن من معرفة أي شيء عنه، كنت أخبرهم دائما أن ابني لا علاقة له بشيء دون جدوى، وبعد حوالي 7 أشهر من اعتقاله وأثناء محاكمته كنت اتوسل القاضي أن يفرج عنه فلم يعد لدي سواه.. سخر القاضي مني وقال : ابنك أكبر ارهابي بسوريا !!”.

في نهاية الأمر، أُفرج عن محمد بعد أن اضطرت والدته لدفع ما يقارب مليون ونصف المليون ليرة سورية لمحامي سوري لديه علاقات قوية مع الأفرع الأمنية السورية.

وبعدها غادرت مع ابنها المفرج عنه وابنتها منى وأولاد أخيها وأمها وتركوا سوريا التي لم يبق لهم فيها مكان آمن أو سند متجهين إلى تركيا.

الحانوت الذي اتخذته رجاء العبد الله (أم محمد) مسكناً في مدينة الريجانية جنوبي تركيا (SNP)

لن تكسرني الحياة

“بعد الوصول إلى مدينة الريحانية، هاجر محمد إلى ألمانيا مع أفواج المهاجرين آنذاك إلى أوروبا، وكان لابد أن أعمل لأتمكن من إعالة الأسرة التي أصبحت مسؤولة عنها في الغربة، ولكي لا نبقى بحاجة لأحد”، تحكي الأم عن تحديات المرحلة الجديدة.

عملت أم محمد في عدة أعمال مثل جني المحاصيل الزراعية الموسمية، وفي مشاغل للخياطة، كانت تتركز الأعمال التي تقوم بها على مهام تعرفها أو مارستها من قبل.

تروي أم محمد بعضا مما عايشته من واقع العمل الصعب، وكيف أن السوريون أنفسهم لا يراعون ظروف بعضهم في الغربة. لكنها لم تستسلم وتضعف أمام ما واجهته من ظروف وتحديات فرضتها الحياة الصعبة وظروف اللجوء في بلدان المغترب.

تساهم الآن في تعليم أبناء أخيها فاطمة وعبد الله ورعايتهم، كما أن ابنها محمد يكمل الآن دراسته الجامعية في ألمانيا.

تختتم أم محمد حديثها وتقول ” مررت بالكثير من الظروف القاسية لكن الحياة لم تستطع كسر إرادتي على الإطلاق، كان عليّ أن أبقى قوية ومتماسكة من أجل أولادي وأمي وأولاد أخي، أعمل الآن لأنفق عليهم واستمد طاقتي من ضحكاتهم التي تصبرني في عتمة الحياة”.

 

رولا بيطار / طالبة جامعية، مقيمة في مدينة الريحانية التركية، تلقت تدريباً صحفياً من الشبكة السورية للإعلام المطبوع على الكتابة الصحفية.

 

للمزيد اقرأ أيضاً..

“رهام الصالح”.. فتاة من دون ملامح تقف على ناصية الحلم

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى