“رهام الصالح”.. فتاة من دون ملامح تقف على ناصية الحلم

مدخل جامعة "جمهوريات" في مدينة سواس وسط تركيا (SNP)

كتبتها: فاطمة الحسين – SNP

 

لكل فتاة أحلام وطموحات، بحياة عادلة أو حياة عادية على الأقل. لكن حتى الحياة العادية لم تحظ بها، وبدل أن تقضي زهرة شبابها بين مقاعد الدراسة وسط أصدقائها كأي فتاة في عمرها، أبدلها القدر بجدران المشافي والغربة عن أهلها وأوصلها لنقطة ما بين الموت والبؤس.

رهام الصالح (19 عاماً)، اسم مستعار لفتاة سورية من مدينة إدلب، رفضت الكشف عن اسمها، تعرضت لحادث أليم قَلب حياتها رأساً على عقب، قبل ثلاث سنوات، عندما كانت تجهّز المدفأة (صوبة الحطب)، انفجرت عبوة الوقود في وجهها.

فقدت رهام على إثر الحادث ملامح ووجهها وأصاب يديها العطب، خضعت لرحلة علاج طويلة ومضنية صحياً ونفسياً واجتماعياً، استمرت ثلاث سنوات، وهي الآن تبدأ حياتها من جديد في أروقة الجامعة.

بالطبع لم يكن سهلاً على فتاة بعمر رهام أن تتقبل وضعها الجديد، وجهها المشوّه وأصابع يديها المتلاصقة، فضلاً عن آلام العلاج ونظرة المجتمع، المشفقة تارة وغير المتقبلة تارة أخرى، والخوف من مجابهة الحياة، كلها تحديات كان على رهام أن تواجهها.

“حياتي كانت عادية جداً مثل أي فتاة أحلامها بسيطة، كرؤية صديقاتي وأن تسمح لي أمي بالخروج معهن.. إلا أن حرصها وخوفها عليّ لم يرد المكتوب”.

تكمل رهام حديثها لموقع (SNP) قائلة: “بدأت حياة ثانية بوجه ثانٍ مع ألم غير متوقع دام لليالي وشهور طويلة”، وداهمت ابتسامتها دمعة حزينة بريئة عندما قالت: “لطالما حلمتُ بالسفر إلى تركيا بغير حال، لكن شاءت الأقدار أن آتيها بالآلام والتشوهات وسفر قسري مفاجئ”.

مكثت رهام سنة كاملة تتلقى العلاج في المشافي التركية في ولاية هاتاي (انطاكيا) تداوي الحروق.

فقدت ملامحي للأبد

انقبضت ملامح رهام وهي تتحدث عن ذلك اليوم الذي وقعت بها الحادثة: “لم أعلم أن ذاك الصباح آخر صباح أستيقظ فيه ببراءة وجهي وببسمتي لم أكن أعلم بعدها أني سأفقد ملامحي للأبد”.

كانت تعيش وسط عائلتها الصغيرة المكونة من ثلاثة اخوة، وهي أكبرهم، حياة هانئة وبسيطة، في كنف والدين في عقدهما الرابع، يران الدنيا في أعين أبنائهما وابنتهما التي تكبر أمامهما.

اضطرت العائلة، نتيجة الأحداث الأمنية التي شهدتها محافظة إدلب، للنزوح إلى مدينة مارع في ريف حلب الشمالي، في أواخر عام 2015.

تروي رهام ما حدث في ذلك الصباح الذي لن تنساه أبداً لما تركه من أثر على حياتها: “استيقظت وكان الجو شديد البرودة، أردت إشعال المدفئة لإخوتي بعدها لأعد لهم الفطور، ونظراً لعدم توفر الوقود كنا نقتصد في استخدامه، ونضع القليل منه على الخشب كي يشتغل فقط، كان بجانب عبوة الوقود عبوة أخرى فيها كاز، وبدل أن آخذ الوقود أخذت عبوة الكاز ووضعت القليل منه على الخشب.

تتابع رهام ما جرى ولكن تتيه نظرات عينيها المزروعتان في ملامح وجه مشوّه وقد اخترقته الدموع: كنت بجانب المدفئة لأنتظرها لكي تشتعل، أخذت أنظر إليها وما هي إلا ثوان، وإذ تنفجر المدفئة وعبوة الكاز”.

بعد الانفجار نُقلت بحالة إسعافيه إلى تركيا لعدم توّفر المشافي الخاصة في الشمال السوري، ورافقتها خالتها سناء (31 عاماً)، لأن والدتها لا تستطيع ترك أخوتها الصغار وحدهم في تلك الحالة المأساوية.

“بعد ثلاث شهور من العلاج، أصابني فضول كنت أريد أن أرى وجهي، كيف أصبح؟  أن أرى يديّ كيف أصبحتا؟..  طلبت من خالتي مرآة.. لكنها كانت خائفة من ردة فعلي بعد أن اكتشف أن رهام الجميلة لم تعد كما كانت في السابق”.

بعد فك الضماد عن وجهها، دخلت رهام في حالة هيستيرية مرعبة بعدما رأت التشوهات، وتقول: “بهذه اللحظة تمنيت لو أني ميتة ولا أرى هذا لتشوهات”، كما أنها فقدت الأمل بأن تكمل الحياة مع هذا الوجه، وتضيف: “أنا لم استطع تقبّله كيف للآخرين أن يروه”.

وبحسب تقرير الأطباء الذين أشرفوا على العلاج، رهام أصيبت بحروق من الدرجة الثالثة التي تصل إلى العظم وتعتبر هذه الدرجة من أقسى أنواع الحروق.

بعد عملية فصل أصابعها، قررت رهام أن تخرج من عزلتها، وطلبت من خالتها أن تتصل بأهلها عبر تطبيق السكايب (صوت وصورة)، وأثناء المكالمة لاحظت أنها تحرك أصابعها لأول مرة.

تقول رهام: “لأول مرة حركت أصبعي وهم ينظرون إلي.. أمي لم تكن بجانبي لأحتضنها من فرحتي رأيت دموعهم تنهمر وهم يشكرون الله على تعافي أصابعي دموعهم أشعلت فتيل الأمل داخلي”.

بعد مرور عام على العلاج قررت رهام وخالتها سناء الخروج من المشفى، والذهاب إلى بيت خالها مصطفى، الذي يسكن في نفس المدينة إلا أنه لم يزرها، لا هو ولا أحد من أفراد أسرته، طوال فترة العلاج، فقط كانوا يرسلون إليها “السلامات” مع سناء التي كانت تزورهم بين الحين والآخر.

“كنت أسال نفسي دائما لماذا هذا العقاب ولأية جريمة ارتكبتها؟.. فلا يحق لأي جريمة كانت أن تزيل ملامح وجهي”

تشوّه الضمير

“لم أكن أعلم أن الذي ينتظرني في الخارج أقسى من الألم الذي عانيته بين جدران غرفة المشفى” تقول رهام، فقد كانت نظرات الشفقة والنقص والإذلال صعبة والأصعب أنها جاءت من أقرب الناس إليها.

تضيف: “بعضهم تعاطف معي وبعضهم نبذني، نهشوا من روحي، وزادوا الألم داخلي أضعاف عندما تلقيت الشفقة من عائلة خالي.. لذا حجزت نفسي بغرفة لم أخرج منها إلى حين مغادرتي منزلهم”

في ذات مساء في جلسة مع الجيران كان هناك فتاتان التقوا برهام وأقنعوها بتسجيل البكلوريا لتخرج من روتينها المقيت، وفعلاً سجلت وساعدتها إحداهن وبدأت بالدراسة، ولكن ليست كالجميع فقد انتبذت مكان قصية عنهم خوفاً من سماع أي كلمة تعيدها للوراء، وبالفعل انتهت امتحانات الشهادة الثانوية بمعدل عال جداً (96.5).

“بدأت نظرات الشفقة تزداد، وتأفف زوجة خالي من وجودي لم ينته أبداً.. سمعتها مرة تشتكي لخالتي (أنني حجزت حرية أولادها)”. تقول رهام وعلى إثر ذلك طلبت من خالتها الخروج فوراً من البيت ونسكن بيت لوحدنا، لم يكن بالأمر السهل “لكن أرحم أن أكون تحت رحمة شفقة أحد”، ووافقتني خالتي وكذلك خالي مصطفى لم يضغط علينا لثنينا عن القرار، لأنه يعلم أن زوجته “لا تريدنا في بيتها”.

طائر الفينيق

“كنت أسال نفسي دائما لماذا هذا العقاب ولأية جريمة ارتكبتها؟.. فلا يحق لأي جريمة كانت أن تزيل ملامح وجهي” تواسي نفسها وهي مصرّة على الإقدام مضياً في حياتها، فقد تخطت أكبر عقبة في طريقها، هي خوفها من نظرات الناس وكلامهم والمجتمع الذي كان يعيق أكثر من الإعاقة ذاتها، على حد تعبيرها.

وتستمد رهام الأمل عبر هاتفها بشاشته الصغيرة، حين تتحدث مع والديها، اللذان يخفيان ألمهم وحزنهم ويتظاهران برباطة الجأش لمدها بالقوة والدعم.

كانت من الممكن رؤية الفرح الممزوج بالآسى في عيون رهام وهي تحكي “اتصلت بأمي يعد خروج نتائج اليوز (اختبار القدرات ما قبل الجامعة) ودموعي تنهمر فرحاً لأخبرها أني نجحت بعلامات عالية “.

ما مرّت به رهام قادر على أن يقعد أي فتاة عاجزة، وقد ترفض قطعاً الخروج من غرفتها مدى حياتها على أن يراها أحد بتلك الحال، ولكنها الآن في أيامها الأولى في جامعة سواس (وسط تركيا)، اختصاص الهندسة الكيميائية، بعد أن اجتازت اختبارات اللغة التركية (التومر)، وكل ما تتمناه هو رؤية الفرح في عيون أهلها وعيون من وقف بجانبها.

تنفق وقتها ما بين الجامعة ومنزلها الصغير الذي تتقاسم مع زميلتها التركية عائشة، وفي أوقات الفراغ تخرج إلى الحديقة المجاورة مصطحبة كتاب، فـ”خير جليس في الأنام كتاب”.

كانت رهام تتحدث عن قصتها وكأنها تروي معجزة أو قصة نصر على الأقل بالنسبة لها ولأهلها، وتختتم حديثها: “لم يقف أي شيء أمامي بعد أن أزلت مخاوفي كنت أنا الوحش الذي أخاف منه فجمّلتُه بانتصاراتي”.

كطائر الفينيق تنتفض من الرماد وتختم قصتها بالقول: “لا تجعلوا حدود أحلامكم، هناك ما يستحق الحياة، اجعلوا لها أجنحة كبيرة دعوها تحلق عاليا واسعوا لمطالبكم فلا حياة من دون هدف رغم الآلام.. من ألمكم سوف يحيا أمل لا يموت”

 

فاطمة الحسين / طالبة جامعية، مقيمة في مدينة الريحانية التركية، تلقت تدريباً صحفياً من الشبكة السورية للإعلام المطبوع على الكتابة الصحفية.

 

للمزيد اقرأ أيضاً..

“حنان الأحمد”.. طفلة حرمت من أطفالها

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى