اتفاق “سوتشي”.. النوايا الروسية وثغرة “التنظيمات المتطرفة”

منشور  صدى الشام

مخاوف من النوايا الروسية المبيتة (سبوتنيك)

 

شكل الاتفاق التركي- الروسي حول إدلب الذي توصل إليه الرئيسان رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين نقلة نوعية في مسار التطورات المتغيرة في الشمال السوري، ومحافظة إدلب على وجه الخصوص، حيث تمكن هذا الاتفاق من تخفيف حدة الاحتقان العسكري والسياسي على الصعيدين المحلي والخارجي.

غير أن الاتفاق وإن كان يعكس رغبة روسية في تجنب الصدام مع الشريك التركي في عملية أستانا، إلا أن عوامل التشكيك بالموقف الروسي ما زالت قائمة، وسط مؤشرات على وجود مبررات لهذا التشكيك، فيما تبرز في الطرف الآخر عقبات في وجه تطبيق الاتفاق، في مقدمتها رفض التنظيمات “المتطرفة” الصريح للاتفاق، فيما لم يعلن الفصيل الأبرز وهو “هيئة تحرير الشام” موقفا صريحا بالرغم من بروز أصوات من داخل “الهيئة” ترفض الاتفاق، وسط حديث متجدد عن وجود انقسامات داخلها بين مؤيد ومعارض.

وكان تنظيم “حراس الدين” المحسوب على التنظيمات المتطرفة، أول الرافضين رسميا للاتفاق، وحذر في بيان له من هذه “المؤامرة الكبرى”، مذكرا بما حصل في البوسنة باتفاقية نزع السلاح. وتشكل تنظيم “حراس الدين”، في فبراير/شباط الماضي، من سبع مجموعات عسكرية انشق معظمها عن “هيئة تحرير الشام”، بسبب اعتراضهم على التعاون مع تركيا.

وأبرز المجموعات المشكلة للتنظيم هي “جيش الملاحم، جيش الساحل، جيش البادية، سرايا الساحل، سرية كابل، جند الشريعة، ويقودهم أبو همام الشامي، وهو قيادي سابق في هيئة تحرير الشام”.

وكان هذا أول بيان يرفض علنا الاتفاق من جانب التنظيمات في إدلب، وبعد ساعات من إعلان هذا الموقف، قتل قيادي عسكري في تنظيم “حراس الدين”، إثر إطلاق رصاص عليه من مجهولين في منطقة جبل الزاوية، كما أعلنت “جبهة أنصار الدين”، رفضها للاتفاق، معتبرة في بيان أن هناك “معركة وجودية” في إدلب، واعتبرت أن الاتفاق الروسي التركي “هو استكمال لمسار أستانة الهادف إلى وأد الثورة السورية عبر حل استسلامي”، بحسب البيان.

وتشكلت “جبهة أنصار الدين” في 25 يوليو/تموز 2014، من اندماج حركتي “شام الإسلام” و”فجر الشام”، وانضمت إلى “هيئة تحرير الشام” مطلع عام 2017، ثم انفصلت عنها منتصف يونيو/حزيران الماضي.وتنشط الجبهة، حاليا، في محافظة إدلب وريف حلب واللاذقية، وتضم بين صفوفها عناصر من المغرب والسعودية والشيشان‏.

من جهتها، نشرت وكالة “إباء” التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” (تشكل جبهة النصرة عمودها الفقري)، ما يشبه الرفض الضمني للاتفاق، بأنه “يصب في مصلحة النظام، ويقضي بنزع سلاح المجاهدين بدعوى منطقة منزوعة السلاح”. وأضافت الوكالة أن “الروس عمدوا إلى هذه الحيلة الماكرة لمعرفتهم بعدم القدرة على اجتياح الشمال المحرر”، معتبرة أن “الاتفاق ليس نهائيا، وسوف يعمدون إلى شن عملية عسكرية بعد تسليم السلاح الثقيل”. واستشهدت الوكالة بفتاوى بعض المشايخ بأن “تسليم السلاح محرم شرعا”.

وكان قياديون في “هيئة تحرير الشام” قد رفضوا بنود الاتفاق الروسي – التركي، وبينهم الشرعي أبو اليقظان المصري والشرعي المصري أبو الفتح الفرغلي، إلى جانب القيادي العراقي أبو مارية القحطاني، ورئيس المكتب السياسي السابق للهيئة المعروف باسم زيد العطار.

“أعلن تنظيم حراس الدين وتنظيم جبهة أنصار الدين الاتفاق التركي الروسي في سوتشي حول إدلب” 

من يشغل المنطقة العازلة؟

وحول حجم انتشار هذه الفصائل في المنطقة منزوعة السلاح المزمع إقامتها، ذكرت مصادر من داخل إدلب أن مناطق تركمان كباني، والسرمانية، وقسطون، تقع تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام” و”حراس الدين”. أما مناطق قلعة المضيق كفر زيتا، وكفر نبودة، واللطامنة، ومورك، وسكيك، والتمانعة، فهي تقع تحت سيطرة الفصائل المنضوية ضمن “الجبهة الوطنية للتحرير” و”جيش العزة” التابع للجيش الحر. وتقع منطقتا تل طوقان ورسم الصهريج تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام”. وفي ريف حلب، تقع مناطق عندان، وكفر عقيل، وجبل الحمرة، والمنصورة، والراشدين، وزيتان تحت سيطرة “جبهة تحرير سورية”. وأوضحت المصادر أن “جماعة حراس الدين موجودة أساسا في منطقة الساحل. وكان لها حضور في مناطق الريف الشرقي، مثل الرهجان وأبو الظهور قبل أن يسيطر عليها النظام”.

في المقابل، أعربت “الجبهة الوطنية للتحرير”، وهي أكبر تشكيل عسكري معارض في الشمال السوري، عن تقديرها الموقف التركي عقب اتفاق سوتشي حول إدلب، موضحة أنها سوف تتعاون مع “الحليف التركي لتجنيب المدنيين ويلات الحرب”.

وأفصحت “الجبهة الوطنية للتحرير”، في بيان، عن عدم ثقتها بروسيا، موضحة أنه “ثبت لدى الجميع عدم احترام الروس لأي تعهدات أو اتفاقات سابقة، وارتكابهم مجازر وعمليات تهجير قسري للمدنيين بذرائع واهية”.

تعزيزات تركية

وفي غضون ذلك دفعت تركيا بمزيد من قواتها إلى داخل الأراضي السورية لتعزيز نقاط المراقبة التي أقامتها هناك، وتطبيق الاتفاق الذي توصلت إليه مع الجانب الروسي حول إدلب. وتضم التعزيزات عناصر من القوات الخاصة وناقلات جند مدرعة ودبابات، معززة بمدافع “أوبس” التركية بعيدة المدى. وهذا أول تحرك عسكري تركي باتجاه الأراضي السورية بعد توقيع الاتفاق مع روسيا حول إدلب، والذي قضى بإنشاء منطقة عازلة، بعرض 15 إلى 20 كلم، تحت إشراف الطرفين، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط للفصائل العاملة فيها.

وكان وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، قال في تصريحات سابقة، إن بلاده سوف تضطر لإرسال قوات إضافية إلى نقاط المراقبة الـ12 المنتشرة في محيط المحافظة، بغية تطبيق الاتفاق بعد آخر تعزيزات أرسلتها مطلع الشهر الحالي إلى نقطة المراقبة في مدينة مورك بريف حماة الشمالي.

“أبدت الجبهة الوطنية للتحرير عدم ثقتها بروسيا بينما أكدت على تعاونها مع الجانب التركي لتجنيب المدنيين الحرب”

عقبات روسية وايرانية

في موازاة ذلك، عادت روسيا إلى نغمة تدفع بالبعض إلى اعتبارها تمهيدا من موسكو للانقلاب على اتفاق إدلب، من خلال كلام المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بأن “جبهة النصرة تنوي تسليم فصائل المعارضة المسلحة في إدلب أسلحة كيميائية”. كما برزت مخاوف تركية من قيام طرف ما، قد يكون طرفا ثالثا، مثل النظام أو المسلحين الأكراد أو إسرائيل أو أميركا، بضرب الاتفاق، مثلما سبق وأشارت وسائل إعلام تركية في الأيام الماضية. وجاء تصريح المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن، بأن بلاده “تستخدم كل الطرق المتاحة من أجل تنفيذ الاتفاق”، مع إشارة منه إلى مطالب “غير مقبولة” تتعلق بإخراج المعارضة من إدلب، كما طالب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

وشدد كالن على أن “تركيا ستواصل اتخاذ الخطوات اللازمة لتعزيز قوة نقاط المراقبة التي أنشأتها في إدلب مشيرا إلى أن جهاز الاستخبارات والمؤسسات الأمنية التركية تنسق مع فصائل المعارضة في إدلب. وأكد المسؤول التركي أن بلاده “لن تسمح بأي شكل بعرقلة تنفيذ الاتفاق، وأنها سوف تستخدم كل الطرق المتاحة من أجل تنفيذه.

من جهة أخرى، نشرت وكالة “الأناضول” رسما بيانيا يوضح انتشار من سمتهم بـ”الإرهابيين” المدعومين من إيران في محيط إدلب، مشيرة إلى أن “إيران تواصل دعمها للنظام بأكثر من 120 ألف مقاتل إرهابي أجنبي، ينتمون لـ22 مجموعة قتالية، في حين تم رصد 232 نقطة تنتشر فيها المجموعات بمحيط إدلب”.

مليون متظاهر

في غضون ذلك، تواصلت عودة المدنيين النازحين من ريف إدلب الجنوبي إلى منازلهم، بعد توقف القصف الجوي الروسي على المنطقة، بموجب الاتفاق الروسي – التركي حول المحافظة. وقالت مصادر محلية إن “عشرات العائلات عادت إلى منطقة التمانعة ومدينتي خان شيخون وكفرزيتا، إلى جانب بعض القرى في منطقة سهل الغاب بريف حماة الغربي.

وتزامن ذلك، مع خروج تظاهرات جديدة في إدلب وعموم الشمال السوري دعما للاتفاق، وللمطالبة بإسقاط النظام. وشارك عشرات الآلاف في تظاهرات جديدة في محافظة إدلب ومناطق الشمال السوري تحت شعار “لا دستور ولا إعمار حتى سقوط بشار”، تعبيرا عن تمسكهم بإسقاط النظام كهدف ثابت للثورة السورية. ورغم حالة الاطمئنان النسبي التي تسود مناطق الشمال السوري عقب الاتفاق الروسي – التركي الأخير، إلا أن قوات النظام واصلت خرق الهدنة المفترضة في المنطقة عبر القصف المدفعي لبعض مناطق ريف إدلب الجنوبي، وريف حماة الشمالي، فيما تصاعدت حالة الفلتان الأمني والتي تجلت بحالات اغتيال وتفجير جرت في الأيام الأخيرة.

وفي إطار حالة الفلتان الأمني هذه قتل قائد “لواء الصديق” التابع لـ”فيلق الشام”، أبو السامي بادية، بعد انفجار عبوة ناسفة بسيارته في الحي الغربي من مدينة سراقب. كما قتل أحد المدنيين جراء قيام مجهولين بإطلاق النار عليه بعد مداهمة منزله في مدينة سرمين، شرق إدلب.

القتال شرق الفرات

وفي شرق البلاد، يتواصل القتال بين عناصر ميليشيات “قوات سورية الديموقراطية” (قسد) وتنظيم “داعش” مع إحراز “قسد” المزيد من التقدم، وسط تواصل نزوح الأهالي من مناطق القتال.

وقد سيطرت قوات “قسد” على قرية الباغوز قرب مدينة دير الزور، ما أوقع عددا من القتلى في صفوفها وفي صفوف التنظيم.

وذكرت شبكة “فرات بوست” أن عناصر مليشيا “قسد” وصلوا إلى جسر البوكمال من الجهة الشرقية للمرة الأولى، منذ سيطرة التنظيم على ريف دير الزور الشرقي، وتمكنت بذلك من ربط البادية بنهر الفرات من جهة بلدة الباغوز الفوقاني.

وأعلنت “قسد” قبل أيام إطلاق المرحلة الأخيرة من حملة “عاصفة الجزيرة” للسيطرة على ما تبقى من مناطق ريف دير الزور، التي تشمل بلدات هجين، السوسة، الشعفة، مع القرى والمزارع التابعة لها. وتقع مدينة هجين التي حوصر فيها التنظيم، على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبعد مسافة 110 كيلومترات إلى الشرق من دير الزور، ونحو 35 كيلومتراً عن مدينة البوكمال.

وتترافق المعارك مع استمرار النزوح الجماعي للمدنيين، حيث افتتحت مليشيا “قسد” مخيما للنازحين من مناطق سيطرة “داعش”، في بادية بلدة أبو الحسن، يعاني غياب الخدمات الأساسية، واستقبل رغم ذلك جرحى وعددا من المدنيين القادمين من مناطق سيطرة التنظيم.

وذكرت شبكات محلية تغطي أخبار المنطقة الشرقية أن عناصر “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) يقومون بابتزاز مخيم “إيواء هجين” في ريف دير الزور الشرقي، ممن خرجوا حديثا من مناطق سيطرة تنظيم “داعش”، ليتم حجزهم داخل المخيم، ورفض إطلاق سراحهم، قبل دفع مبلغ ألف دولار عن كل شخص.

كما تتواصل الاشتباكات بين قوات النظام وميليشياته من جهة وتنظيم “داعش” من جهة أخرى، على محاور ممتدة من تلة الصاروخ جنوب الشولا ببادية دير الزور، وصولا إلى الحدود السورية – العراقية، الواقعة شمال غرب قاعدة التنف، ضمن باديتي حمص ودير الزور.

وتعمل قوات النظام على تمشيط المنطقة بغية إنهاء وجود “داعش” فيها، بالتزامن مع قصف مدفعي وصاروخي.

وفي جنوب البلاد، تتواصل الاشتباكات بين قوات النظام وتنظيم “داعش” في بادية ريف دمشق عند الحدود الإدارية مع محافظة السويداء، في منطقة تلول الصفا، التي تعد آخر ما بحوزة التنظيم في تلك المنطقة وسط تقدم محدود لقوات النظام المسنودة بغطاء من القصف الجوي والصاروخي.

 

عدنان علي / صدى الشام

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى