أرض الزيتون “المهمشة”.. معقل الثورة والتاريخ

منشور  صدى الشام

مقاتل من الجيش السوري الحر يغسل تماثيل في متحف معرة النعمان في إدلب، (الإنترنت)

قد تختلف الأنباء عن الموعد الذي خرجت فيه إدلب ضد نظام الأسد الابن، لكنها تجمع على أنها كانت في ركب المدن الأولى بالثورة ولم تتأخر عن نداء الحرية أبدا، وفي مارس 2011 عمت المظاهرات أنحاء محافظة إدلب على رأسها مدن بنش وسراقب، وسرعان ما امتدت الثورة لتشمل كل نواحي المحافظة، وكان نصيب إدلب من القتل والمجازر والاعتقالات كما كان لبقية المدن الثائرة.

وفي الثورة كان الأمر لافتا جدا بين السوريين وحتى في الإعلام العربي والعالمي وهو ظهور أسماء مدن وبلدات لم يكن السوريون أنفسهم يسمعون بها، وذلك بسبب التهميش الذي طال تلك المنطقة في عهد نظام الأسد الأب والإبن، ومثال تلك البلدات “كفرنبل” والتي يصعب على السوريين النطق بها بشكل صحيح، وتعد اليوم أحد أهم معاقل الثورة في إدلب.

معقل الجيش الحر

وتقول مصادر محلية إن أول تشكيل لـ”الجيش السوري الحر” كان في إدلب عن طريق الضابط المنشق عن النظام المقدم “حسين هرموش” المنحدر من مدينة إبلين، وكان لقرب إدلب من تركيا أهمية كبيرة إذ باتت بوابة الدعم والإمدادات الإغاثية والطبية للمناطق الأخرى كما كانت طريق الإمداد العسكري أيضا.

وأعلن في يوليو عام 2011 عن تأسيس “حركة الضباط الأحرار” من قبل عدد من الضباط المنشقين عن نظام الأسد، وكان الناطق باسمهم المقدم “حسين هرمون” وبعدها أعلن عن تشكيل “الجيش السوري الحر” بقيادة العقيد “رياض الأسعد” المنحدر من ريف محافظة إدلب وذلك بهدف حماية المتظاهرين السلميين من اعتداءات قوات نظام الأسد.

“تشكلت نواة الجيش السوري الحر في إدلب من قبل مجموعة من ضباط منشقين عن قوات نظام الأسد”

ضد الأسد

وتعتبر إدلب من المناطق المنسية والمهمشة عمدا من قبل نظام الأسد فهي التي ثار أبنائها ضد نظام الأسد الأب في عام 1970 حين رفضوا استقبال “حافظ الأسد” وشتموه ورموه بثمار الطماطم والأحذية وفق ما يرويه أهل المحافظة.

وبقيت محافظة إدلب بعد ذلك مهمشة من كل النواحي على حساب بقية المحافظات مثل حلب وحمص واللاذقية، حيث أجبر النظام أهالي المدن والبلدات في إدلب على الدراسة في الجامعات بالمدن الأخرى، كما أجبرهم على الالتحاق بالوظائف هناك، بعدما قام بتحويل كل اهتمامه الاقتصادي والسياسي إلى حلب.

ولم يقدم النظام طيلة خمسين عاما أي عمل خدمي أو تنموي في إدلب، ولم يقم بأي استثمار اقتصادي، وهو ما جعل معظم أهالي المنطقة يعتمدون على الزراعة بالدرجة الأولى، وهي المنطقة التي توارثت زراعة الزيتون من القدم.

وتهميش النظام لإدلب لم يمنع ظهور الأدباء والمفكرين والمثقفين لأن ذلك التهميش لم يكن ليتمكن من كسر إرادة أبناء المحافظة.

وفي آذار من العام 1980 اشتعلت مظاهرات كبرى في مدينة جسر الشغور بمحافظة إدلب ضد النظام، وشل إضراب عام مفاصل الحياة ليومين، قبل أن يهاجم طلاب مبنى المؤسسة الاستهلاكية رمز الجوع والحرمان في عهد الأسد الأب، ومن ثم شعبة حزب البعث.

وفي عصر اليوم ذاته حطت خمس وعشرون طائرة مروحية محملة بالجنود والعتاد في المدينة، وبدأت قوات الأسد بحملات دهم واعتقال عشوائي لمدة ثلاثة أيام، حيث أشرف توفيق صالحة (محافظ إدلب آنذاك) والعميد علي حيدر والعقيد عدنان عاصي على عمليات إعدام ميداني عشوائي طالت أكثر من مائة وخمسين من أهالي الجسر مسلمين ومسيحيين، وفق ما نقله موقع “أورينت نيوز”.

وفي العام نفسه وبعد شهرين نزلت الفرقة الثالثة في قرى جبل الزاوية، حيث اتخذ مقاتلو تنظيم “الطليعة” من جبال الأربعين الوعرة ملاذا لهم، وهناك انتشرت رائحة الموت من محمبل غربا حتى أريحا بوابة الجبل، عبورا إلى طرفه الآخر في معرة النعمان، مخلفة مئات القتلى وآلاف المعتقلين والمفقودين.

“رفض أهل إدلب استقبال رئيس النظام حافظ الأسد في عام 1970 ورموه بالطماطم والأحذية” 

إدلب اليوم

وتزداد المؤشرات يوما بعد عن قرب النظام من شن عملية عسكرية برعاية روسية قد تستهدف المحافظة بأكملها أو مناطق بعينها وذلك لحصر المعارضة في أضيق نطاق ممكن استعدادا لإنهائها بذلك الحصار.

وتقول إشاعات مصدرها إعلام نظام الأسد أن المعركة ضد إدلب ستكون على مراحل حيث ستشمل المرحلة الأولى من الهجوم منطقتي جسر الشغور وسهل الغاب على الجانب الغربي من إدلب، وبلدات اللطامنة وخان شيخون ومعرة النعمان في جنوب إدلب.

ونقل موقع “عربي 21” عن الخبير العسكري فايز الدويري أن المعركة ما زالت بمرحلة الإعداد والتهديدات المتبادلة، متوقعا معركة محدودة في مناطق معينة، مشيرا إلى أن أعداد فصائل المعارضة في إدلب تقدر بما بين 85 و120 ألف مقاتل، مقابل إحصائية غير معروفة لقوات النظام وحلفائها التي لا تزال في مرحلة إعداد القوة.

ولكنه لفت إلى أن التفوق الناري لدى النظام وحلفائه يعني أنه ليس هناك ضرورة بالنسبة له بالتفوق العددي والحشد الضخم.

وعن شكل المعركة، قال الدويري إن السيناريو الأكثر احتمالا، أن المعركة بالغالب ستكون محدودة، بعد أن ترضخ تركيا للضغوطات الروسية من خلال السماح بسيطرة النظام على ثلاث مناطق، وهي ريف إدلب الجنوبي لتأمين مطار حماة، وجسر الشغور لفتح الطريق الحيوي وتأمين مطار حميميم، والطريق الدولي الواصل بين حماة حلب، مستبعدا أن تكون المعركة شاملة، بسبب الضامن التركي في المنطقة، الذي لن يسمح بأكثر من ذلك.

“إدلب اليوم أهم معقل تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة وتضم أكثر من ثلاثة ملايين النسمة”

أهمية المعركة

وتأتي أهمية المعركة التي يريد النظام شنها على إدلب من كونها إذا نجحت تمكنه من السيطرة على الطرق الاستراتيجية بين حلب وحماة واللاذقية، فضلا عن تأمين القواعد العسكرية في اللاذقية وحماة، وخنق المعارضة في نطاق ضيق يسهم في احتدام الصراع بينها وبين “هيئة تحرير الشام”.

وسيطرة النظام على تلك المناطق قد تعطيه فرصة أكبر للاستمرار لاحقا في عملية السيطرة على إدلب، كما أن أي حركة نزوح جديدة نحو الحدود السورية التركية ستشكل ضغوطا كبيرة على تركيا أمنيا واقتصاديا، وتضم المدينة اليوم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة.

تاريخ

وتقع محافظة إدلب في شمال غرب سوريا وتعتبر بوابة سوريا البرية إلى تركيا وأوروبا وتشغل مساحة 6,097 كم² من الأراضي السورية وعدد السكان قبيل اندلاع الثورة ضد نظام الأسد كان قد بلغ 1.5 مليون نسمة بحسب مصادر مفتوحة.

وتقع مدينة إدلب وسط سهول فسيحة تسمى وتشكل الجناح الغربي من هضبة حلب، وتعلو 446 مترا عن سطح البحر، وتمتاز بموقعها ضمن غابة من الزيتون وعلى الطريق الممتد من أنطاكية إلى معرة النعمان إلى حماة ودمشق، والطريق الواصل بين حلب واللاذقية.

وبحسب مصادر مفتوحة على مواقع الانترنت كانت إدلب قرية صغيرة تدعى على الأرجح (وادي لب) وتتألف من قسمين: إدلب الكبرى الواقعة شمال طريق معرة مصرين الحالي وهي قرية “دارسة”، وإدلب الصغرى إلى الجنوب من الأولى على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات وهي العامرة اليوم.

وكانت قرية إدلب تتبع سرمين فيما مضى، ثم بدأت أهميتها بالظهور بعد أن اهتم بها في العصر العثماني الصدر الأعظم محمد باشا الكوبرلي (1583-1661)، فجعل مواردها وقفا على الحرمين الشريفين وأعفا سكانها من الرسوم والضرائب وأقام فيها مبان ما تزال قائمة إلى اليوم، قصدها الناس من جسر الشغور وسرمين والقرى المجاورة، فاتسعت وازدهرت على حساب إدلب الكبرى التي طوي ذكرها.

وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر غدت إدلب تتبع جسر الشغور ثم أتبعت بأريحا ثم صارت مركز قضاء عام 1812م، ثم مركز محافظة في عام 1960م.

وعانت إدلب ما عانته بقية المدن السورية من الاحتلال الفرنسي عندما اتخذها إبراهيم هنانو معقلا لثورته على فرنسا حيث قصفتها قوات الاحتلال بالمدفعية في 20/1/1920 واعتقلت معظم أهلها فتشرد الكثيرون في البراري، ثم عادوا إليها ثائرين واحتلوا دار الحكومة، وظلت المدينة على مناهضتها للاحتلال حتى رحيل القوات الفرنسية عنها في 18/1/1945.

ونظم محمد باشا الكوبرلي مدينة إدلب وفق مخطط عمراني اختاره بنفسه فبنى فيها الخانات كخان الشحادين وخان الرز ونظم أسواقها فجعل لكل حرفة فيها سوقا خاصة، ورصف شوارعها بالحجر.

ويتألف المخطط العام للمدينة من نواة بيضوية قديمة مكتظة بالسكان، وأحياء جديدة تنتشر حلقات حول النواة تخترقها شوارع عريضة مستقيمة ومنتظمة.

وقد استخدم السكان الأحجار الكلسية في البناء قديما وحديثا ومنازلهم نوعان: يتألف الأول من فسحة واسعة في الوسط يحيط بها عدد من الغرف وتزينها الأعمدة المزخرفة والأقواس، وهو نمط عالي التكلفة وقليل الاستيعاب للسكان، أما الثاني فهو النمط الأوروبي في الأبنية.

وتشتهر إدلب وريفها بمنتوجها من الزيتون حتى أن الأخوين رسل سمياها عام 1772 بلد الزيتون وهو محصولها الأول، وفي إدلب صناعات قديمة مختلفة، مثل عصر الزيتون (كان في المدينة زمن العثمانيين 200 معصرة زيتون تحت الأرض اندثرت كلها)، وصناعة الصابون (حصرت هذه الصناعة بها في عهد محمد باشا الكوبرلي، فكان فيها ست وثلاثون مصبنة)، وصناعة الدبس والحلاوة والطحينة والأحذية. وتعد مدينة إدلب سوقاً تجارية واسعة للمناطق المحيطة بها، كما تسيطر على تجارة الزيتون وزيته في سورية عامة.

ويحيط بمدينة إدلب عدد كبير من المناطق الأثرية كالبارة ورويحة وقلب لوزة وقصر البنات وغيرها، وهي لا تبعد أكثر من خمسة عشر كم عن جبل الأربعين أفضل مصايف الشمال.

“تضم إدلب ثلث الآثار الموجودة على الأراضي السورية، وتعمّد نظام الأسد الأب والأسد الابن تهميشها خلال حكم سوريا”

ثلث التاريخ السوري

وبحسب مصادر فإن محافظة إدلب تحتوي على ثلث آثار سوريا وذلك بحكم موقعها الجغرافي المهم، ومن أهم المواقع في مدينة إدلب: “الجامع الكبير الذي يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر الميلادي، والأسبتا الذي يعود تاريخها إلى العهد العثماني، ومنزل العياش الذي يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر الميلادي، ودار الفتح الأهلية الذي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر الميلادي.”

أما مدينة البارة وهي من أكبر المدن المندثرة في شمال سوريا، وتضم المدينة عدة كنائس مهدمة وقبور هرمية، كما تضم ( دير سوبات )، بالإضافة إلى بقايا عدد كبير من البيوت المتناثرة بين أشجار الزيتون، وتمتد أطلال المدينة على مساحة لا تقل عن ثلاثة كيلومترات.

و”كنائس البارة” وهي عبارة عن ثلاث كنائس بثلاثة مداخل، إلا أن سقوفها المتهدمة والأعشاب العالقة بها تجعل من الصعب دراستها بالتفصيل، وتوجد زخارف متينة وجميلة وهي على شكل أوراق نبات الأقنثا، بالإضافة إلى جاذبية وفتنة العتبات العلوية للأبواب، والأقواس والجدران الرمادية اللون.

وقبور “البارة” وهي أهم معلم تاريخي في منطقة البارة بأحجامها المختلفة الكبيرة منها والصغيرة وتصاميمها الغريبة، فلها أسقف حجرية هرمية الشكل وقواعد من الحجارة الضخمة، ويحيط بالجدران الخارجية لأهم قبر بين تلك القبور حلي وزخارف معمارية مدهشة على شكل أغصان كروم العنب تساعد على إضاءة القبر، وتدل الميرونات وإشارات الصليب الموجودة على أن هذه القبور تعود إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين.

وباب الهوى هو نقطة العبور الرئيسية إلى سورية من جهة الشمال ، ويقع قرب موقع تاريخي يعود للقرن الثاني وهو كناية عن طريق روماني يبلغ طوله 1200 متر ولا يزال موجودا حتى اليوم.

ومن المعالم الأثرية في المحافظة “متحف معرة النعمان، وقلعة باكاس بجوار جسر الشغور، وجبل بريشيا الذي يحتوي على أثار بيزنطية مميزة وخاصة القلاع المبنية بالحجر الكبير.

وتضم المحافظة العديد من المدن المندثرة أهمها : “إيبلا، سيرجلا، أفاميا، تورين، قرقميش، الأندرين.” وهناك معالم أثرية مثل قلعة حارم والجسور في منطقة الشغور فوق نهر العاصي، ومدفن المغارة وكنيسة قلب لوزة وعمود سرمدة.

 

إبراهيم الأحمد / صدى الشام

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى