عندما تموت الأحلام.. ما بين الصمت وحرية التعبير

التمييز ضد المرأة..

صورة تعبيرية: لامرأة سورية لاجئة في لبنان (الإنترنت)

كتبتها: بتول حاج موسى -SNP

 

“هل حلمي سيبقى حلماً أم أنه سيتحقق يوماً ما، ربما كان علي التكلم في وقت أبكر وعدم الصمت”.. هكذا كانت مروة تلوم نفسها، بغصة بدت على كلماتها وملامحها لتعاود النظر في المدى.

“مروة . ب”، فتاة سورية تقطن قرى جبل الزاوية في الريف الجنوبي لمدينة إدلب، عشرينية جميلة، ولدت في أحضان أسرة تقليدية بسيطة لا تعطي للمرأة حقاً في التكلم أو الاعتراض.

نستعرض في هذه المادة قصة فتاتين سوريتين، الأولى خسرت تحقيق أحلامها لأنها لم تجرؤ على الاختيار في بيئة اجتماعية لا تسمح بحرية التعبير، لا سيما للأنثى، والثانية قرينتها بالعمر ومن نفس قريتها، إلا أنها تربت منذ صغرها على حرية الاختيار، فكانت حياتها كما رسمتها هي.

كبرت مروة بين أخوات عوملن بنفس الطريقة التي عوملت بها، تقول مروة “كان والداي دائماً ما يميزان بين أولادهما الإناث والذكور في المعاملة، وغالباً ما كانوا يمنعوننا نحن الفتيات من إبداء الرأي.. أتذكر عندما علمنا بحمل أمي وأنها ستلد فتاة كان وجهها شاحباً جداً وكأن فاجعة ما ستحدث، أما أبي فكان وجهه محمر ويلقي بالشتائم ويرمقني وأخواتي بنظرات كادت أن توقعني أرضاً من شدتها”.

مروة كانت محرومة من التعبير عن رأيها، في ظل جو أسري يفرض قيوداً على الأنثى، وأضافت أيضاً: “حاولت جاهدة التعبير لأمي عما يجول في خاطري لكنها لم تعطني فرصة أبداً، فكنت أفضفض عما يجول في صدري مع صديقاتي اللواتي بدين متفهمات لأمور تخالج نفسي وتستقر داخلها”.

ما تتعرض له مروة يعتبر تمييزاً قائماً على التفريق بين الجنسين، يصادر حرية المرأة في التعبير عن رأيها واتخاذ قرارات مصيرية تهم حياتها وحدها، وتعرّف اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التمييز بأنه يعني ”أي تفريق أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف بالمرأة، على أساس تساوي الرجل، بحقوق الإنسان والحريات في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية”.

اختيار الشريك

استمرت تلك الحالة حتى الربيع السابع عشر لها الذي تحول لخريف عندما اتخذ أهلها قرار تزويجها لشاب من القرية المجاورة يدعى “أحمد”، الذي تعرف على عائلتها بطريقة تقليدية.

تصف مروة يوم خطوبتها قائلة: “قالت لي أمي أنه علي الخروج لأقابل ذلك الشاب مع أهله عندما جاؤوا لخطبتي، علمت حينها أن اسمه أحمد، لكنني رفضت رفضاً قاطعاً إلى أن دخل أبي بجسده الضخم إلى الغرفة وهددني “ألا تريدين الخروج”.

تتابع مروة: “عرفتُ من نظراته أنه يتوعدني بالويل إذا لم أخرج وأقابل أحمد فخرجت مضطرة وتمنيت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني لكثرة ألمي وانعدام أملي فلم أنطق ببنت شفة”

عندما علمت مروة أن أحمد شاب لم يأخذ شهادة الإعدادية أدركت أنه لن يسمح لها بإكمال دراستها لكنها تعلقت بشرارة أملٍ زائلة، بسبب كمية وعوده واطلاقه للأيمان، وكان أكثر شيء يؤلمها تكراره لجملة “علي الطلاق” تأكيداً منه أنه سيفي بوعوده، على حد تعبيرها.

ثبتتها أمها بقولها لمروة أن ابنة عمها تزوجت بقريب أحمد وعاشت حياة جميلة ومطمئنة لكن مروة كان لها هدف وحلم آخر.

“لم يكن الفستان الأبيض فستان زفافي بل كان كفني الأبدي.. لم أحلم يوماً بارتداء الأبيض إلا وأنا أتدرب في جامعتي أو أعمل في صيدليتي”

حلم بلا مأوى

كان لمروة حلم وحيد، وهي أن تحصل على شهادة الثانوية العامة لتلتحق بكلية الصيدلة، وعلى هذا الأساس اجتهدت وتعبت، لكن ما إن كاد يلامس حلمها رؤوس أناملها الجميلة إلا وتدمر ليتلاشى بعده.

تقول مروة بحرقة تخفي حزن عميقاً: “كنت دائماً أحصل على درجات عالية وهذا ما أزعج الكثير من زملائي المنافسين لي، لاسيما يوم صدور نتائج الشهادة الثانوية التي أهلتني لدراسة الصيدلة وتحقيق حلماً طال انتظاره، لكن فرحتي لم تكتمل”.

بعد عدة أيام قليلة من صدور النتائج حدد موعد الزفاف، لتبدأ مروة بالاستعداد له مجبرة راضخة لإرادة والديها، وخوفاً من الويل والثبور في حال رفضت.

تصف مروة شعورها في يوم زفافها قائلة: “لم يكن الفستان الأبيض فستان زفافي بل كان كفني الأبدي.. لم أحلم يوماً بارتداء الأبيض إلا وأنا أتدرب في جامعتي أو أعمل في صيدليتي”.

قتلتُ أحلامي عندما صمت

دخلت مروة سنتها الثامنة عشر بعد شهر على زواجهما الذي تكلل بالهدوء المطبق، قرر زوجها ترك البلاد قاصداً رزقه فاختار تركيا للعمل، أما عن وعده الذي قطعه بأن يسمح لها بإكمال جامعتها كانت هراء لا طائل منه.

“سبب خبر رحيل زوجي صدمة وما زاد الأمر تعقيداً منعي من إكمال دراستي، لكنني مرة أخرى صمتت وانتهى كلامي قبل أن يبدأ” قالت مروة كلماتها تلك بهدوء مصطنع عبر عنه شحوب وجهها.

تروي مروة قصة ألمها الذي ازداد بعد رحيل زوجها وحيدة من دون طفل ومن دون أقارب في تلك الزنزانة المسماة بمنزل “بيت الأحما”. لا تلقى إلا الجفاء ولا تمتلك القدرة على التعبير عن رأيها حتى في حياتها الخاصة.

مروة الوحيدة تتصل مع زوجها يومياً ولكنه لا يرد على اتصالها أغلب الأوقات، وفي كل مرة تسأله يخبرها أنه عائد في أقرب فرصة ممكنة ويضع حجج ويكرر أيمانه تلك.

تقول مروة: “لقد بدأت أعتقد أن كل إنسان يحلف كثيراً هو كذاب، كانت لدى زوجي العديد من الفرص لكنه لم يأت، لم يعاملني أهله بشكل لائق ولا حتى أقاربه، أما عن أهلي فلا أراهم إلا قليلاً ودائماً ما تكون زياراتهم قصيرة، لم أكن أخبرهم بهمومي كي لا أثقلهم بالهموم رأفة بحالهم واستسلاماً لقدري. لم أرزق بطفل بعد وكل ما أملكه هو الوحدة المندمجة مع الألم”.

لم تشأ مروة أن تتكرر قصتها فهي لم تكن راغبة بتحكم الأهل بمصير حياتها، وتقول: “سأخبر فتاتي التي لم أنجبها بعد بألا تصمت.. تكلمي وناقشي وجادلي وأخبري الجميع برأيك ولا تخافي، فإن تكرر صمتكي سيختفي صوتكي إلى الأبد”.

نساء سوريات يشاركن في المظاهرات السلمية لنيل حريتهن وتحقيق مطالبهن

فاطمة موسى.. لم تسمح بمصادرة قرارها

 

 

“عندما تُحشر في الزاوية ستخلق لنفسك طريقاً رغم كل الضغوط، وقد تضطر أحياناً لتحطيم تلك الجداران التي حاصرتك”..  هكذا تعبر فاطمة عن فلسفتها للحياة، بكل عز وافتخار.

فاطمة موسى، شابة من ريف إدلب في الثلاثينيات من عمرها، ولدت في عائلة ميسورة الحال، لا تتدخل في قرارات المرأة كثيراً بل وتشجعها على اتخاذ قرارها مادامت مؤمنة به ومقتنعة بنتائجه، عائلة تؤمن بالحوار وإبداء الرأي.

تقول فاطمة: “ولدت في أسرة كنت آخر العنقود فيها، كانت أمي تعتني بي جداً وتسرح شعري لتتركه منسدلاً على كتفيَّ، لم أتذكر شيئاً من طفولتي بقريتنا التي تسمى (سرجة)، وجل ما اتذكره هو حينا في العاصمة دمشق”.

النجاح يبدأ بخطوة

انتقال الأسرة إلى دمشق ساعد فاطمة كثيرا في بناء شخصيتها في سن مبكر، وتتذكر حجم الثقة بالنفس الذي اكتسبته منذ أيام الدراسة الابتدائية، وتقول: “في صباح يوم شتوي قارس، أوصلني أبي إلى المدرسة كعادته لكنه دخل معي ليسأل عن وضعي و مستواي التعليمي، أتذكر قول المعلمة له أنني أملك مؤهلات عالية، ما جعل أبي فخوراً بي ويرمقني بنظراته تلك المليئة بالبريق والحنان التي أشعرتني بعظمة الأبوة فعلاً”.

حرية الاختيار

ترعرعت فاطمة في طفولتها وصباها في حي القابون الدمشقي، وأكملت جميع مراحل التعليم وصولاً إلى الدراسات العليا.

تذكر فاطمة بعد اجتيازها المرحلة الثانوية بنتائج أذهلت الجميع، تخولها دراسة الطب، الاختصاص المرغوب لدى السوريين، ولكنها لم تفاضل على اختصاص الطب.

“لم أكن أتخيل أن أصبح طبيبة أبداً، لقد كان شغفي في العلوم وعلى وجه الخصوص علم النباتات، فأخبرت أهلي أنني لن أدرس الطب بل سأدرس العلوم، لم يعاتبني أحد من أسرتي بل تفهموا رأيي ورغباتي”.

درست فاطمة الفرع الذي ترغب به ولم تلق بالاً للمحيط المتطفل، ما دام أهلها لم يعترضوا، ولم تأبه لكلام الناس، ولكن لم تكد تنهي السنة الأولى خسرت أكبر سند لها، فقد توفي والدها.

تقول فاطمة: “كانت وفاة والدي كعاصفة دمرت كل شيء في حياتنا. أمي عادت إلى قريتنا من أجل الحصاد ومواسم أخرى في ريف إدلب، وأختي الكبيرة متزوجة، لم يبق سواي مع إخوتي الشباب الثلاثة الذين كان أكبرهم في المرحلة الثانوية، كنت أطبخ لهم وأساعدهم وأهتم بالمنزل وأدرس في الوقت نفسه، أما في الصيف فكنت أذهب إلى القرية مع أمي التي كانت منشغلة دوماً في الأرض وما أن تنهي موسم حتى يبدأ موسم آخر من القطاف”.

انهت فاطمة دراستها الجامعية بتفوق، ومن ثم درست الماجستير وتلته بالدكتوراه، وبدأت في العمل على عدة مشاريع وتقارير تخص النباتات والغطاء النباتي وعرضت أعمالها وأبحاثها على التلفاز الوطني.

الرضى عن الذات

تقول فاطمة: “كلما رأيت أبحاثي شعرت بالفخر من نفسي، وتمنيت لو أن أبي يعود ليرمقني بنظراته البراقة المليئة بالفخر تلك. كنت أعمل على مشاريع عديدة لنباتات تعيش في بيئات صعبة جداً، ما اضطرني للسفر لأماكن عديدة”. وتردف قائلة: “لقد تعلمت من النباتات التي عملت على دراستها الكثير، لم تستسلم تلك النباتات بل تأقلمت مع محيطها وفي النهاية أزهرت وازدهرت “.

اضطرت فاطمة وإخوتها إلى مغادرة حي القابون، بسبب أحداث الثورة السورية وما رافقها من قمع واعتقالات على يد قوات النظام، وانتقلت إلى حي آخر في العاصمة، هناك التقت بشريك حياتها المستقبلي.

بعد زواج فاطمة قررت مع زوجها الرحيل عن سوريا والابتعاد إلى الجانب الآخر من العالم وكانت وجهتهم هي أوروبا.

فاطمة الآن تعمل مع عدة منظمات في ألمانيا ومراكز تهتم بالسوريين اللاجئين، ومراكز سياسية تدعم المرأة.

فاطمة امرأة اختارت مسار حياتها، وتحدت الصعاب لتصل إلى ما تريد، لم تسمح لأحد بمصادرة رأيها، ولم تسمع لكلام المتطفلين وصوت المجتمع المتطفل.

 

أعدت هذه القصة بإشراف الشبكة السورية للإعلام المطبوع (SNP)، وهي المادة الحادية عشرة والأخيرة. القصص كتبتهن شابات سوريات، لسن صحفيات، خضن تدريبا أوليا على الكتابة الصحفية، وذلك ضمن خطة الشبكة في تطوير الكوادر الإعلامية والاهتمام بالفئات الشابة.

 

للمزيد اقرأ أيضاً..

“حنان الأحمد”.. طفلة حرمت من أطفالها

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى