“حنان الأحمد”.. طفلة حرمت من أطفالها

زواج القاصرات (صورة تعبيرية)

 

كتبتها: رغد الطه -SNP

 

“عدت من المدرسة في ذلك اليوم المشؤوم بالنسبة لي، فطلبت مني أمي أن أدخل غرفتي و أنتظرها لأن هناك أمور يجب علينا التحدث عنها، ظننت أنها ستوبخني من أجل دراستي أو شيء من هذا القبيل”، تتذكر حنان يوم جاء عامر لخطبتها وهي لا تزال طفلة.

حنان الأحمد (23 عاماً)، شابة من مدينة إدلب، كانت إحدى ضحايا زواج القاصرات، سرقت التقاليد منها طفولتها وأطفالها مبكراً، وكما الغالبية العظمى من حالات تزويج القاصرات كانت آثاره السلبية تتعدى القاصر وتدمر الأسرة.

تشير إحصائيات صادرة عن وزارة العدل في سوريا إلى أن نسبة الزواج المبكر بالنسبة للقاصرات السوريات ارتفعت إلى 14% خلال سنوات الحرب بعد أن كانت 7% قبل الحرب.

وبحسب القاضي الشرعي الأول في دمشق، محمود المعراوي، أن حالات زواج القاصرات المرتفعة هي أكثر أنواع الزواج التي تنتهي بالطلاق.

ضحايا التقاليد

تقول حنان: “كنت في الـ 15 من عمري لم أكن أعلم شيء سوى الذهاب إلى المدرسة والالتقاء بصديقاتي للعب، كنت مثل أي طفل بريء يمكن أن يكون سعيداً بممحاة لها رائحة الفراولة مثلاً”.

تفاجأت حنان في ذلك اليوم، عند عودتها من المدرسة، بزيارة خالها وابنه عامر الذي يكبرها بـ 15 سنة، الذي جاء لخطبتها.

رفضت الطفلة حنان الزواج وحاولت كثيراً إقناع عائلتها بالتخلي عن الفكرة، وتقول ترجيتهم وبكيت كثيراً، ولكن من دون جدوى، وكان ردهم لي: “عامر شب كتير بحبك ورح يعيشك حياة كتير حلوة وسعيدة، بعدين ابن خالك ومهندس والكل بيتمناه وصعب تلاقي واحد مثله بهالأيام، شو رح تعملي إذا خلصتي دراستك!! رح تكون نهايتك شقفة أنسة بتنهي حياتها بالمدارس”.

تضيف حنان: “كانت معاملته لي جيدة في البداية، كان يحبني مثلما قالوا، ولكن بعد فترة من زواجنا بات ينزعج مني كثيراً ويعصب بسبب حركاتي الطفولية، “ليش هوي شو كان منتظر من طفلة أكتر من هيك!”.

طفلة تربي أجيال

لم تكمل حنان الثامنة عشرة من عمرها، إلا وهي أم لطفلين (خالد وخلود)، وهي الآن بعيدة عنهم تفصل بينهما حدود، بعد انفصالها عن زوجها وحرمانها من رؤيتهم إلا عبر الصور فقط، التي علقت عدداً منها على جدار غرفتها.

تنظر حنان إلى صور أطفالها وعيناها مليئة بالدموع وتقول: “كنت حابة عيشهن الطفولة يلي أنا ما قدرت أعيشها “.

 

غريبة في عيد زواجنا

كانت الصدمة الكبرى بالنسبة لحنان، في عيد زواجها الأول، عندما رأت عامر يدخل للمنزل وبصحبته امرأة غريبة، ولم تكن تعلم أنها “الضرة” (الزوجة الثانية).

تقص حنان بحرقة ما حدث في تلك الليلة: “كان يوم الثالث عشر من كانون الأول عام 2012، كنت أعد الأطعمة التي يفضلها إضافة للحلويات والعديد من الاطباق، احتفالاً بمرور سنة على زواجنا، وحوّله إلى حفلة لزواجه الثاني”.

التزمت حنان الصمت، في حينها، وصبرت لأنها لم تكن قادرة على التفوه بأية كلمة أو المطالبة بحقوقها، خوفاً من نظرة المجتمع لها وحفاظاً على أطفالها من التشرد.

لم تستطع حنان تحمل حجم العذاب والتعنيف الذي تعرضت له من قبل زوجها بعد زواجه الثاني، فطلبت منه الانفصال، لكنه رفض “إمعاناً بتعذيبها”، على حد تعبيرها.

بعد محاولات عديدة، لم يوافق الزوج على الطلاق إلا بشروط، “طلب مني مصاري ودهب لحتى يطلقني”، تقول حنان كان يستغلني ويستمتع بتعذيبي، وبعد جهد جهيد استطاعت أسرتي تامين المبلغ المطلوب، ولكنه لم يكتفِ بذلك، فقد حرمني من أطفالي بعد الطلاق، ولم يسمح لي برؤيتهم.

صورة لحنان وهي تقضي وقت فراغها في إحدى حدائق مدينة الريحانية جنوب تركيا

رحلة جديدة على أمل اللقاء

غادرت حنان مدينة إدلب، محرومة من فلذات كبدها، وسافرت مع أهلها إلى تركيا، وفي كل مرة تحصل فيها على مقاطع فيديو لطفليها (خالد وخلود) يتقطع قلبها حزناً، كان الزوج يرسل مقاطع للأطفال وهو يضربهم.

تقول حنان: بعد سرقة طفولتي وأطفالي لن أسمح لهم بسرقة شبابي مني، يجب أن أكون أقوى لأستطيع الحصول على أطفالي وتخليصهم من ذلك “الوحش الذي يدرج تحت مسمى الإنسان”.

استطاعت حنان، بعد أربعة سنوات من طلاقها، أن تخلق من مأساتها ونهايتها بداية جديدة، فقد عادت إلى مقاعد الدراسة، وهي الآن تقف على أقدامها من جديد بعد تطوير قدراتها عبر الاجتهاد والعمل وحضور ورشات لتطوير الذات.

حنان الآن مريبة لأجيال المستقبل ومديرة لنادي رياضي ومسؤولة عن مركز للدفاع عن حقوق المرأة، تأمل يوماً ما باسترداد أطفالها.

وتختتم حنان، التي لا تزال في مقتبل العمر، قصتها بالقول: ها أنا الآن أقف أمام أحلامي التي أجهضت بسبب المجتمع والتقاليد البالية، وضعفي الذي كان في صغري تحول لقوة لا يمكن لأحد أن يكسرها.

“يوماً ما سأسترد أطفالي، وسأبذل كل جهدي بأن لا تسرق الطفولة ولا يحرم الأطفال من أمهاتهم”.

أعدت هذه القصة بإشراف الشبكة السورية للإعلام المطبوع (SNP)، وهي المادة العاشرة من نحو عشر قصص، تنشر تباعا. القصص كتبتهن شابات سوريات، لسن صحفيات، خضن تدريبا أوليا على الكتابة الصحفية، وذلك ضمن خطة الشبكة في تطوير الكوادر الإعلامية والاهتمام بالفئات الشابة.

 

للمزيد اقرأ أيضاً..

“نور مدور”.. امرأة وقفت بوجه الحرب

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى