“نور مدور”.. امرأة وقفت بوجه الحرب

محاصرو داريا بريف دمشق يتحضرون لمغادرتها 27 آب 2016 (عنب بلدي)

كتبتها: نور العتر –SNP

 

“رحم الله وجهاً بشوشاً نيراً، وابتسامة متألقة، إلى جنان الخلد.. سلاماً لروحك في الخالدين.. يا نور الغالية “، بهذه الكلمات نُعيت نور من قبل أقاربها وأصدقائها، وزفت بالدموع والورود إلى مثواها الأخير.

“نور مدور”، شابة لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، ولدت في مدينة داريا، أنهت دراستها في جامعة دمشق، عاشت حياتها رائدة في الوسط النسائي المحيط بها، معلمة ومربية أجيال، ومهتمة بقضايا المرأة.

قصة نور، ليست مجرد مرثية لامرأة توفيت، بقدر ما هي قصة لامرأة نجحت في حياتها وتحدت الصعاب، وكانت مصدر إشعاع لمحيطها، صارعت الحرب وصمدت بوجهها، إلى أن أنهك جسدها المرض، القصة ترويها والدة نور.

تتذكر الأم ابنتها نور وتقول: “بعد ما تزوجت نور كانت تجي تزورني كل يوم وكنت انبسط كتير وقت تدخل لعندي بضحكتها الطيبة.. والحمد لله حالياً وقت بشوف بنتها (إباء) كأني شفتها”.

زهور داريا ورصاص الأسد

كانت نور الأكبر بين إخوتها، وبعد وفاة الأب الذي ترك جرح لا يندمل في حياتها، كان عليها أن تتحمل عبئاً كبيراً على كاهلها في مساندة الأسرة.

في منتصف آذار/ نيسان 2011 اندلعت ثورة شعبية في سوريا، كان لشباب مدينة داريا القريبة من دمشق بصمة مؤثرة ومتميزة، الأمر الذي اغضب نظام الأسد وصب جام غضبه عليها كما كل المدن الثائرة.

نور كانت من الرائدات في التظاهرات السلمية، ترفع الورود في مواجهة الرصاص، واستمرت في التظاهر على الرغم من اعتقال زوجها وشقيقها، والوحشية المتزايدة من قبل نظام الأسد في قمع الثورة السلمية.

في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2012 كانت داريا على موعد مع فاجعة إنسانية لن تمحى من ذاكرة أبنائها، في ذلك اليوم اقتحمت قوات النظام المدينة وارتكبت مجزرة مروعة بحق المدنيين، راح ضحيتها العشرات بإعدامات ميدانية، المجزرة يعرفها السوريين باسم “أخوة العنب والدم”، كناية لشباب داريا وتكريماً لبطولاتهم ونشاطهم الثوري السلمي، الذي استفز النظام.

أيام عصيبة مرت على نور وأسرتها، فالمجزرة حولت المدينة إلى بيت عزاء كبير، وبدأت مرحلة جديدة من النضال، فاشتعلت المواجهات بين الجيش الحر وقوات نظام الأسد، وقصف همجي وحصار.

فقدت نور خلال المواجهات شقيق لها وابن عم، ولم تفقد العزيمة، وعلى الرغم من القصف الكثيف وانتشار الدمار وقلة الإمكانيات وانعدام الأمان، إلا أنها قامت مع بعض النساء الناشطات بتأسيس مراكز تعليم ومدارس في أقبية تحت الأرض لتعليم الأطفال، الذين حرمتهم الطائرات المغيرة من مقاعد الدراسة.

“عند قدوم الأعياد كانت نور تزيّن البيت وتفرح الأطفال كي ترسم البهجة في قلوبهم وتصنع لهم الحلوى دائماً بأبسط المواد الموجودة كالمعكرونة ” هكذا وصفت أم نور نشاط ابنتها وطاقتها الايجابية.

احتفال ترفيهي للأطفال قامت به مدرسة “أمل الأمة” في مدينة داريا، 2 آذار/مارس 2016

آلام البشر والحجر

مع زيادة توتر الأوضاع الأمنية في داريا واشتداد الحرب التي يشنها النظام ضد “مدينة العنب” (لشهرتها بزراعة العنب الداراني)، اضطرت نور وأطفالها لمغادرة المدينة، ونزحت عن بيتها إلى مناطق مجاورة، في تلك الأثناء أصيبت نور بمرض، ولكن بسبب ضعف الإمكانات الطبية، لم يعرف الأطباء تشخيصه وأخبروها أنه مجرد زكام، لتتكشف مع الأيام وبعد فترة علاج أنها مصابة بورم خبيث في حنجرتها.

لم ينل المرض والنزوح والحرب من عزيمة نور وإصرارها على متابعة مسيرها واستمرت برعاية أبنائها وتعليمهم، بالتزامن مع المداومة على العلاج إلى أن تحسنت صحتها وعادت إلى داريا وأنجبت طفلتها إباء.

تضيف والدتها: “وقت رجعنا لداريا وكان الحصار إذا حدا طلب منها شيء كانت تقطع عن نفسها وتعطيه، كانت تحب الجميع وما تزعل حدا”.

في 25 من آب/أغسطس 2016 كانت داريا على موعد آخر من الفاجعة، المدينة التي أصبحت ركاماً بسبب القصف، أجبر النظام مقاتلي المعارضة على تفريغها من السكان، وكانت نور ممن تم إجلاؤهم عن مسقط رأسهم، أخذت أولادها الأربعة وركبت “الباصات الخضر” إلى إدلب، وفقاً لاتفاقيات التهجير المشؤومة، وتركت زوجها محاصر في بلدة أخرى.

وللحلم بقية

في إدلب لم تقطع نشاطها وواصلت سيرتها الأولى، حيث أسست مع مجموعة من النساء المهجرات مراكز لتعليم الأطفال ورعايتهم، ولتمكين المرأة السورية، كما تابعت تحصيلها العلمي عبر تسجيلها بجامعة افتراضية.

لم تركن نور لقسوة الحياة بل صارعت صعابها والحرب، رغم النزوح وآلام الفقد، وبعد عدة شهور وصل زوجها إلى إدلب. ومع ذلك لم تنته المعاناة لأن مرض السرطان عاد لينتشر بجسدها، ونتيجة انعدام المشافي وعدم توفر العلاج المناسب لها قرر زوجها اللجوء إلى تركيا وترك أطفالهم عند أم نور.

كانت نور تذهب لتلقي العلاج في تركيا وتعود إلى إدلب لرؤية أطفالها، تزامن ذلك مع الحرب التي شنتها قوات من الجيش الحر، بدعم تركي، على مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية، وفي إحدى المرات بينما كانت نور وزوجها متجهين إلى إدلب، احتجزت “الوحدات الكردية” الزوج.

المكان الذي تلقت فيه نور العلاج، مشفى هاتاي الحكومية الجديدة في انطاكيا التركية (الإنترنت)

كان المرض ينتشر والألم يشتد، والصعاب لا تتوانى عن تسديد السهام صوبها، إلا أن نور تابعت العلاج، وبقيت متماسكة رغم “جرعات الكيماوي”، وواصلت تقديم امتحاناتها الشهرية في الجامعة الافتراضية، وتضع الخطط لأعمال السنة القادمة لتكمل طريقها الذي بدأت به، بحسب قول الأم.

“نور كانت تحب الدراسة والعلم لآخر فترة بحياتها.. كانت تحلم كل يوم برؤية زوجها وأطفالها”.

ولكن في صباح الثامن والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2017، كان هطول الأمطار غزيراً ومبكراَ على غير العادة، توفيت نور في إحدى المشافي التركية وهي بعيدة عن عائلتها التي كانت تحلم برؤيتهم، تركت خلفها أطفال وأم وزوج معتقل وأنقاض مدينة.

“رحلت نور ليبقى نورها بصمتها في مجتمعها، ستبقى شعلة لن تنطفئ في قلوب من عرفها”.

 

 

أعدت هذه القصة بإشراف الشبكة السورية للإعلام المطبوع (SNP)، وهي المادة التاسعة من نحو عشر قصص، تنشر تباعا. القصص كتبتهن شابات سوريات، لسن صحفيات، خضن تدريبا أوليا على الكتابة الصحفية، وذلك ضمن خطة الشبكة في تطوير الكوادر الإعلامية والاهتمام بالفئات الشابة.

للمزيد اقرأ أيضاً..

“عبير الأسمر “.. امرأة حديدية من هذا الزمان

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى