“عبير الأسمر “.. امرأة حديدية من هذا الزمان

صورة جماعية لعبير الأسمر وأطفالها وأطفال أخ زوجها في مدينة الريحانية، 26 آب/أغسطس 2018 (خاص - SNP)

كتبتها: راما الحجي – SNP

 

“إن الحروب تحمل من البشاعة والفظاعة ما لا يوصف، تختارنا ولا نختارها ولا حتى النصر يعزي فاقداً عمن فَقد”.. تشكو عبير الأوضاع التي آلت إليها حياتها وعائلتها بسبب الحرب، وتتساءل في نجواها: “أين بيتنا الآن، أنت هناك، وأنا هنا، وماذا تعني كلمة (بيت) إذا لم تكن فيه العائلة كاملة معاً، نحن لا نموت حين تفارق الروح الجسد، بل حين نفارق الأشخاص والأماكن التي نحب”.

عبير الأسمر (اسم مستعار)، امرأة ثلاثينية، من محافظة حمص، تعرضت للاعتقال هي وعدد من أفراد أسرتها في صيف 2015، من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، في محافظة الرقة التي نزحت إليها العائلة هرباً من قصف طائرات النظام الهمجي على حي الوعر الحمصي.

لم تتوقف مأساة عبير عند الاعتقال فقط، كانت المصائب تتوالى على حياتها، ونحاول في هذه القصة تسليط الضوء على جانب مما تعرضت له المرأة خلال الحرب، وعبير نموذج للمرأة الحديدية شهدت القصف والاختباء في الملاجئ، وقاست مرارة النزوح والتشرد، وألم الفقد والاعتقال، واللجوء، لكنها لم تفقد الأمل.

خالد زوج عبير، كان يعمل في تجارة السيارات في حمص قبل النزوح إلى الرقة، التي وجد فيها تجارة “الفيول” (المحروقات المكررة بطريقة بدائية) عملاً مناسباً له لإعالة الأسرة، إلا أن المدينة كانت قد وقعت حديثاً تحت سيطرة تنظيم “داعش”، الذي اعتقل خالد بتهمة تزويد “الجيش الحر” بالمحروقات.

رحلة البحث عن الزوج

عبير كانت تظن أن مغادرتها لمدينتها ستكون أقسى لحظات حياتها، لم تكن تعلم ما الذي ينتظرها، وتروي ما حدث: أرسل التنظيم تهديداً لزوجي بحجة أنه يؤمن المحروقات للجيش الحر الذي يعتبر “كافراً ومرتداً” من وجهة نظر التنظيم، وبعد التهديد بأسبوع اختفى خالد تاركاً خلفه حملاً ثقيلاً، أولادي الثلاثة ووالديه الطاعنين في السن.

تتابع عبير رواية معاناتها ودموعها تنهمر على وجنتيها: بدأت حماتي (والدة زوجها) في البحث عن خالد، وصارت تسأل الجيران والمقربين كيف لها أن تصل لمقر داعش، إلى أن التقت بشخص أرشدها للمكان، فقررت أن تذهب من دون أن تخبر أحد سواي.
لم تستطع عبير إخبار والد زوجها بأن حماتها خرجت للبحث عن خالد، بناء على طلب الأم التي خرجت ولم تعد هي أيضاً، ولكن مع مرور الوقت “بدأت أشعر بالخوف وأقلق فاضطررت إلى إخباره بكل شيء”.

“بدأت ألوم نفسي كثيراً، فوالد زوجي مصاب ولديه أمراض عديدة، بسبب تقدمه بالعمر”، تضيف عبير التي لم تتحمل هذا الوضع، وقررت في صباح اليوم التالي أن تسأل عن المقر الذي احتجز فيه زوجها وحماتها إلى أن وصلت إلى الرجل الذي أرشد أم خالد سابقاً، “كنت أحمل في يدي طفلي الرضيع عمر (ثلاثة شهور)، وشجعني المرشد بقوله أنهم سيتعاطفون معي عندما يرون الرضيع”.

طفلي الرضيع لم يسلم من الاعتقال

وصلت عبير إلى مقر التنظيم، ولم يشفع لها طفلها الصغير ولا كثرة البكاء والتوسل، ولم تكن تعلم بأنها هي الأخرى سيعتقلها التنظيم.

“طلبوا مني انتظار قدوم أحد القياديين، كانوا ينادونه بـ “الأمير”، ولحظة وصوله كان ضخماً ذا لحيةٍ طويلة وشكله مخيف، أمرهم بأخذي إلى القبو”.

حدث ذلك في السابع من نيسان/أبريل ٢٠١٥، حيث اقتادت عناصر من الشرطة النسائية لتنظيم “داعش”، المعروفة باسم “الحسبة”، عبير إلى سجن فيه الكثير من النساء يتهمهن التنظيم بأنهن “مرتدات”.

في مطلع عام 2014، استكمل تنظيم “الدولة الإسلامية” سيطرته على كامل مدينة الرقة (شمالاً)، التي تحولت لمعقله الرئيس في سوريا، وباتت عاصمة لـ “الخلافة” التي أعلنها التنظيم في ربيع ذلك العام، وفرض قوانين وصفت بأنها من “عصر الجاهلية”، حيث طبق “حدود الشريعة الإسلامية” وفقاً لتفسيراته المتشددة، كالرجم وقطع العنق والجلد، وفرض قيوداً على الحياة التي صبغها بالسواد، وكانت النساء من أكثر المتضررات في حكم داعش.

“كنت أبكي وأتوسل إليهم كل ليلة أن يطلقوا سراحي، ولكنهم قهروني عندما جردوني من طفلي، أخذوه مني، كنت أسمع صراخه يومياً”، تتذكر عبير تلك اللحظات وتبكي بحرقة، كنت عاجزة عن فعل أي شيء كنت أتوسل الأخوات (نساء الحسبة)، كنت أقول لهن “أنتن أمهات أيضا كيف لكم أن تحرم ام من طفلها”.

وبعد خمسة وأربعين يوم أعادوا إليها طفلها، وبقيت في المعتقل تفكر بمصيرها ومصير طفليها محمد وشهد، اللذين لم يتجاوز عمرهما خمسة سنوات، كيف باتا من غير أب ولا أم.

أمهات في المعتقل

لم تكن عبير المعتقلة الوحيدة، وربما لم تكن معاناتها أشد من معاناة زميلاتها في السجن. تذكر عبير اسم “فاطمة م”، امرأة من الرقة في مقتبل العمر، ذنبها أنها كانت تعيل أطفالها من خلال عملها في تحضير الطعام للجيش الحر، لأن زوجها أصيب بشلل إثر قصف جوي استهدف منزلها قبل عامين.

تروي عبير قصة فاطمة التي قاسمتها لحظات الألم في المعتقل، ” كانت هادئة والحزن يطفو على وجنتيها اعتقلت بتهمة أنها تخالف الشرع وتختلط بالرجال ويجب تأديبها على القيم”.

فاطمة كانت تقول: لباسي كان محتشماً وما كان يدور أي نقاش بيني وبين عناصر الجيش الحر إلا فيما يخص الطعام. كانت دموع فاطمة وبكاؤها الذي يختنق في حنجرتها يختصر بشاعة وظلم العالم، فهي أمٌ تركت أطفالها عند زوجها الذي بحاجة لمن يرعاه.

أحد مراكز الحسبة في مدينة الميادين بريف دير الزور (الإنترنت)

“بدور” التي ماتت كمداً

ركنت عبير وفاطمة أحزانهن جانباً عندما بدأت زميلتهن في السجن “بدور . ج” بالصراخ التي “اجاها الطلق”، أي على وشك أن تلد، إلى أن تم نقلها إلى المشفى الخاص بالتنظيم، كانت تهمة بدور أن زوجها من عناصر الجيش الحر، اعتقلت كوسيلة للضغط عليه.

بعد أن وضعت بدور مولودها عادت إلى المعتقل من دونه، وهي تبكي وتردد بأن طفلها لم يمت وأنها سمعت صوت بكائه، لم تصدق ما قيل لها بأن طفلها ولد ميتاً.

ساءت حالة بدور الجسدية والعقلية، وراحت تنطفئ رويداً رويداً، كانت تبكي كل ليلة وتطلب ان يحضروا لها طفلها، واستمرت على هذا الحال لمدة شهر إلى أن فارقت الحياة، وكانت آخر كلماتها “إن الحب بشكل ما يجعلنا أمهات”، بحسب ما نقلته عنها عبير التي شاهدت وعاشت تلك اللحظات.

تضيف عبير: مع رحيل بدور كمدا وقهراً شعرنا بالانتهاء، كنا نعيش في جحيم، أي معتقلة تعترض على أي شيء كانت تعاقب بالجلد، كنا نوصف بـ “الكافرات ويجب تطهير أجسادنا بما فيها من الكفر”.

 

فرصة للنجاة

بعد مرور أربعة شهور من الاعتقال وفقدان الأمل بالخلاص، منحت الأقدار لعبير ورفيقاتها فرصة للفرار من السجن، فقد أصابت صواريخ أطلقتها طائرات التحالف الدولي، الذي تقوده واشنطن في حربها ضد التنظيم، جزء من مبنى السجن.

تقول عبير: “استطعنا الهروب أثناء انشغال عناصر التنظيم، في تلك اللحظات، كنا خمسة أشخاص امرأتين وثلاثة رجال، وبعد وصولنا إلى حي مجاور كانت معظم أبنيته مهدمة، عاهدنا الرجال بأن يكونوا أخوة لنا وأن لا يتخلوا عنا حتى نصل إلى مكان آمن.

تضيف عبير: “اختبأنا في أحد بيوت أهل الرقة بانتظار فرصة للهروب، وتركت طفلي عندهم وذهبت لكي أسأل عن ما حل بطفليي (محمد وشهد)، لكني لم أجد أحداً في المنزل كانوا قد رحلوا، وأخبرني أحد الجيران أن أخا زوجي جاء من لبنان وأخذهم معه بعدما ترك قصاصة ورقية مكتوب عليها “نحنا بتركيا وهاد الرقم ٠٠٩٠٥…”.

 

مرارة اللجوء

لم تتأخر عبير باتخاذ قرارها بخوض تجربة التهريب إلى تركيا، وتروي كيف هربت من المناطق التي يسيطر عليها التنظيم: “صعدنا إلى سيارة تنقل الأغنام إلى جرابلس وارتدينا ملابس سوداء بالكامل وغطينا وجوهنا، نساء ورجال، وتخطينا الحاجز تلو الٱخر إلى أن استطعنا النجاة والخروج من الرقة”.

كانت رحلة شاقة قضتها عبير وطفلها الرضيع للوصول إلى تركيا: “بعد ثلاثة أيام من دون أكل ونوم، كنت أنا والرضيع ننتظر تحت الشجر أي أمل بسيط يساعدنا بالخلاص من الجحيم”. وبعد دخول الأراضي التركية تفرق الرفاق، كل من يبحث عن عائلته.

علمت عبير أن زوجها خالد قد مات تحت أنقاض المعتقل، وأن حماتها انقطعت أخبارها، توالت الصدمات والأخبار السيئة التي كانت تفوق قدرتها على الاحتمال.

لم تنته مأساة عبير، كانت مصاعب الحياة في انتظارها بتركيا، فالبيت الذي تقيم فيه مع أخ زوجها (مصطفى) وعائلته، غير صالح للسكن كان “على العظم” من دون أبواب أو نوافذ، ولا معيل يطعم الأطفال الصغار اليتامى، فالعم عاجز ومريض ولديه أطفال أيضاً.

أطفال عبير وأبناء عمهم يلهون معاً بألعاب بسيطة في منزلهم الجديد (خاص – SNP)

“خلقنا لنكسر حواجز اليأس”

بعد رحلة مضنية في البحث عن عمل، وجدت عبير فرصة في صالون للتجميل (كوافيرة) بأجر زهيد، وتقول عبير “الرمد أحسن من العمى”، إلى أن التقت بإحدى صديقات صاحبة الصالون، في صيف 2016، كانت ناشطة اجتماعية وصحفية سورية ساعدتها في الحصول على كفالة أطفالها الأيتام من إحدى الجمعيات الخيرية.

ومنذ ذلك الحين بدأت أحوال عبير تتحسن واستطاعت استئجار منزل مستقل يأويها وأطفالها، رافضة الاستسلام.

استطاعت عبير تعلم اللغة التركية، الأمر الذي منحها المزيد من فرص العمل، وتختتم قصتها بالقول:

“كسرت غصني وقررت الطيران.. خلقنا لنكسر حواجز اليأس ونبدأ من جديد حيث ترمينا الأقدار”.

“من جعلني أحارب الحياة بكل قوتي واصنع التغيير هم أطفالي لن أجعلهم يعيشوا اليتم مرتين، فالحرمان والفقر يتمٌ من نوع آخر.. لا يعرفه إلا من تجرع مرارته”.

 

أعدت هذه القصة بإشراف الشبكة السورية للإعلام المطبوع (SNP)، وهي المادة الثامنة من نحو عشر قصص، تنشر تباعا. القصص كتبتهن شابات سوريات، لسن صحفيات، خضن تدريبا أوليا على الكتابة الصحفية، وذلك ضمن خطة الشبكة في تطوير الكوادر الإعلامية والاهتمام بالفئات الشابة.

للمزيد اقرأ أيضاً..

التقاليد استعبدتني

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى