التقاليد استعبدتني

التمييز ضد المرأة

جمان تقضي عطلتها الصيفية بإحدى مصايف بيروت، تموز/يوليو 2018

كتبتها: سهام عماد أفندي – SNP

 

“نظرتي دائما سوداوية وحاقدة وكارهة لكل ذكر تراه عيني، أصبح لدي عقدة من كل شاب أو رجل أراه في العمل أو الشارع، هذه “الفوبيا” سببت لي مشكلة في التأقلم مع حياتي الجديدة.. ولا بد أن تكوني قوية ولديك ثقة عالية بنفسك لكي تغيري حياتك من جحيم إلى نعيم”. 

هذا ما قالته “جمان” وهي تنظر اليوم إلى المستقبل بعيون فتاة طموحة وقوية تريد العيش من دون قيود وبعيداً عن مجتمع يأسرها بعادات وتقاليد أكل الدهر عليها وشرب.

لم تكن جمان محمود (27 عاما)، اسم مستعار لشابة سورية، مقيمة في إحدى الدول الخليجية، قبل خمس سنوات تقريبا تشبه جمان اليوم، كانت فتاة أخرى معنّفة تهان وتذل من قبل والدها وأخيها في كل يوم، أما الآن هي ناشطة في جمعية تدافع عن حقوق المرأة ومناهضة العنف ضد المرأة.

تروي جمان قصتها في تلك الفترة، التي تصفها بـ “السوداء”، بكلمات تظهر ارتباكاً شديداً، ربما لا تريد فتح جروح الماضي، بسبب الظلم الذي لحق بها من السلطة الذكورية في المنزل، والتي تحرم الفتاة من أبسط حقوقها، وبالكاد أنهت دراستها الإعدادية في ذلك الجو الذي يعترض على تعليم البنت ويراها عورة.

مغلوب على أمري

تقول جمان: أنا من أسرة مكونة من ثلاث شباب وأنا الفتاة الوحيدة، والدتي مغلوب على أمرها امرأة بسيطة تريد أن تعيش وتربي أولادها فقط بقليل من الكرامة في غربتها التي لا تعرف منها سوى عائلتها.

والدي “نمرود”، إن صح التعبير، قاسٍ جداً في تصرفاته، وبالأحرى معي فقط لأنني فتاة بين ثلاث ذكور يخاف أن أجلب له العار.

لجمان أخ يصغرها بسنة واحدة، اسمه عبد الله، يتقمص دور الوصي على حياتها بتفويض من الأب، “منذ صغرنا كانت معاملة أبي لعبد الله تختلف تماما عن معاملته لي، يحق له فعل ما يشاء أما أنا حتى اللعب في فناء منزلنا محرم عليّ”، تقول جمان: “هو الذكر القوّام علينا أنا وأمي في حال سافر والدي”.

على الرغم من سعادتها بالخلاص من ذلك الجحيم، الذي يسمونه منزل الأسرة، إلا أن جمان تتذكر أخويها الصغيرين، جهاد وجاد، توأم لم يكملا العاشرة بعد من عمرهما، وتأمل أن تربيهما والدتها بطريقة صحيحة تختلف عن تربية عبد الله.

ترتشف الشاي من كوبها وتصمت قليلا لتعود وتتابع الحديث عن معاناتها: أن تتعرضي للضرب بسبب ومن دون سبب، وتهاني فهذا أمرٌ طبيعي، أما أن تتعلمي وتخرجي من المنزل من دون مرافقة، فذلك ضربٌ من ضروب الخيال (..) أما أن يكون لديك القرار باختيار شريك حياتك ذلك أشبه بارتكابك جريمة لا تغتفر وعقابها وخيم.

اضطهاد وتمييز ضد المرأة

تلقي جمان اللوم على التعصب الاجتماعي والديني، الذي يستمد منه الرجال سلطتهم لمسح كيان المرأة، وترى أن هناك فجوة بين الإسلام المتوارث (العادات والتقاليد) والإسلام الصحيح، بحسب تعبيرها، فالإسلام المتوارث حوّل المرأة إلى عبارة عن “روبوت” ينطق بما يرضيهم.

يعتبر مفهوما “حرية المرأة” و”المساواة بين الرجل والمرأة” في سوريا مفهومين ملتبسين، في ظل غياب الأرضية القانونية في سوريا والدول العربية، لأنها نتاج أنظمة سياسية سلطوية استبدادية لا تعتني بمفهوم الحريات وتطبيق القانون، ووسط تفسيرات دينية جائرة تمكّن الرجل من التحكم بحياة المرأة ويجعلها تابع للرجل.

ما تتعرض له جمان يعتبر تمييزاً قائماً على التفريق بين الجنسين، وعنفاً اجتماعياً مرتبطاً بالنوع الجنسي.

تعرّف اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التمييز بأنه يعني ” أي تفريق أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف بالمرأة، على أساس تساوي الرجل، بحقوق الإنسان والحريات في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية”.

موتٌ على قيد الحياة

لم يشفع لجمان ما تعانيه من اضطرابات عصبية من اضطهاد أخيها ووالدها لها، ففي إحدى الليالي وبينما كانت منزوية في غرفتها المظلمة، وهي الطريقة الوحيدة التي تخفف ألم رأسها، اقتحم عبد الله الغرفة: “تحركي اعمليلي شي أكلوا أنا ورفيقي ما عم تسمعي نشاء لله تكوني متي حتى ارتاح منك تحركي شبك”.

تقول جمان: كنت متعبة لدرجة لا أستطيع رفع رأسي من الألم “أنا عندي شقيقة لما بتجيني النوبة ما بحسن ساوي شي”، ورجوته بأن يتركني: “مشان الله طلاع من الغرفة وسكر الباب تعبانة”.

تضيف جمان: لم يكترث لآلامي وبدأ يضربني، من دون رحمة، وهو يردد “تعبانة أنت مجرد خدامة هون”.

ضحكت جمان بصوت عالٍ، وكأنها تذكرت شيء ما وهي تتابع الحديث عما جرى في ذلك اليوم: “الحمد لله صاحبو كان قاعد بالصالون وما تقل العيار متل كل مرة بس كم كف”.

بعد تلك الليلة العصيبة، التي فاقت احتمال جمان وطفح معها الكيل، قررت الهرب من “السجن القذر”، وبالفعل بعد ثلاثة أيام ودّعت والدتها من دون أن تخبرها بما تنوي فعله، كان “العناق الأخير”.

“عندما تأكدت من أن الجميع نيام أخذت جواز سفري وحقيبة صغيرة فيها بعض الأمتعة، خرجت من غرفتي على رؤوس أصابعي (لئوسه)، خوفاً من أن يستيقظ أحدهم، وانطلقت نحو المطار بسيارة أجرة، لم أستطع إخفاء كمية الرعب التي كنت أشعر بها ولم أطمئن ويهدأ البركان في رأسي حتى وصلت وجهتي المرادة.. بيروت”.

جانب من الغرفة التي تقطنها جمان في العاصمة اللبنانية بيروت (خاص – SNP)

بيروت أحيتني

في مطار “رفيق الحريري” كانت، صديقتها سنا، منذ أيام الإعدادية، تنتظرها واستضافتها لمدة أسبوع في منزل عائلتها، التي تركت الخليج قبل عامين.

“كل شي سهل قدام الأيام السودة لي عشتا”، رددت جمان هذه العبارة بشيء من الفخر ونشوة الانتصار، وهي تروي معاناتها في الشهور الأولى بحثاً عن عمل ومسكن مستقل، رافضةً أن تصف المعوقات التي واجهتها في حياتها الجديدة بالمعاناة.

جمان لم تكمل المرحلة الثانوية ولا تتقن أي لغة أجنبية أو أي مهنة، الأمر الذي جعلها تواجه صعوبة في الحصول على عمل، ولكنها لم تيأس وقررت أن تتقن الانجليزية عبر تخصيص وقت كاف لذلك الهدف.

تقول جمان: بعد فترة عملت محاسبة في مطعم شعبي لبيع المناقيش والفطائر كان يغلق أبوابه على الساعة الواحدة ظهرا، ومردوده المادي لا يسمن ولا يغني من جوع، لذلك عملت دوام مسائي في صالون حلاقة نسائية كمستخدمة.

أشعلت سيجارتها وامتزج خضار عينيها بدمعها وهي تتابع رواية مأساتها: “كل هذا من أجل أن أكمل دراستي وأعيش حرة”.

اجتازت جمان امتحانات الشهادة الثانوية بنجاح وبمعدل أتاح لها التسجيل في قسم الترجمة الإنكليزية بالجامعة اللبنانية، أما على الصعيد الاجتماعي لا تملك علاقات كثيرة، لديها صديقتها سنا وعائلتها، وبعض الصديقات التي اجتمعت بهن نتيجة لعملها في منظمة تهتم بشأن النساء والفتيات المعنفات.

تضيف جمان: لذلك تعتبر “نينا” صديقتي المفضلة ونقضي أوقات مسلية أنا وهي.

قطة تربيها جمان في بيروت، وتطلق عليها اسم “نينا” (خاص – SNP)

 

حياة كما حلمت بها

مرت أربعة سنوات منذ أن تركت جمان بيت أهلها، كانت مليئة بالعمل والدراسة، ولا تخفي سعادتها بما أنجزته، “فقد خرجت من تلك القوقعة، وكونت نفسي من جديد على أساس ديني وعلمي سليم”.

وتختم حديثها بالقول: رسالتي لكل فتاة قوية وواثقة من قدراتها لا تقبلي الظلم، ولا تتنازلي عن حقوقك، واصنعي الحياة التي تليق بك.. البدايات صعبة ولكن حلاوة النصر تمحو مرارتها”.

 

 

 

أعدت هذه القصة بإشراف الشبكة السورية للإعلام المطبوع (SNP)، وهي المادة السابعة من نحو عشر قصص، تنشر تباعا. القصص كتبتهن شابات سوريات، لسن صحفيات، خضن تدريبا أوليا على الكتابة الصحفية، وذلك ضمن خطة الشبكة في تطوير الكوادر الإعلامية والاهتمام بالفئات الشابة.

للمزيد اقرأ أيضاً..

“عليا إسماعيل”.. ضحية مزدوجة على يد سفاح ومجتمع

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد