“عليا إسماعيل”.. ضحية مزدوجة على يد سفاح ومجتمع

اغتصاب النساء في سجون الأسد

صورة تعبيرية (الإنترنت)

كتبتها: جودي الكُتاب – SNP

“بقع الدم تملأ أرجاء المكان المظلم، كنت أصرخ “وين اخديني”، وأسمع عويل الشباب وهم يرطمون الجدران برؤوسهم ألماً وصراخاً.. يا الله يا الله”، تقول “عليا”: هذا المشهد لا يفارقني، ودائماً يومض في رأسي ككابوس عشته في زنزانة “أمن الدولة” في حماة، وبالكاد تعافيت مما لحق بي من آثاره الاجتماعية والنفسية على حياتي.

عليا إسماعيل (اسم مستعار)، امرأة سورية من ريف حمص، نشطت، في السنوات الأولى من الثورة، في المجال الإغاثي والطبي وعملت في معالجة الجرحى والاسعافات في المشافي الميدانية.

دفعت عليا أبهظ الأثمان، التي يمكن أن يدفعها الإنسان مقابل موقف اتخذته، تعرضت للاغتصاب المتكرر من قبل ضباط في الأجهزة الأمنية التابعة لنظام بشار الأسد، فضلا عن الاعتقال والتعذيب الوحشي والنبذ الاجتماعي.

العمل في المشافي الميدانية

كانت عليا تشعر بالخوف عندما ترى الشباب يتظاهرون مطالبين بالحرية، لكنها مع ازدياد القمع الدموي وارتكاب قوات النظام مجزرة أطفال الحرية قبل ست سنوات، اتخذت قرارها بالانضمام للثورة سراً من دون عِلم أحد من أهلها بما فيهم زوجها.

عليا تمتلك شجاعة وقررت مواجهة الظلم، وترفض الذل وهذا ما جعلها تعمل في إحدى المشافي الميدانية، وتقول: في إحدى المرات كنا في المشفى نداوي الجرحى، تفاجأت بدخول زوجي الذي تفاجئ بدوره بما أقوم به، فالنظام أورثنا الخوف والرعب طوال 40 عاماً.

انكشف أمر عليا، وباتت مطلوبة للجهات الأمنية بسبب نشاطها الثوري، وذلك بعد اعتراف زوجها، تحت التعذيب، بأنها تعمل في المشافي الميدانية، وصدرت مذكرة باسمها لمراجعة أمن الدولة في حماة.

الأمر جعل عليا تفكر بالهروب لوحدها والتواري عن الأنظار بعدما أودعت اطفالها في بيت أهلها، لكن الأمر لم يدم طويلا فقد داهمت قوات من فرع أمن الدولة منزل أهلها بطريقة وحشية واعتقلت عليا بطريقة مهينة.

وقعت في كمين

لم تكن عليا تتصور أنه سيتم اعتقالها من بين أطفالها وعائلتها، ففي صباح يوم خريفي من عام 2012، ذهبت عليا لتطمئن على أطفالها بالرغم من معرفتها أنهم تحت رعاية أمها الحنونة.

تقول عليا: “كان صباح يوم خميس، وبينما كنت أتناول فطوراً من صنع يد أمي إذ بالهاتف يرن، (الو.. اتفضل مين أنت؟)، إذ بصوت يدوّي صداه في أذنيها (البيت اتطوّق)”.

تتابع عليا رواية ما حدث في ذلك الصباح: فجأة انهار باب المنزل بركلة متوحشة من قبل عناصر الدورية وحدث ما حدث.

لم يسمح المداهمون لعليا بارتداء ملابسها، وجروها جراً في وسط الحي، بطريقة مُذلة، وأودعوها في زنزانة تصفها بأنها “قبر”، ولكنها عاجزة عن وصف التعذيب الذي تعرضت له خلال شهر في أقبية مظلمة، لا تزال تعاني من مضاعفاته صحياً.

“بعد خروجها من المعتقل، كانت عليا تظنّ أنها ستقابل أمها وتحضنها كونها هي الملاذ الوحيد في دنياها البائسة، معتقدةً أن أهلها ينتظرونها بفارغ الصبر بعد سجنها الأسود، ولكن ما حدث لم تتوقعه”.

اغتصاب الروح والجسد

تروي تفاصيل اعتقالها وتقول: في البداية حولوني إلى منفردة، وبعد تحقيق استمر ثلاثة أيام، ومن ثم وضعوني في غرفة صغيرة مع أربعة شابات، وبعد معرفتي لقصص تلك الشابات، تذكرت مقولة “من سمع مصيبة غيره هانت عليه مصيبته”.

تضيف عليا: “أول ما دخلت على قبري تذكرت أولادي الأربعة وهون اتقطع قلبي، كان في جثة على الأرض وعم يطلع منها الدود، وفوق هيك كانوا يجيبولنا قطط لتتغذى على الجثة ونتعذب نحن”.

يبدو كل ما قالته عليا كان تمهيداً لما هو أفظع، ففي إحدى المرات تقدم أحد الجلادين وصرخ بوجهها قائلا:

– “أنتي وياها امشوا معي اليوم دوركن”.

أحدثت تلك الكلمات ضجيجاً في آذان عليا ولكن وبالرغم من خوفها إلا أنها سألته بقوة:

-“لوين ودور شو”.

نهرها الجلاد قائلاً: “اخرسي انت.. وأمشي معي لفوق جاء دورك”.

تروي عليا ما حدث بارتباك شديد وكأنها تستعيد الألم من جديد: صعدت إلى الأعلى عند ضابط التحقيق، كان يرفع قدميه فوق الطاولة ويحركهن بطريقة استفزازية.

لم تلتقط عليا كلماتها وهي تتابع: هذا الضابط الحقير، لن انساه ما حييت، “كان يسأل أسئلة إذا جاوبت خلص تمام، وإذا ما جاوبت بيضرب وبس قال اشلحي خلص ما فينك تقول لأ، أكتر شي انذليت أنا والفهم كافي”.

ظلم ذوي القربى

بقيت عليا على هذا الحال إلى أن تم الافراج عنها بعد مضي شهر على الاعتقال. وتذكر أن أحد السجانين جاء إليها بمعطف أسود اللون ورماه أرضا قائلاً ” البسي وليك ” وذهب، كان يوم الثلاثاء، بحسب ما روته عليا.

بعد خروجها من المعتقل، كانت عليا تظنّ بأنها ستقابل أمها وتحضنها كونها هي الملاذ الوحيد في دنياها البائسة، معتقدةً أن أهلها ينتظرونها بفارغ الصبر بعد سجنها الأسود، ولكن ما حدث لم تتوقعه.

“روحي من هون عليا ماتت عندنا” قالتها أم عليا بدون أيّ تردد، وتقول عليا بحرقة والدموع تنهمر على خديها: بقيت يومها واقفة أمام باب منزل أهلي، وكررت طرق الباب مراراً، ولكن القدر اختار لي أن أكون طريدة وشريدة.

تتابع عليا حديثها: اصطحبت أولادي والحزن يدمي قلبي، مشيت في الطرقات لا أدري إلى أي وجهة سأقصد (..) وشددت على أيدي أطفالي خوفاً من أن يتخلوا عني هم أيضاً.

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقريرها الموسمي، أن ما لا يقل عن 8623 امرأة ما يزلن على قيد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري في سوريا، غالبيتهن (90 بالمئة منهن) على يد نظام الأسد.

 

كما وثقت الشبكة تعرض 864 امرأة و432 فتاة دون الثامنة عشر، إلى 7 آلاف و699 حالة اغتصاب، وتبقى هذه الأرقام أقل من الأرقام الحقيقية، لسببين أولهما ان عدم توثيق حالات الاعتقال لأن أغلب حالات الاعتقال تتم بشكل تعسفي، وثانياً والأهم، أن المجتمع بفرض قيوداً ويجبر الضحية على الصمت خوفاً من العار.

ضوء في آخر النفق

المعاناة التي مرت بها عليا كانت أكبر من قدرتها على الاحتمال، وكانت تتمنى دائماً لو أنها لم تكن هي بالذات من اختارها القدر في هذه الظروف لتكون ضحية مزدوجة على يد سفاح مجرم ومجتمع معاق فكرياً، على حد قولها.

وعلى الرغم من كل المآسي عادت عليا إلى العمل الإنساني والطبي في المشافي الميدانية مجدداً ورمت خلفها أوجاعها، إلى أن التقت بزوجها الجديد حسّان، الذي أحبها وجعلها أولى اهتماماته.

سافرت عليا وحسان، مصطحبة أطفالها إلى تركيا، تعيش في إحدى المدن الحدودية القريبة من سوريا، حياة طبيعية محاولة نسيان الماضي الأليم، فقد ابتسم لها القدر من جديد، بقبول ابنتها في أشهر جامعات تركيا وكأن كل ما عانته عليا كان من أجل هذه البداية.

 

أعدت هذه القصة بإشراف الشبكة السورية للإعلام المطبوع (SNP)، وهي المادة السادسة من نحو عشر قصص، تنشر تباعا. القصص كتبتهن شابات سوريات، لسن صحفيات، خضن تدريبا أوليا على الكتابة الصحفية، وذلك ضمن خطة الشبكة في تطوير الكوادر الإعلامية والاهتمام بالفئات الشابة.

للمزيد اقرأ أيضاً..

“شغف خليل”.. فتاة أنضجتها الحرب

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد