من يقود حافلات التهجير؟

منشور  سوريتنا

حافلات تنتظر في منطقة الراشدين بحلب وتقل مدنيين من بلدتي كفريا والفوعة الذين خرجوا ضمن اتفاق المدن الأربعة، 18 نيسان/أبريل 2017 (عمر حاج قدور)

“انطلاق حافلات التهجير من ريف القنيطرة إلى الشمال”، “100 حافلة تقل مقاتلي درعا باتجاه إدلب”، “حافلات التهجير تخلي جنوب دمشق”..

ظهر مصطلح “حافلات التهجير” منذ العام 2014 مع تهجير أهالي أحياء حمص القديمة، وازداد استخدامه بشكل مضطرد خلال السنوات الثلاثة الأخيرة حتى باتت سمة عناوين الأخبار السوري، فمن يقود هذه الحافلات؟ وهل هم مجرد سائقين عاديين ينفذون الأوامر أم شبيحة وعملاء مرتبطين بالنظام؟

يتبع سائقي الحافلات التي تنقل المهجرين في الغالب لشركات نقل خاصة، وغالباً ما يتم اختيارهم من أبناء المنطقة المهجّرة والنازحين عنها، كما حصل في الغوطة الشرقية عندما كان معظم سائقي الحافلات التي نقلت المهجرين من أهل المنطقة الذين نزحوا إلى دمشق قبل الحصار، وعملوا كسائقين لدى شركات خاصة لكسب لقمة العيش.

وعقب كل اتفاق تهجير يطلب النظام من شركات البولمان (النقل بين المحافظات) ارسال حافلات من العاملة لديها، لنقل المهجرين مقابل مبلغ يتراوح بين 40 إلى 50 ألف ليرة سورية للرحلة الواحدة، بحيث تتقاضى الشركة أجورها بعد انتهاء السائق من نقل المهجرين.

نقل بالإجبار

في بعض اتفاقيات التهجير، التي يكون فيها هناك أعداداً كبيرةً من المهجرين، تلجأ دوريات المرور التابعة للنظام إلى إيقاف حافلات البولمان على أوتوستراد حمص دمشق، ولاسيما عند حاجز القطيفة، حيث تسحب الدورية أوراق الحافلة من السائق وتمنحه وصلاً للمراجعة الفورية بعد توصيل المسافرين الذين معه، ليتم إجباره لاحقاً على نقل المهجرين.

وأوضح مراسل سوريتنا في دمشق، أن النظام يلجأ الى اصطياد الحافلات الخاصة على الطرقات بعد عزوف بعضها عن تلبية طلبات النظام في نقل المهجرين، نتيجة تعرض الكثير منها لضرر، حيث يعمد بعض الموالين لقذف الحجارة على زجاج الحافلات كنوع من الانتقام من المهجرين، أو قد تصاب الحافلة بأعطال فنية، كونها قد تنقل رحلتين أو أكثر يومياً، ورغم ذلك لا يقوم النظام بتعويض الشركات عن الأضرار التي تلحق بحافلاتها، ويكتفي بدفع الأجرة المتفق عليها مسبقاً (40 – 50 ألف ليرة سورية).

“النظام يلجأ الى اصطياد الحافلات الخاصة على الطرقات بعد عزوف بعضها عن تلبية طلبات النظام في نقل المهجرين، نتيجة تعرض الكثير منها لضرر”

وبث ناشطون الأسبوع الماضي مقطع فيديو، يُظهر رجوع حافلة إلى الخلف ويبدو أنها لم تتوقف إلا بعد وقوع الكارثة، والتي أسفرت عن مقتل نساء وأطفال، في الوقت الذي أطلق فيه مقاتلو المعارضة الرصاص على الحافلة وسائقها.

وما أن انتشر الفيديو حتى بدأت الاتهامات والشتائم تطال السائق، حيث اتهم أنه قام بعملية الدهس عمداً، بينما اعتبر البعض ما حصل خطأ غير مقصود.

لم تمر ساعات على الحادثة، حتى خرج سائق الحافلة بمقطع فيديو شرح فيه ما حصل معه، وبرر السائق عودة الباص خلفاً إلى فراغ خزانات الهواء المسؤولة عن توليد الضغط الذي تحتاجه الكوابح، موضحاً أنه تعرض لإطلاق رصاص كثيف من عناصر الفصائل، ما أدى الى إصابة وجهه بجروح نتيجة تهشم الزجاج، وأكد السائق أنه لم يتعمد الأذية لأحد، وما حصل “قضاء وقدر” خارج عن إرادته.

من جانب آخر، أوضح الناشط الإعلامي طارق خوام أن “سحب الحافلات لنقل المهجرين خلق أزمةً كبيرة في نقل المسافرين العاديين، ما دفع بشركات البولمان الى رفع أجور تعرفة الركوب نظراً لقلة الحافلات لديها”.

وفي نيسان الماضي، أدى إيقاف تشغيل باصات النقل الداخلي في العاصمة دمشق إلى أزمة مرورية، نتيجة استخدامها لصالح نقل مخطوفي عدرا العمالية، الذين كانوا داخل الغوطة الشرقية، وقبلها شهدت الحركة بين المحافظات أزمةً خانقةً نتيجة تسخير حافلات النقل (البولمانات) في نقل مقاتلي المعارضة وسكان الغوطة الشرقية إلى ادلب.

الباصات الخضراء: من نقل المواطنين إلى التهجير

عند أول اتفاقية تهجير والتي كانت في عام 2014 لنقل مهجري حمص القديمة الى ريف حمص الشمالي، عمد النظام الى سحب الحافلات الخضراء (الحكومية) التي كانت مخصصةً للنقل العام ضمن المدن، وقام بتخصيصها لنقل المهجرين، ومنذ ذلك الحين باتت تلك الحافلات بمثابة رمز للتهجير.

أثناء تهجير أهالي القنيطرة إلى الشمال السوري

وقبل ذلك عمد النظام منذ بداية الثورة الى استخدام الحافلات الخضراء لنقل الشبيحة الى مواقع المظاهرات، بغية قمع المتظاهرين ونقلهم عبر تلك الحافلات الى الأفرع الأمنية، وفي هذه الحافلات سُربت لقطات لمشاهد تعذيب مارسها أمن النظام بحق المتظاهرين.

وخلال سنوات الثورة الأولى كان سائقي تلك الحافلات في الغالب عناصر يتبعون الأفرع الأمنية، لكن مع تنفيذ اتفاقيات التهجير عمد النظام إلى استخدام سائقين يعملون لدى دوائر الدولة، خشية تعرض عناصره الذين يدخلون إلى مناطق المعارضة للاحتجاز والتنكيل من قبل الفصائل.

إلا أن استخدام الباصات الخضراء تراجع بشكل كبير يعد عمليات التهجير الأولى، وبات النظام يعتمد على الحافلات الخاصة (البولمان) لعدة أسباب، أبرزها أن الحافلات الخضراء لا تتسع لعدد كبير من الركاب، كما أنها غير مجهزة للسفر لمسافات طويلة، اضافةً الى خشية تعرضها للضرر، خاصةً بعد قيام جند الأقصى بإحراق 20 حافلةٍ خضراء نهاية 2016، قبل دخولها لنقل سكان ومقاتلين من كفريا والفوعة.

وقال مراسل سوريتنا أن خلال تهجير سكان الغوطة، كان من بين 100 حافلة خاصة خمسة باصات خضراء فقط.

وتعرف الحافلات الخضراء أنها صينية المنشأ، رديئة الصنع وتتعرض لأعطال كثيرة على الطرقات، واستقدمها رئيس وزراء النظام الأسبق ناجي عطري، عبر اتفاقية تجارية مع الصين في العام 2009، لاستخدامها في النقل العام.

“خلال تهجير سكان الغوطة، كان من بين 100 حافلة خاصة خمسة باصات خضراء فقط”

متعاطفون مع المهجرين

وفي المقابل روى بعض المهجرين تفاصيل رحلة التهجير وكيف كان تعامل السائقين معهم طوال الرحلة التي كانت تستمر في بعض الأحيان لأكثر من عشرين ساعة.

وقال أبو حازم درويش من مهجري دوما: “استمرت رحلة التهجير 15 ساعة، وكان السائق في منتهى الود، حيث وافق في البداية على الدخول الى حارات ضيقة كي نتمكن من وضع أمتعتنا في الحافلة، وعدم السير لمسافة طويلة، وخلال الطريق كانت معاملة السائق جيدة لنا ومتفهماً لظروفنا وحالتنا النفسية”.

كذلك قال أبو فراس أيوب من مهجري الرستن: «كان السائق يُنفذ طلباتنا دون تذمر، كتشغيل المكيف أو السماح بفتح الستائر أو اغلاقها أو التوقف للاستراحة وقضاء حاجة أو التدخين»، وأضاف أبو فراس أن السائق الذي أوصلهم أخبرهم أنه معارض ولديه ابن معتقل توفي تحت التعذيب، لكنه اضطر للإقامة في دمشق والعمل كسائق في شركة خاصة لتأمين لقمة عيشه.

وأوضح الإعلامي طارق خوام أن “حواجز النظام تتعامل مع السائقين بحقارة واستعلاء ويوجهون الشتائم لهم، ويتعمدون ايقافهم على الحواجز لفترات طويلة، خاصةً عند حاجز قلعة المضيق، والذي يعتبر نقطة فاصلة بين مناطق النظام والمعارضة”، مضيفاً أن “السائقين في الغالب معارضين ضمنياً للنظام ومعاملتهم تكون جيدة مع المهجرين”.

 

مجد الشامي / سوريتنا

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد