عش الخفاش الثمين مقصد باحثي الكنوز في إدلب

منشور  زيتون

لعله من الطريف والغريب أن تذكر الكنوز مع مخلوق بشع المظهر أو مكروه، والأكثر غرابة عندما تبحث الناس عنه بشغف، وكأنهم يبحثون عن حلم، فهل يمكن أن يصبح الخفاش الأسود البشع طير الحظ الجميل و ترمقه العيون أكثر من نمام الحي؟!.. ربما!

انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة ملفتة للانتباه في ربوع إدلب، وهي البحث عن عش الخفاش، وملأت العروض غرف التواصل الاجتماعي والأسواق الإلكترونية في مدن وبلدات إدلب، تعرض أسعارا خيالية لثمن هذا العش، وصلت حتى 100 ألف دولار أمريكي، يرافقه إقبال واستعداد فوري للشراء في حال توفر العش، الأمر الذي جعل الكثير من الأهالي وفي مناطق مختلفة في المحافظة إدلب يتفاعلون مع هذه العروض ويبدأون بالبحث عن الكنز المزعوم.

وبين مصدق وغير مصدق لم يتوقف هواة الكنوز والثروة من دون بحث، وانطلق البعض في بحثهم مقتنعين بالفكرة ومصدقين للإغراءات والعروض التي تلقوها، فيما انطلق القسم الآخر دون قناعة تامة، ولكن إرضاءً لفضولهم بمعرفة الأسباب وراء هذه الأسعار، وأملاً في كنز لم يكن بالحسبان، وتبريراً لأنفسهم بعدم الكسل أمام احتمالٍ مهما ضؤل بالثراء والغنى.

“باسل الحسين” أحد الباحثين عن عش الخفاش (الكنز المحتمل) قال لصحيفة “زيتون”: “كان الخبر بداية الأمر مفاجئاً، لكنه انتشر بقوة، شاهدته على عدة غرف واتس أب وفيس بوك، وكلها في بلادنا، وكثر الحديث في الشارع حول الأمر، وعرض عليّ أحد الأشخاص 50 ألف دولار أمريكي في حال وجدت العش، لأعلم بعدها من خلال مشاهدتي للعروض أنه سيربح ضعفي المبلغ الذي عرضه عليّ، فانطلقت للبحث عنه، حالي حال العديد من أصدقائي ومعارفي”.

“وصل سعر عش الخفاش إلى 100 ألف دولار أمريكي، حسب العروض التي المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الفيس بوك، الأمر الذي جعل الكثير من الأهالي وفي مناطق مختلفة في المحافظة إدلب يتفاعلون مع هذه العروض ويبدأون بالبحث عن الكنز المزعوم”

أماكن وجود العش ونوعه

توجه الباحثون عن عش الخفاش بعد وقت قصير من انتشار العروض، ودون ثقافة مسبقة بحياة هذا الطير، إلا أن أهميته الجديدة بالنسبة لهم، جعلتهم يجمعون معلومات عن أماكن عيشه، والأماكن التي يفترض إيجاد عشه فيها.

“هشام الأحمد” أحد الباحثين عن العش أوضح لزيتون أن الخفاش ينتشر في معظم مناطق إدلب، إلا أن عشّه يوجد حصراً في الأماكن الرطبة والمعتمة، مثل المغاور المهجورة والآبار القديمة الغير مستخدمة، فالخفاش يفضل هذه الأماكن للتكاثر والنوم نهاراً”.

وأضاف هشام: “حالياً أنا أبحث عن عشه في هذه الأماكن، ولكنني لم أُوفّق بعد، رغم عثوري على خفاشٍ نائم في إحدى المغاور”.

أما بالنسبة لنوع العش المطلوب فهناك نوع محدد من أعشاش الخفاش هو المطلوب، وله صفات معينة، وذلك بحسب ما تناقل الباحثون عنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الأحاديث الشعبية الدارجة في الشارع، والتي بيّنت أن العش المطلوب بيضوي الشكل يشبه مصباح المنزل الأصفر، مصنوع من الطين، يكون مغلقاً ومعلقاً، وكل ما عدا تلك الصفات لا يساوي شيئاً بالنسبة للباحثين عنه وللمشترين أيضاً.

ويحتوي العش كما أظهرت مواقع التواصل الاجتماعي والمقاطع التعريفية به على مادة مخزنة في داخله، ما سرها ولماذا يضعها الخفاش هنا، هذا ما لم يُفهم أو يُفسر بعد حتى على صعيد العلماء، والراجح أن هذا العش لا يُستخدم لتقديمه كوصفة للإنجاب أو معالجة العقم إطلاقاً، وهذا تفسير ندرته وغلائه، فهو عش مغلق محكم يختزن مادة غريبة لغاية ما.

ويرجح هذا القول الطبيب البيطري “وضاح اليوسف”، في قوله: “الخفاش من فصيلة الثديّيات، ولايحتاج لعش خاص لينجب، مثله مثل كل الثديات ينتقي مكاناً مناسباً لفراخه، ويؤمن لها الظروف التي تحميها وتريحها ثم ينجب فيه”.

“العش المطلوب بيضوي الشكل يشبه مصباح المنزل الأصفر، مصنوع من الطين، يكون مغلقاً ومعلقاً”

أسرار وأبحاث علمية

ويكمن السر في غلاء العش بالمادة الموجودة في داخله، وهي مادة هلامية حمراء قاتمة، وتتعدد التحليلات لأهمية هذه المادة، البعض اعتبر أنها تستخدم للسحر والشعوذة لسوء شكل الخفاش وطبيعة حياته، فيما اعتبر البعض الآخر أنها تستخدم لأغراض طبية هامة.

وكان باحثون استراليون قد أجروا مؤخراً دراسة حول الأنزيمات التي يفرزها الخفاش وقارنوها مع أحد العقاقير الطبية التي تعطى لعلاج مرضى الجلطات وهو عقار “تي بي أي”، وتوصلوا إلى أن الأنزيم الذي يفرزه الخفاش والمسمى أنزيم “ديزموتبلاس”، أكثر فاعلية بمئات المرات من العقاقير، بالإضافة إلى أنه أكثر أماناً إذ أنه لا يقتل خلايا المخ كما هو الحال في العقار التجاري.

وأوضح “روبرت ميد كاف” من جامعة “موناش” في ولاية “فيكتوريا” بأستراليا أن أنزيم “ديزموتبلاس” يدمر “الليفين” وهو المكون البنائي لجلطات الدم، وأن الخفاش مصاص الدماء عندما يعض ضحيته يفرز هذه المادة القوية المضادة للتجلط، حتى تستمر دماء الضحية في التدفق مما يتيح له التغذية.

ووفقاً لمصادر طبية فإن العشرات من العقاقير الطبية التي تعتمد على المضادات الطبيعية للتخثر، والتي تفرزها الحيوانات مصاصة الدماء مع لعابها كالخفاش والقراد وغيرها قيد التطوير حالياً، وأن شركة “بايون” الألمانية التي تعمل في مجال صناعة الأدوية الحيوية تعمل حالياً على تطوير أنزيم “ديزموتبلاس”، وتقترب من المراحل النهائية للتجارب على ضحايا الجلطات.

“يكمن السر في غلاء العش بالمادة الموجودة في داخله، وهي مادة هلامية حمراء قاتمة، وتتعدد التحليلات لأهمية هذه المادة، البعض اعتبر أنها تستخدم للسحر والشعوذة لسوء شكل الخفاش وطبيعة حياته، فيما اعتبر البعض الآخر أنها تستخدم لأغراض طبية هامة”

تجارة الوهم

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الأبحاث العلمية عن المادة التي يفرزها الخفاش مع لعابه أثناء سحبه لدماء فريسته، دون التطرق إلى عش الخفاش، تظهر الأهمية على مواقع التواصل الاجتماعي وأسواق البيع للعش أكثر من الخفاش ذاته، كما تظهر بالمقابل حالات تحذير من موضوع عش الخفاش، على اعتباره خدعة وعملية نصب واحتيال لا أكثر.

ولا يتوقف الأمر على محافظة إدلب، إذ تغص مواقع التواصل الاجتماعي في عدة دول كالمغرب والأردن وإقليم كردستان العراق وإيران وغيرها، منذ بضعة أشهر بالمنشورات والأسواق الإلكترونية التي أُنشأت لهذا الغرض، وصل ثمن العش فيها إلى مئات الملايين، وربما كان هو السبب في العدوى التي وصلت إلى المحافظة، وربما تكون قد وصلت إلى محافظات أخرى.

وبالتأكيد فإن الأبحاث الأسترالية ليست السبب وراء موجة بيع وشراء عش الخفاش، والتي لم تدل كل المواقع التي انتشرت فيها على أن هناك عمليات بيع وشراء حقيقية قد تمت بالفعل، ليبقى سر غلاء هذا العش أمراً غريباً ومثيراً، وأحجيةً للمتابعين، ولغزاً للباحثين عنه، وباب حظ للطامحين، هذا إن كانت فرصة حقيقية.

 

 

أسامة الشامي / زيتون

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد