النفط والغاز السوري بقبضة روسيا والاستثمارات الصناعية والزراعية لإيران

منشور  سوريتنا

الحرب الاقتصادية

أحد حقول النفط في منطقة العمر التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" في محافظة الحسكة (حسين ملا - AP)

بعدما شارفت الحرب العسكرية في سوريا أن تضع أوزارها، انطلقت الحرب الاقتصادية بين الأطراف الفاعلة، وعلى رأسها روسيا وإيران اللتان تسعيان إلى تحصيل فاتورة دعمهما للنظام على مدار سنوات، ليكون النفط والغاز محور الاهتمام الأول، وباتت الآبار تحت القبضة الروسية عبر عقود طويلة الأمد، بينما يتم استرضاء إيران بعقود أخرى أقل شأناً.

شرعت شركات روسية ببدء أعمال التنقيب الجيولوجي في سوريا، جنباً إلى جنب مع بدء صيانة وتحديث المحطات الكهروحرارية، فيما تدرس بالتعاون مع أجهزة النظام، إمكانية إعادة تأهيل حقول نفط وغاز، وصيانة مصافي النفط، إيذاناً بانطلاق أعمال التنقيب والاستكشاف عن موارد الطاقة في البر والبحر بسوريا.

ووقعت موسكو، عبر شركات الطاقة الروسية، في الشهور الماضية مجموعة من العقود طويلة الأمد مع حكومة النظام في مجال الطاقة، تتيح لها التنقيب عن الغاز والنفط في شواطئ طرطوس وبانياس، بالإضافة إلى حقل قارة بريف حمص، فضلاً عن حق استخراج الفوسفات من مناجم الشرقية في تدمر.

كما سبق لشركة «ستروي ترانس غاز» أن بنت محطة لمعالجة الغاز الطبيعي في سوريا، مع بدء تشييد محطة ثانية بقدرة 1.3 مليار متر مكعب سنوياً.

من جانب آخر، ذكرت صحيفة تشرين الناطقة باسم النظام، أن موسكو قدمت دراسة لتوسيع مرفأ طرطوس، وذلك ضمن ورقة العمل الخاصة بالتعاون المشترك مع الجانب الروسي.

وقال عضو المركز العربي للدراسات الإنمائية الباحث الاقتصادي محمد خير لــ سوريتنا: إن «هذه الاتفاقات تأتي ضمن خطة روسية للسيطرة على الاقتصاد السوري، وتأمين قواعد اقتصادية وعسكرية ثابتة في مياه البحر المتوسط».

ولم تنكر روسيا مصالحها في سوريا، وقال نائب رئيس الوزراء الروسي «دميتري روغوزين» مؤخراً: إنهم «لن يدخلوا الاقتصاد السوري بصفة فاعل خير أو دولة مانحة، ولا ينوون التساهل فيما يخص مصالحهم وأرباحهم حتى وإن كان الأمر متعلقاً بسوريا».

وقال الباحث في «مركز عمران للدراسات» معن طلاع: إن «روسيا انخرطت بكل تفاصيل المشهد السوري، حتى يكون لتدخلها نتائج مستدامة، عبر أربعة أضلاع رئيسية (سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية)، ما يُعزز من قدرتها على التحكم بكافة المسارات واتجاهاتها».

“العقود التي تبرمها موسكو مع الأسد تأتي ضمن خطة روسية للسيطرة على الاقتصاد السوري، وتأمين قواعد اقتصادية وعسكرية ثابتة في مياه البحر المتوسط”

وأضاف طلاع أن «تحكم روسيا بالأمور في سوريا مكّنها من صد مساعي أوروبا في تخفيف اعتمادها على الغاز الروسي، حيث تحرص موسكو على ألّا يتنافس أي مشروع لتصدير الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا مع خطط التصدير الخاصة بها عبر الخط الحالي (بلو ستريم)، الذي ينقل الغاز إلى تركيا مروراً بالبحر الأسود، وخط أنابيب (ساوث ستريم) لنقل الغاز إلى أوروبا».

ولفت طلاع إلى أن «هيئة المسح الجيوبوليتيكة الأمريكية، أفادت أن الساحل الشرقي للمتوسط يحتوي على مخزون من الغاز يقدر بـ 700 بليون متر مكعب، وهذا ما يُفسر تهافت الروس على دعم نظام الأسد للحيلولة دون سيطرة أحد غيرها على هذا المخزون، ومنافستها على أسواقها».

تفاهمات بين النظام و”قسد” حول النفط

من جهة أخرى، أبرم النظام اتفاقاً مع «قوات سوريا الديمقراطية»، لمقايضة النفط المستخرج من حقل العمر النفطي الأكبر في سوريا، مقابل المازوت المكرر، إضافةً إلى حصول «قسد» على الكهرباء والخدمات في مناطق سيطرتها، إلى جانب حاجتها النفطية.

وينص اتفاق المقايضة على أن تحصل «قسد» من النظام على 75 برميل من المازوت مقابل 100 برميل من النفط الخام، وذلك عبر عضو مجلس الشعب حسام القاطرجي، مالك «مجموعة القاطرجي» لنقل النفط، والذي استطاع أن يبني علاقات مع متنفذين من «تنظيم الدولة»، و«قوات سوريا الديمقراطية» ونظام الأسد، ما سمح له بإبرام عقود لنقل النفط من حقل العمر النفطي في دير الزور الذي كان تحت سيطرة التنظيم، ومن حقول رميلان التي يسيطر عليها مسلحو «قسد» إلى مناطق سيطرة النظام منذ العام 2014.

كما وقع النظام اتفاقاً مع شركة كندية لصيانة أنابيب نقل النفط في مناطق سيطرة «قسد» في شمال شرق سوريا، وبدأت الشركة بإصلاح خطوط الأنابيب الممتدة إلى حقول النفط وأنابيب الخزانات داخل الحقول نفسها.

وسيكون مسار نقل النفط من حقلي العمر والتنك الخاضعين لسيطرة «وحدات حماية الشعب»، إلى حقل التيم الخاضع لسيطرة النظام جنوبي دير الزور، ومنه إلى مصفاة حمص وسط سوريا.

ويعد حقل العمر النفطي في ريف دير الزور الشرقي، أكبر حقول النفط في سوريا، وينتج نحو 15 ألف برميلاً يومياً، رغم تعرضه لأضرار خلال فترة سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» عليه.

“أبرم النظام اتفاقاً مع قسد، لمقايضة النفط المستخرج من حقل العمر النفطي الأكبر في سوريا، مقابل المازوت المكرر، إضافة للكهرباء والخدمات في مناطق سيطرتها”

أما خط نقل الغاز، فسيكون من حقول العمر والتنك والجفرة، إلى معمل «كونيكو» بدير الزور الخاضع لسيطرة الوحدات الكردية، ومن «كونيكو» إلى حقل التيم، وبعدها إلى محطة «جندر» الحرارية في حمص.

وتقع نحو 70 % من موارد سوريا النفطية والمائية تحت سيطرة «قسد»، من بينها أهم حقول النفط والغاز فضلاً عن سد الفرات، وهو ما دفع مسؤولي النظام للتصريح مراراً بالرغبة في استعادة السيطرة على مناطق «قسد».

ويرى عضو الكتلة الوطنية الديمقراطية السورية سائد الشخلها، أن «التفاهمات بين قسد والنظام السوري لها وجهان، الأول هو رغبة جميع الأطراف في إعادة فرض النظام من جديد والتعامل معه والعمل بسياسة الأمر الواقع، وهو بقاء الأسد وفشل المعارضة في الحلول مكانه».

وأضاف سائد «أما الأمر الثاني هو تفاهم سريع مؤقت المراد به إخراج إيران من المنطقة، لذلك كل طرف سيُقدّم تنازلاً مؤقتاً، وبالتالي فإن تلك التفاهمات لن تكون سارية المفعول بعد مدة، فبعد أن ينتهي الوجود الإيراني سيكون هناك مرحلة أخرى في النزاع على الثروات النفطية شرق سوريا بين أمريكا وروسيا».

إيران تركّز في الاستثمارات الصناعية والزراعية

وفي المقابل، فشلت طهران من جديد في كسب ميزات شبيهة بالتي حصلت عليها موسكو، فبعد سحب روسيا ملف الفوسفات من طهران قامت من جديد بالاستحواذ على ملفي النفط والغاز كاملاً سواءً في البيع أو التنقيب والاستخراج.

الحلم الأكبر الذي تنتظره إيران، مشاركتها في ملف إعادة الإعمار، الذي يُمكنها من السيطرة على مناطق حساسة في محيط العاصمة دمشق، خاصةً بعد صدور القانون رقم 10، الذي يعتبر استكمالاً للمخطط الذي تسعى إليه إيران بهدف تغيير ديمغرافية محيط العاصمة.

وفي هذا السياق اتجهت إيران لإبرام عقود مع النظام في الجانب الزراعي بشكل خاص وفي بعض الاستثمارات الأخرى، كتصدير الأدوية وافتتاح شركة اتصالات، إضافةً إلى بعض الاستثمار ات الصغيرة في مجالات متعددة.

وكشف مدير عام الخط الحديدي الحجازي، حسنين علي، عن تلقي مؤسسته التابعة لحكومة النظام، عرضاً من الجانب الإيراني، لتنفيذ مشروع نقل الضواحي بدمشق.

كما حصلت شركة إيرانية في وقت سابق على عقد لتوريد الآلات الزراعية، إضافةً للمنتوجات الإيرانية والتي بدأت تغزو السوق السورية بشكل واضح.

وأما الحلم الأكبر الذي تنتظره إيران فهو مشاركتها في إعادة الإعمار، والذي سيُمكنها من السيطرة على مناطق حساسة في محيط العاصمة دمشق، وخاصةً بعد صدور القانون رقم 10، الذي سيكون استكمالاً للمخطط الإيراني الذي تسعى إليه لتغيير ديمغرافية محيط العاصمة.

وهاجمت صحف إيرانية كلاً من موسكو وبشار الأسد على خلفية الاتفاقيات الأخيرة، والتي أخرجت طهران إلى حدٍ ما من عملية إعادة الإعمار وما يتبعها من استثمارات لملفات حساسة كالنفط والغاز والكهرباء، واعتبرت ذلك خدعة روسية سيئة للإيرانيين في سوريا، وأن الأسد ناكر للجميل.

في حين قالت صحيفة «الغارديان» البريطانية إن «بعض المسؤولين الروس، يسعون إلى الحد من الاستثمارات الإيرانية، تماماً كما يفعلون مع موضوع منع إعادة الإعمار الغربية المحتملة».

وقال الباحث الاقتصادي يوسف يازجي إن «روسيا لها فرص في الاستثمارات الاقتصادية في سوريا أكثر من إيران لعدة عوامل، منها أن النظام بات ميالاً لإرضاء الجانب الروسي الذي دعمه عسكرياً بشكل كبير، لذا قدم النظام العديد من الامتيازات للروس، وكان آخرها منحها حق استخراج الفوسفات».

وأضاف يازجي كما أن «روسيا تملك شركات اقتصادية ضخمة، ورجال أعمال كبار قادرين على الاستثمار، بينما لا تملك إيران الأموال الكافية لكي تبدأ مغامراتها التجارية الكبيرة، كما أن هناك تردد من قبل أصحاب بعض الشركات الخاصة الإيرانية في الاستثمار في سوريا، كون طهران منحت الحرس الثوري والشركات المتعاونة معه قيادة موضوع الاستثمار الاقتصادي في سوريا، رغم أن شركاته متهمة بالفساد ولا تخضع للرقابة».

 

هكذا حال الاقتصاد السوري مستقبلاً

في ظل هيمنة روسيا وإيران إلى جانب أمريكا على المقدرات السورية، بات الاقتصاد السوري في خطر، وقال الباحث الاقتصادي محمد خير: إن «تقاسم الاستثمارات بين الروس الذين حصلوا على النفط والموانئ، والإيرانيين الذي حصلوا على عقود لتوريد المنتجات سواءً الصناعية أو الزراعية والاستثمار في مجال الخدمات، سيؤدي إلى تراجع سريع وربما انهيار في الاقتصاد السوري».

وأضاف خير أن «هذا الانهيار سيؤثر بشكل مباشر على التجار الداعمين لنظام الأسد، وستتحوّل سوريا لمجرد سوق لتصريف البضائع والمنتجات الإيرانية، ومركزاً لتصدير المنتجات الزراعية والقمح والفواكه لروسيا ولكن بأقل الأثمان، ولن يقدم ذلك للاقتصاد السوري أي مردود لأن التركيز سيكون على المنتجات غير المصنعة».

وقالت مواقع إعلامية موالية أنه بعد سنة و3 أشهر ستبدأ سوريا بتصدير الغاز والنفط بكميات كبيرة، ولكن سيكون كامل المشروع تحت حماية الطيران الروسي وسلاح البحرية والمدمرات والبوارج الروسية، مضيفةً أن مدخول النظام من تصدير الغاز والنفط بعد سنة ونصف سيكون بقيمة 27 مليار دولار سنوياً.

ولكن الباحث الاقتصادي محمد بكور نفى صحة تلك المعلومات، موضحاً أن جميع عائدات النفط السورية ستكون للروس، وسيتم بيعها للنظام بموجب قروض لاحقة الدفع، مما يجعل النظام مضطراً لشراء النفط بعدما باع خيرات البلد، وترك اقتصاده ينهار تدريجياً».

وانخفضت قيمة الليرة السورية خلال السنوات الماضية بشكل كبير، وباتت تساوي اليوم 440 ليرة مقابل الدولار، أي أنها تراجعت عشرة أضعاف عما كانت عليه قبل العام 2011، ما أثّر بشكل كبير على الاقتصاد السوري ورفع الأسعار عدة أضعاف.

 

سوريتنا

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى