هل يفتح الأسد عملاً عسكرياً نحو إدلب

منشور  سوريتنا

أم أن التوافقات الدولية تحول دون ذلك؟

عناصر من هيئة تحرير الشام في ريف حماة الشمالي (عمر حاج قدور)

بعد أن اقترب نظام الأسد من إنهاء السيطرة على الجنوب السوري، بدأت التساؤلات تدور حول مدى جدية النظام وروسيا في فتح عمل عسكري كبير للسيطرة على محافظة إدلب، آخر معاقل المعارضة السورية، أم أن تواجد نقاط المراقبة التركية سيحول دون ذلك، وسط مخاوفٍ على مصير ثلاثة ملايين نسمة من الأهالي والنازحين والمهجّرين المتواجدين في الشمال.

وبدأ النظام السوري الترويج لمعركة إدلب خلال الفترة الماضية، حيث صرّح رأس النظام بشار الأسد في أيار الماضي، أنه سيستعيد كل نقطة في سوريا، ومن ضمنها إدلب، مشيراً إلى أنه سيسعى في بداية الأمر للسيطرة على إدلب عبر “المصالحات والتسويات”، وفي حال فشل في ذلك، فإنه سيلجأ إلى الخيار العسكري والتصعيد العنيف.

وعقب الانتهاء من نشر نقاط المراقبة التركية والحديث عن وقف إطلاق نار شامل بين النظام والمعارضة، ألقت طائرات النظام المروحية منشورات على مناطق مختلفة بريف إدلب، تضمنت تهديدات لفصائل المعارضة والسكان، بإلقاء السلاح والتوجه إلى “المصالحة” مع النظام.

سيناريوهات مرتقبة

تحذيرات الأسد حول قرب معركة إدلب أثارت مخاوف السكان والنازحين في الشمال، وبدأوا يتساءلون حول احتمال حدوث عمل عسكري فعلاً، ولاسيما أن إدلب باتت الملاذ الأخير لهم بعد سيطرة النظام على مختلف مناطق سوريا.

وقال الناطق باسم العشائر السورية مضر حماد الأسعد لــ سوريتنا: إن “إدلب تختلف تماماً عن باقي المناطق التي اجتاحها النظام، ولاسيما في ظل تواجد نقاط المراقبة التركية، وبالتالي فإن فتح النظام عملاً عسكرياً تجاهها، سيؤدي إلى اصطدامه أولاً مع القوات التركية، وهو ما لا يريده الأسد، فليست لديه القدرة العسكرية على فتح أي جبهة بدون الدعم الجوي الروسي، عدا أن اتخاذه الخيار العسكري سيكون بالتوافق مع روسيا، وطالما روسيا ملتزمة باتفاق دولي مع تركيا بموجب أستانا، فلن يجرؤ الأسد على الخروج عن رغبة الروس”.

كذلك استبعد المحلل العسكري العقيد أحمد حمادة، هجوم النظام على إدلب، كونها تخضع لاتفاق “خفض التصعيد”، والذي يختلف عن اتفاق “خفض التصعيد” في درعا، فتركيا لها مصالح اقتصادية واستراتيجية في إدلب، لذلك نشرت 12 نقطة مراقبة فيها لمنع أي عمل عسكري نحوها، وقد منعت نقطة المراقبة التي نشرتها تركيا قبل أشهر في منطقة تل الطوقان من تقدم الأسد من مطار أبو الظهور نحو سراقب.

وأبلغ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، نظيره الروسي فلاديمير بوتين السبت الماضي، أن الجهود الرامية لاحتواء النزاع في سوريا ستنهار في حال هاجم نظام الأسد محافظة إدلب، واستهدف المدنيين فيها كما فعل في درعا.

من جهته، أوضح الصحفي فراس علاوي أنه “بعد أن يُنهي الأسد السيطرة على درعا فإن أمامه خيارين، التوجه إلى الرقة أو إدلب وكلاهما يبدو معقداً، ففتح معركة نحو الرقة التي تتواجد فيها قوات (PYD)، يستلزم تفاهمات وتنازلات للأكراد الذين قد يُغيرون من تحالفاتهم في حال الحصول على مكاسب مادية”.

وأضاف علاوي أن “وضع إدلب يعتبر معقداً أيضاً لتنوع الفصائل المتواجدة فيها، لذلك دخول إدلب من قبل الأسد يتطلب كذلك تفاهماتٍ معينة وتقاسم النفوذ، فقد تتخلى روسيا عن بعض المناطق لصالح تركيا في إدلب، مقابل تخلي تركيا عن بعض المواقع لصالح النظام والروس، وقيامها بنزع سلاح الفصائل، ومعاقبة أي فصيل لا يمتثل للأوامر”.

وفي المقابل، قال المحلل العسكري العميد الركن زاهر الساكت: إن “هناك مخططاً دولياً لدفع نظام الأسد نحو السيطرة على إدلب، بحيث تكون كل مناطق سوريا تحت سيطرته، ومن ثم يتم تهديد الأسد إما بإرساله للمحاكم الدولية لمحاسبته، أو إجباره على كتابة دستور جديد يخدم المصالح الدولية ومن ثم يتم الإطاحة به”.

وفي حال قرر الأسد اتخاذ الخيار العسكري نحو إدلب، فإن أمامه عدة خيارات لبدء المعركة وفق تحليلات عسكرية: المحور الأول من ريف حماة الشمالي، من خلال التوغل من مناطق سيطرة الأسد في ريف حماة نحو مورك الواقعة تحت سيطرة المعارضة، ومن ثم الدخول إلى ريف إدلب الجنوبي وأولها خان شيخون.

المحور الثاني لشن النظام هجوم على إدلب قد يكون من جبلي التركمان والأكراد في ريف اللاذقية الشمالي ومنه نحو ريف إدلب الغربي، والمحور الثالث من سهل الغاب عبر الانطلاق من معسكر جورين وخربة الناقوس، أما المحور الرابع من مطار أبو الظهور العسكري ومنه نحو سراقب بريف إدلب الشرقي.

 “تحرير الشام” و”تنظيم الدولة” المعضلة الأكبر

ويعتبر تواجد “هيئة تحرير الشام” في إدلب العقبة الأكبر، وسبق أن أشار وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إلى “وجود العديد من المجموعات المتشددة في إدلب، والتي تشكل تهديداً لتركيا ولنقاط المراقبة التي أقامتها في الجانب السوري” موضحاً أن “تركيا تعمل على تطهير إدلب من هذه الجماعات من جهة، والحيلولة دون حدوث انتهاكات لاتفاق مناطق خفض التصعيد من جهة أخرى”.

ويرى مضر حماد الأسعد أن “هيئة تحرير الشام موجودة بقوة في إدلب رغم اختلافها فكرياً وعقائدياً وعسكرياً مع الجيش الحر، ولكن بالمحصلة لا يمكن أن تسمح للنظام بالاقتراب من إدلب، وكذلك الجيش التركي المتواجد في ريف إدلب لن يسمح لتحرير الشام بالاقتراب من النظام واندلاع معارك بينهما، ما قد يساهم في الإخلال بالواقع العام في المناطق المتاخمة للحدود التركية”.

في حين قال الصحفي مناف السيد: إن “تواجد تحرير الشام في إدلب والضغوطات التي تتعرض لها تركيا من روسيا لإنهاء وجود الهيئة يجعل أردوغان أمام خيارين، إنهاء وجود الهيئة في إدلب وعدم ترك ذريعة للنظام بالهجوم، أو انسحاب نقاط المراقبة التركية وترك النظام يشن عملاً عسكرياً قد يؤدي إلى مذابح وموجة نزوح ضخمة نحو تركيا، لذا ستلجأ أنقرة لخيار إنهاء الهيئة تدريجياً بأقل الخسائر”.

وفي السياق ذاته، تواجه إدلب خطراً آخر يتمثل في توغل خلايا لــ “تنظيم الدولة الإسلامية” في مناطق مختلفة من المحافظة، وتنفيذها عمليات اغتيال عديدة طالت في الغالب عناصراً وقيادات من “هيئة تحرير الشام”.

وتحدثت وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم عن عدة عمليات أمنية في إدلب، ونشرت صوراً لمقاتلين من “تحرير الشام” تم قتلهم بعد قطع رؤوسهم وإلباسهم الرداء البرتقالي، وذلك في عدة عمليات في أريحا ومعرة النعمان وجرجناز، وكُتب على الجثث عبارة “الدولة الإسلامية ولاية إدلب جزاءاً ووفاقاً”.

وبثت خلايا التنظيم رسالةً صوتيةً، أعلنت فيها بدء ما سمّوه “غزوة الثأر” في عملية انتقامية لإعدام القيادي في التنظيم “أبو البراء اللاذقاني”، المسؤول عن اغتيال وذبح العشرات من عناصر وقادة فصائل المعارضة في إدلب، بعد أن ألقت “هيئة تحرير الشام” القبض عليه في عملية أمنية سابقة بالقرب من مدينة سرمين شرقي إدلب.

وقال الصحفي مناف السيد: إن “نشر التنظيم صوراً ومقاطع فيديو وترويجها من قبل بعض الأشخاص والجهات الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي، يخدم النظام بالدرجة الأولى، ويُعطيه الذريعة الكبرى لشن عمل عسكري نحو إدلب بحجة إنهاء وجود التنظيم فيها”.

 هل تصمد المعارضة أمام النظام؟

مع تعدد الاحتمالات المرتقبة، تضع فصائل المعارضة في حساباتها استخدام الأسد الخيار العسكري، ويتواجد في إدلب العديد من الفصائل أبرزها “جبهة تحرير سوريا” والتي تضم عدة فصائل أهمها: “حركة أحرار الشام” و”حركة نور الدين الزنكي” و”صقور الشام”، كما تتواجد “هيئة تحرير الشام”، إضافةً إلى عدة فصائل تابعة “للجيش الحر”.

ودعا القائد العام لتجمع “صقور الشام” أحمد عيسى الشيخ في عدة تغريدات له على “تويتر”، إلى تحصين محافظة إدلب وعدم الاعتماد على الأتراك كضامن يحمي المحافظة من غدر النظام وحلفاءه، مشدداً أن على الفصائل أن تكون سداً منيعاً للحفاظ على ملاذ الثورة الأخير.

وتحدثت صحيفة “يني شفق” التركية أن الفصائل لديها عدة مقومات تساعدها على الصمود في وجه قوات النظام، أبرزها كون إدلب خزان عسكري يحتضن آلاف المقاتلين، إضافةً إلى التفاف الحاضنة الشعبية نحو الفصائل، كما أن تموضع قواعد النظام والميليشيات الإيرانية متباعد (جورين، ومطار حماة العسكري، وجبل عزان جنوب حلب).

وأشارت الصحيفة إلى ضعف سيطرة النظام العسكرية على المناطق الجبلية المتقدمة في التركمان والأكراد، وتنوع الخصائص الجغرافية لجبلي شحشبو والزاوية لا تشجع النظام على العملية العسكرية براً، إضافةً إلى ضعف الثقة بين قيادات وتشكيلات تحالف الروس والإيرانيين بعد تكفّل روسيا بطرد الميليشيات الإيرانية من سوريا.

كما تتميز إدلب بمقومات اقتصادية تضمن استمرار إمداد القوات بمتطلباتها، فضلاً عن تواجد نقاط المراقبة التركية المنتشرة على أطراف مناطق الاشتباك، والأهم من ذلك أن اتصال إدلب الجغرافي بعدة مناطق خارج سيطرة النظام يجعل من الصعب محاصرتها كما حصل في الغوطة ودرعا.

 محافظة إدلب: أهمية استراتيجية وخطر مستقبلي للنظام

تعتبر إدلب نقطة وصل وفصل جغرافي بين جنوب وشمال سوريا، وبوابة الولوج إلى باقي المحافظات، عبر أربعة محاور “جسر الشغور باتجاه اللاذقية، وخان شيخون – مورك باتجاه حماة، وريف حلب الغربي باتجاه مركز مدينة حلب، وحدود طويلة مشاطرة لتركيا عبر عدة منافذ برية، ويخترقها الطريق الدولي الرابط بين حلب ودمشق، وكذلك الطريق الرئيسي الواصل بين مدينتي حلب واللاذقية.

ويقع ضمنها أيضاً مطار تفتناز العسكري أشهر مطار للطائرات العمودية، وعلى أطرافها تقع قواعد الميليشيات الإيرانية في كل من ريفي حماة الشمالي وحلب الجنوبي، ويتبع ذلك قيمة استراتيجية وجيواستراتيجية للمنطقة من خلال تنوع تضاريسها بين الهضبية والجبلية والسهلية الواسعة التي يخترقها نهر العاصي، ما أعطاها ميزة اقتصادية لها أهميتها الكبيرة في ظروف السلم والحرب.

وأفاد مضر حماد الأسعد، أن “النظام السوري يسعى إلى السيطرة على إدلب بكل الطرق لعدة أسباب منها: قرب إدلب جغرافياً من إقليم انطاكيا، وبالتالي سيطرته على إدلب تؤمن له اتصالاً مباشراً مع العلويين هناك، حينها يمكن له إحداث مشاكل وفتن داخل تركيا، وهذا الأمر تتخوف منه أنقرة كثيراً، لأنه يؤثر على الأمن القومي التركي في جنوب بلادها، حيث تتنوع القوميات والطوائف والعشائر”.

وأضاف الأسعد “لهذا تركيا لا يمكن أن تسمح للنظام أو قسد (PYD) أو الميليشيات الإيرانية أو حتى الروس من الاقتراب من الحدود التركية في المنطقة المقابلة للواء انطاكيا واسكندرون، فالمشروع التركي القادم يهدف لإبعاد (PYD) عن كامل الحدود السورية التركية، أي منبج والرقة والحسكة ورأس العين، لذلك لا يمكن أن تكون إدلب قابلة للقسمة أو التفاوض مع الدول المعادية لتركيا أو الثورة السورية”.

وأشار إلى أن “النظام يريد إنهاء السيطرة على إدلب التي باتت خزاناً يحتضن الآلاف من مقاتلي المعارضة، ما يُشكل حالة قلق للأسد من احتمال أن تنفجر شرارة الفصائل في إدلب وتفتح عملاً عسكرياً ضخماً نحو حلب أو حماة أو الساحل، لذلك يود النظام السيطرة على إدلب، كي يضمن عدم تعرضه لأي خطر مباغت مستقبلاً، وبنفس الوقت، فإن إيران تقف وراء الأسد للتقدم في إدلب، والوصول إلى كفريا والفوعة الشيعيتين”.

 

سوريتنا                                                                                          للمزيد اقرأ أيضاً..

سيناريوهات تنتظر إدلب

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى