هكذا حفرت الغوطة الشرقية أنفاقها وصمدت في وجه الحصار

منشور  سوريتنا

الحياة تحت الأرض

مقاتلان من "فيلق الرحمن" في النفق المركزي الواصل بين بلدة عين ترما في الغوطة الشرقية وحي جوبر شرق العاصمة دمشق، تشرين الثاني/نوفمبر 2017 (سوريتنا)

رغم الظروف التي مرت بها الغوطة الشرقية من حصار وقصف، إلا أن السكان وفصائل المعارضة استطاعوا التأقلم مع الواقع المفروض عليهم، وأوجدوا طرقاً بديلةً للتنقّل ومواجهة حصار قوات النظام، فبنت الفصائل مدناً كاملةً تحت الغوطة الشرقية، من خلال حفر شبكات من الأنفاق والملاجئ على مدار سنوات الحصار، ليستطيعوا عبرها إدخال المواد الغذائية والمحروقات والبضائع، إضافةً إلى الأسلحة.

كان العمل على حفر الأنفاق في السنوات الأولى يتم بهدوء ودون أي ضجة إعلامية، ولم يظهر للعلن إلا بعض الصور للأنفاق التجارية والتي افتُضح أمرها بعد سيطرة النظام على أحياء دمشق الشرقية (القابون وبرزة وحي تشرين) بداية عام 2017.

مع تسارع الأحداث، بدأ حفر الأنفاق يواكب التطورات السياسية والعسكرية التي تمر بها الغوطة، وساعدت طبيعة التربة وعدم وجود أراضٍ صخرية على سرعة الحفر، وانتقلت مساكن أهل الغوطة من فوق الأرض لتحتها، خاصةً خلال الحملة الأخيرة للنظام في شباط الماضي.

وكان لتلك الأنفاق دوراً كبيراً في تخفيف مخاطر التنقّل بين المراكز الطبية والنقاط الحساسة أثناء القصف، ووصل طول بعض الأنفاق لـ12 كيلو متراً، وتنوعت استخدامات الأنفاق وأسباب حفرها بين عسكري وخدمي وتجاري ومدني، وبين كبير وصغير، ومنها ما كان خاصاً بالأفراد أو السيارات أو الفصائل العسكرية والقادة.

وسيلة استراتيجية لحسم المعارك

بدأت فصائل الغوطة تحفر أنفاقها نهاية عام 2012، بعد ثبات مناطق السيطرة، وانسحاب قوات النظام وتمركزها على الأطراف، وكانت أغلب الأنفاق في البداية بسيطةً وقصيرةً ولا يتجاوز طولها بضعة أمتار، يستخدم أغلبها كطرق للمرور أسفل الأماكن المكشوفة، ولتجاوز الشوارع المستهدفة.

إلا أنها سرعان ما دخلت كطريقة فعالة لمواجهة قوات النظام مطلع العام 2013، وأولى هذه المحاولات ما قام به “جيش الإسلام” أثناء اقتحام “الفوج 39” على أطراف مدينة دوما، ولكن لضعف الخبرة لم يصل النفق للمكان المطلوب، واكتشفته قوات النظام وقامت بتفجيره، وكان النفق الثاني الذي شكّل نقطة تحول مهمة، هو النفق الذي استطاعت فصائل المعارضة السيطرة من خلاله على معمل “تاميكو” في بلدة المليحة بريف دمشق.

“مع تسارع الأحداث، بدأ حفر الأنفاق يواكب التطورات السياسية والعسكرية التي تمر بها الغوطة، وساعدت طبيعة التربة وعدم وجود أراضٍ صخرية على سرعة الحفر، وانتقلت مساكن أهل الغوطة من فوق الأرض لتحتها”

وقال أحد المهندسين الذين أشرفوا على حفر النفق في الغوطة لــ سوريتنا، فضّل عدم الكشف عن اسمه إن “هذا النفق كان له دوراً كبيراً في اعتماد الفصائل على حفر الأنفاق والدخول من خلالها لمناطق سيطرة النظام، وخاصةً بعد النجاح الكبير الذي تحقق بالسيطرة على معمل تاميكو، والذي يعد أقوى حصون النظام في الدفاع عن العاصمة دمشق في تلك الفترة”.

وتحوّل الاعتماد على الأنفاق لاستراتيجية عامة تُتبع في الغوطة الشرقية، عقب حصارها وشح الذخائر ومواد التفجير، وأصبحت هذه الأنفاق الأسلوب الأنجع في التصدي لاقتحام قوات النظام، وكذلك في بناء خطوط دفاع قوية وتأمين خطوط الإمداد.

واستطاعت فصائل المعارضة القيام باختراقات كبيرة عبر هذه الأنفاق، وكان أهمها “معركة الله غالب”، ومعركة السيطرة على منطقة الدخانية بريف دمشق، ومعارك “إدارة المركبات” في حرستا، ومعارك التصدي والكمائن في أحياء جوبر ودمشق الشرقية.

ووصلت الأنفاق في الأيام الأخيرة لتواجد المعارضة في الغوطة لمستويات متقدمة جداً، وباتت تمتد من بلدة حمورية مروراً بسقبا وكفربطنا وحزة وعين ترما حتى جوبر.

وتركز الاعتماد على الأنفاق في الجهة الغربية والشمالية من الغوطة الشرقية، نظراً لعمق المياه الجوفية (25 متر وسطياً)، بعكس الحدود الجنوبية للغوطة المحاذية لنهر بردى والحدود الشرقية ذات التربة الزراعية الرخوة والمياه الجوفية السطحية، والتي تصل في بعض المناطق لأقل من متر، وبالتالي لم تُستخدم الأنفاق في تلك المناطق، ما جعل قوات النظام تلجأ للاقتحام منها خلال الحملة الأخيرة بعد فشلها في الجهتين الغربية والشمالية من الغوطة.

“علي الخلد” ملك الحفارين

تبع التحوّل الاستراتيجي في الاعتماد على الأنفاق، تحول مماثل في أساليب وأدوات الحفر، والتي بقيت في كثير من الأحيان تعتمد على الطرق اليدوية البدائية، وخاصةً في الأماكن القريبة من خطوط التماس.

وقال علي من بلدة حمورية والملقب “بالخلد” وهو أمهر المتخصصين في حفر الأنفاق لــ سوريتنا: إن “بداية العمل كان تطوعي لكن استمرار المعارك وطول الفترة، حوّل حفر الأنفاق لمهنة يقوم بها متخصصون يتقاضون أجوراً في غالب الأحيان من الفصائل أو المؤسسات التي يعملون لصالحها”، لافتاً أن “أغلب الأدوات المستخدمة في الحفر بدائية، لكن بعض الأشخاص استطاعوا صناعة حفّارات آلية بسيطة، والتي ساعدت بشكل كبير في تسريع عمليات الحفر، وخاصةً في الأماكن البعيدة عن خطوط التماس”.

“أغلب الأدوات المستخدمة في الحفر بدائية، لكن بعض الأشخاص استطاعوا صناعة حفّارات آلية بسيطة، والتي ساعدت بشكل كبير في تسريع عمليات الحفر”

وأضاف علي “كما تم استخدام مضخات المياه عالية الضغط والجرافات الصغيرة أو الكبيرة في حفر الأنفاق، وتختلف الأدوات المستخدمة في الحفر، تبعاً لظروف الزمان والمكان، كما أن العنصر البشري الخبير هو الطرف الأهم في الحفر، خاصةً في ظل التهديدات الأمنية وسعي النظام بشكل دائم لاكتشاف الأنفاق وتفجيرها”.

ويعتبر علي الخلد، أحد أمهر حفاري الأنفاق في الغوطة الشرقية، وأطلق عليه هذا اللقب لمهارته وسرعته في الحفر، وكانت خبرته واسعة في معرفة أنفاق النظام واعتراضها وطرق التحايل عليها، ولم يكن يحمل أي شهادة، لكنه استطاع الوصول لدرجة خبير بامتياز بعد سنوات طويلة من العمل.


شبان من أهالي بلدة حمورية أثناء حفر نفق لالستخدام المدني، شباط 2018 (سوريتنا)

الأنفاق في خدمة المدنيين

ودخلت المؤسسات المدنية كالمشافي والمجالس المحلية والمديريات الخدمية، على خط تجهيز الأنفاق المدنية سواءً الواصلة بين النقاط الطبية أو بين المركز الحساسة في الغوطة الشرقية، ومع دخول المهندسين بدأت أساليب الأنفاق تتطور، حيث تمكنوا من تفادي الحفر أسفل أساسات الأبنية في المناطق السكنية، أو ضمن خطوط الصرف الصحي.

وتمكنوا أيضاً من إيجاد طرق عزل محلية، وأشرفت نقابة المهندسين في الغوطة الشرقية على مشاريع تحصين المشافي وإيجاد مخارج ومداخل احتياطية لها عبر هذه الأنفاق، وتأمينها بشكل هندسي يساعد على عدم تهدمها.

وقال المهندس عبد الرحيم الساعور أحد المشرفين على حفر الأنفاق التي تخدّم النقاط الطبية إن “الأنفاق التي صوّرها النظام في دوما بعد سيطرته عليها، هي أنفاق مدنية ولا علاقة للعسكريين بها، وحُفرت بأدوات بدائية وتهدف لإيجاد مداخل ومخارج آمنة للمراكز الطبية خلال القصف، مع وصل المركز الطبية ببعضها لنقل المرضى، دون الحاجة لتعريضهم للخطر من جديد.

ومع إرهاصات الحملة العسكرية الأخيرة والتي برزت بوادرها منتصف العام 2017، استنفر السكان في الغوطة الشرقية بحملات أهلية لحفر أنفاق فرعية تصل لأنفاق المراكز الطبية والمؤسسات الأخرى، ومع بدء الحملة على الغوطة ازادت وتيرة العمل.

أبو ماهر أحد سكان بلدة حمورية قال إن سكان حيّه اتفقوا على حفر نفق يصل للنفق المركزي الذي يمر تحت الشارع الرئيسي، مع حفر تفريعات إضافية لكل مدخل بناء، وجهزوا أنفاق فرعية تضم غرف بحسب رغبة سكان كل بناء، وكان لزاماً على كل عائلة العمل في الحفر من خلال أحد أفرادها، مشيراً إلى أن الأنفاق خفّفت الكثير من الإصابات بين المدنيين وسهّلت تنقلهم.

أنفاق تجارية

ونتيجة الظروف التي مرت بها الغوطة الشرقية وتشديد قوات النظام لحصارها وإغلاق المعابر، اتجهت أنظار الفصائل نحو أحياء دمشق الشرقية، وكانت البداية من مدينة حرستا على الطريق الدولي الفاصل بين حي البعلة التابع لمدينة حرستا إدارياً، وحي القابون، والذي كان يتوفر فيه المواد الغذائية والطبية والمحروقات، وتم حفر الأنفاق هناك لتجاوز الطريق الدولي والوصول لمنطقة أمنة غير مكشوفة على قوات النظام، بطول حوالي 700 متراً وعرض متر ونصف وارتفاع 180 سم.

واستطاع فصيل “فجر الأمة” الذي يسيطر على مدينة حرستا، إخفاء وجود هذه الانفاق لحوالي العام، وفي بداية عام 2015 بدأت باقي الفصائل (فيلق الرحمن وجيش الإسلام، وحركة أحرار الشام) بحفر الأنفاق التجارية نحو حي القابون، انطلاقاً من نقاطها في مدينتي عربين وزملكا، مع اختلاف كبير في طول الأنفاق والأساليب المستخدمة في الحفر.

ووصل طول بعض هذه الأنفاق لحوالي 7 كيلو متراً، يتسع أغلبها لمرور الشاحنات الصغيرة، وأصبحت هذه الأنفاق المنفذ الوحيد الذي كانت تدخل منه المواد الغذائية والمحروقات والمستلزمات الطبية للغوطة الشرقية.

وابتكرت فصائل المعارضة أساليباً غير مكلفة لنقل المحروقات، عبر أنابيب ودون الحاجة للضخ، من خلال استغلال فارق الارتفاع بين حي القابون وبلدات الغوطة المنخفضة.

كما كان يتم إدخال الأسلحة والذخائر من خلال تلك الأنفاق عبر حي عش الورور، وبإشراف بعض الضباط من قوات النظام مقابل مبالغ مالية كبيرة، بينما حاولت قوات النظام تفجير تلك الأنفاق لكنها فشلت، وحرمت الغوطة الشرقية من الأنفاق التجارية بعد سيطرة النظام على أحياء دمشق الشرقية في أيار من العام 2017.

أساليب المعارضة لحماية الأنفاق

استطاعت فصائل المعارضة رغم بساطة الأدوات وقلة الإمكانيات، كسب جميع المعارك التي جرت تحت الأرض بينها وبين قوات النظام، الذي لم يدّخر أي وسيلة لاكتشاف الأنفاق عبر الأقمار الصناعية أو الأجهزة المتطورة، لكنه فشل في معظم محاولاته.

وقال مصدر عسكري، متخصص في حماية الأنفاق بعد حفرها في الغوطة الشرقية، فضّل عدم الكشف عن اسمه: إن “الوسائل التي اتبعتها الفصائل لحماية الأنفاق متنوعة، ومنها حفر النفق عبر الطرق الهندسية كاختلاف المستويات والالتفافات لسحب أي ضغط ناتج عن تفجير محتمل، فضلاً عن تشتيت وإرباك قوات النظام وإفقادها القدرة على توقع مسار النفق وعمقه”.

وأوضح المصدر أن من أساليب حماية الأنفاق عند إنشائها، حفر أنفاق وهمية، يتم إغلاقها بعد حفرها، وتستخدم لتفريغ الضغط، أما أساليب الحماية الداخلية فهي كثيرة ومتنوعة بحسب حجم النفق، ومنها تجهيز غرف طوارئ جانبية، وفتحات وأنابيب تهوية ومخارج طوارئ وكاميرات وإضاءة، وتدعيم الأنفاق بالتوتياء والأعمدة المعدنية، وتلغيم المناطق الحساسة.

وتم تجهيز الأنفاق كذلك بشاخصات للدلالة على الاتجاهات ومخارج الطوارئ والمسافات، واستطاعت الفرق المتخصصة بالحفر اكتشاف أنفاق النظام وتمويه أنفاقها بطرق بدائية، وفق ما ذكر المصدر العسكري، لكنه رفض الإفصاح عنها واعتبرها من الأسرار العسكرية.

وفي المقابل، استخدمت قوات النظام عدة طرق لمواجهة الرعب من أنفاق المعارضة، وأكثر الطرق نجاعةً غمر المنطقة بالمياه، وطُبق ذلك الأسلوب في حي جوبر، لكن انحدار الأرض نحو الشرق والجنوب خفف من أثار هذه الطريقة، كما أنه سلاح ذو حدين ويؤثر على أنفاق النظام بدرجة كبيرة.

كما لجأت قوات النظام، وبعد حدوث حالات تسلل للمعارضة نحو العباسيين ومجمع 8 آذار، لحفر خندق اعتراضي كبير يمتد على طول خطوط التماس من منطقة الدباغات حتى حي القابون، وغرزت مسامير حديدية كبيرة بشكل متلاصق وبعمق ثلاثين متراً حتى المياه الجوفية، تمنع أي عمليات حفر نحو مناطق سيطرة النظام.

“الوسائل التي اتبعتها الفصائل لحماية الأنفاق متنوعة، ومنها حفر النفق عبر الطرق الهندسية كاختلاف المستويات والالتفافات لسحب أي ضغط ناتج عن تفجير محتمل، فضلاً عن تشتيت وإرباك قوات النظام وإفقادها القدرة على توقع مسار النفق وعمقه”

النظام يسعى للاستفادة من الأنفاق

وبعد سيطرة قوات النظام على الغوطة الشرقية، واكتشاف الأنفاق وطبيعتها ومدى جهوزيتها وتطور هندستها، أعلنت “محافظة ريف دمشق” التابعة للنظام عن خطة للاستفادة من تلك الأنفاق، وخاصةً المحفور منها خارج الأماكن السكنية، كالأنفاق الواصلة بين طرفي الطريق الدولي في مدينة حرستا، حيث تم تدعيمها من قبل” المحافظة” واستخدامها كعبّارات للمشاة والسيارات.

وقالت مصادر إعلامية تتبع النظام، أنه تم تشكيل لجان مختصة من عدة جهات وزارية لدراسة أنفاق الغوطة الشرقية على أرض الواقع، وإمكانية استخدامها في عمليات تأهيل البنى التحتية.

وأوضحت المصادر أن الهدف من دراسة الأنفاق هو “الاطلاع على حجم وطول تلك الأنفاق، لتحديد آلية الاستفادة منها في تمديد شبكات الصرف الصحي والكهرباء وخطوط الهاتف”.

كما قالت صحيفة “الوطن” الموالية نقلاً عن مسؤول في محافظة ريف دمشق إن “إمكانية الاستفادة من تلك الأنفاق في مجال المواصلات وتحويلها لأنفاق للسيارات أمر غير وارد، بسبب بدائية هيكلها وضيق مساحتها، وعدم بنائها وفق أسس تضمن السلامة العامة”.

وبثت وسائل إعلام تابعة للنظام بعد سيطرته على كامل الغوطة صوراً وفيديوهات لهذه الأنفاق، في محاولة منها لكشف أدوات فصائل المعارضة في المواجهة والقتال وكيفية إدخال الأسلحة، إلا أن الأثر كان معاكساً تماماً، وتفاجأ مؤيدو النظام بحجم الأنفاق والإتقان الكبير فيها، رغم ضعف الإمكانات والحصار الذي كانت تعيشه الغوطة الشرقية.

 

غياث أبو الدهب / سوريتنا                                                                   للمزيد اقرأ أيضاً..

خريطة الغوطة الاقتصادية.. أنفاق وجيوب

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى