“الفتنة بين السويداء ودرعا” هدف لطالما سعى النظام إليه

منشور  صدى الشام

النظام همش السويداء منذ عقود - أحد مداخل المدينة (الإنترنت)

قبل عدّة أيام، زار وفد روسي السويداء واجتمع بشكل مغلق مع مشيخة عقل طائفة الموحدين وناقشوا مستقبل المدينة في ظل تعقيدات الوضع في الجنوب السوري، تلك الزيارة المفاجئة، جاءت بالتزامن مع تحضير نظام الأسد العدّة لفتح معركة ضد المعارضة المسلحة في الجنوب، المعركة تشمل محافظة درعا بشكل رئيسي، ثم محافظة القنيطرة وأجزاء من السويداء.

وتكمن أهداف النظام من هذه المعركة في السيطرة على مزيدٍ من الأراضي السورية، وحصر وجود المعارضة على الشريط الحدودي الشمالي فقط، فضلا عن تثبيت أركانه والوصول إلى “معبر نصيب” الذي يدر على خزينته أرباحا كبيرة.

وبحسب ما ذكرت وسائل إعلام النظام، فإن الاجتماع عقد في مبنى محافظة السويداء بين مسؤولين روس وقيادات أمنية عالية المستوى، بحضور مشيخة عقل الدروز ووجهاء من المنطقة.

وناقش الجانبان، الأوضاع الداخلية في السويداء، والجهات المسلحة الفاعلة على الأرض في السويداء، والريف الغربي، حيث زعم الروس وجود منظمات “إرهابية” في السويداء، بينهم حركة “رجال الكرامة” والمصالحة في المنطقة.

وكان هدف هذه الزيارة مزدوج، بقصد توجيه تهديد روسي مبطّن للفصائل المحلية في السويداء، وتهيئتهم نفسيا للمشاركة إلى جانب النظام وروسيا في المعركة ضد درعا.

ويرصد هذا التقرير، كيف حاولت روسيا وخلفها نظام الأسد، الزج بمحافظة السويداء وأهاليها، في المعركة ضد درعا، واستدراجها إلى هناك، ما يسهل عليه المعركة، ويزيد من الاحتقان الطائفي والمناطقي في الجنوب المحتدم أصلا بفعل ممارسات النظام على مدار سنوات الثورة السبع.

لماذا السويداء؟

تعتبر محافظة السويداء في جنوبي شرقي سوريا، نقطة ارتكاز مهمّة في معركة الجنوب فهي تقع على الخاصرة الغربية لمحافظة درعا، وهي الجهة ذاتها التي بدأ النظام عملياته العسكرية منها باتجاه منطقة “اللجاة” التي تغص بالحجار البازلتية الوعرة.

وبدأ نظام الأسد قبل أيام، هجمة عسكرية واسعة على محافظة درعا، بعد سلسلة تهديدات للمدنيين لطرد “الجيش السوري الحر”، غير أن أحدا من المدنيين لم يستجب لتهديدات النظام، وبحسب الناشط الإعلامي في محافظة درعا “أحمد العمر” وهو اسم مستعار يتخذه، فإن النظام بدأ معركته على درعا من جهة السويداء لأنها الطريق الوحيد بالنسبة للهجوم.

وقال لـ “صدى الشام”: “من الناحية الميدانية، فإن هناك طريقين اثنين فقط أمام النظام لمهاجمة درعا، الأول من مثلث طريق دمشق والثاني من الجهة الغربية المتّصلة مع محافظة السويداء”.

وأضاف أن الهجوم من جهة طريق دمشق يُعتبر ضربا من الجنون بالنسبة للنظام، نظرا لعمليات التحصين الهائلة التي قامت بها المعارضة هناك، وهو ما سوف يؤدي لخسائر فادحة في صفوف القوات المهاجمة، دون أن يثمر عن أي تقدم، لافتا إلى أن السويداء هي المفتاح الوحيد لبدء معركة الجنوب.

مكافأة

سبقت محاولات النظام، لاستمالة أهالي السويداء، بفتح معركة “ترضية” في باديتها، ضد تنظيم “داعش” الذي كان النظام قد أخرجه من جنوب دمشق وثبّته في بادية السويداء، وبحسب مصادر متطابقة في السويداء حدّثتها “صدى الشام”، فإن قوات الأسد، فتحت معركة جديدة في “بادية السويداء” ضد تنظيم “داعش” منذ فجر الخميس الماضي.

ويسيطر على مواقع في بادية السويداء، عناصر من تنظيم “داعش” كان النظام قد أخرجهم بموجب “اتفاق” من منطقتي مخيم اليرموك والحجر الأسود جنوبي دمشق، وركزهم في البادية من جهة السويداء، ما أثار سخطا واسعا بين المدنيين هناك.

وأضافت المصادر لـ “صدى الشام”، أن قوات النظام المدعومة بميليشيات موالية لإيران، سيطرت على قرى وبلدات، تل قبر صياح، تل الضحايا، تل درباس، تل الضباب، تل لثوي، تل الخيل، تل أم الجنبريس، تل الضرس، تل علي، خربة الهبارية، وخربة حاوي حسين”، موضحةً أن هذه المناطق تقع في الجهة الشمالية الشرقية لمحافظة السويداء، المتّصلة بالبادية السورية.

المصادر ذاتها اعتبرت هذه المعركة في هذا التوقيت، جاءت كنوع من محاولة النظام كسب ود أهالي السويداء ومحاولة استمالتهم لصفّه، إلّا أن هذه المكافأة لم تنفع.

“يسعى نظام الأسد عن طريق عملائه إلى جر أهالي السويداء للقتال في صفه ضد أهالي درعا الثائرين ضده من سنوات”

المكافأة لم تنجح

وعلى الرغم من زيارة الوفد الروسي، وفتح معركة البادية، إلا أن هذه “الترضية” لم تنجح، حيث أصدرت قوى سياسية واجتماعية في السويداء، بيانا أعلنت فيه “رفضها للتصعيد الحاصل في منطقة السهل والجبل من جنوب سوريا، ولا سيما في الريف الغربي من محافظة السويداء”.

وجاء البيان على لسان، “الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني” و”تجمع القوى الوطنية في السويداء” و”المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا” و”تجمع سهل وجبل حوران للشؤون الإعلامية” و”أحرار جبل حوران أخوة الجنوب لكل سوريا” و”المبادرة الوطنية في جبل العرب” و”المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية” و”هيئة الشباب الأحرار في السويداء”.

وقال الموقّعون على البيان: “إن هناك ضرورة إلى التزام الحل السياسي، ورفض الحل العسكري والقصف والقتل العشوائي، والحرص على حق الجوار علينا، وحسن الجوار والسلم الأهلي والوطني ومحاربة الفتنة”.

وأشار البيان إلى ان “قرية صما لا يوجد فيها أي أعلام لجبهة النصرة أو داعش، أو للمؤسسات التابعة لهما، ولا لأي جهة كانت، بل هي ملاذ آمن لكل من يلجأ اليها طالباً الأمن والأمان والسلام”.

هذا البيان أعقبه، قيام مدنيين في السويداء، بمنع قوات النظام من استخدام مناطقهم في الريف الغربي لبدء الهجوم على محافظة درعا، وفي يوم الاثنين الفائت، منع المئات من السكان رتلا عسكرياً لقوات النظام من دخول بلدتهم، واتخاذها مركز لتجميع قواته للهجوم على محافظة درعا، ما دفع قوات النظام للتوجه إلى مطار الثعلة في ريف المحافظة الشمالي للتمركز فيه.

وذكرت مصادر من السويداء، أن الحشود تمركزت في ريف السويداء الشمالي والشمالي الغربي، وانتشرت على مساحات واسعة على طول حدود منطقة اللجاة وبصر الحرير من جهة الريف الغربي للسويداء.

وبحسب صفحات ناطقة باسم العميد في قوات النظام “سهيل الحسن” فإن “النمر” وصل إلى مطار خلخلة في ريف السويداء، بهدف قيادة العملية العسكرية التي يعتزم النظام القيام بها في محافظة درعا جنوبي سوريا، وذلك بعد منع الرتل.

وذكرت شبكة “السويداء ٢٤” ومصادر ميدانية أخرى، أن “النمر” وصل إلى المطار، ورافقته تعزيزات عسكرية ضخمة على طول المنطقة الفاصلة بين شرق درعا وغرب السويداء.

ونقلت شبكة “السويداء ٢٤” عن مصادر لم تسمّها القول: “إن عشرات الآليات العسكرية دخلت إلى مطار خلخلة، ومن المتوقع أن يكون المركز الرئيسي لقيادة العمليات في المنطقة الجنوبية”. وأشارت إلى أن “الحسن إلى المطار بمرافقة من عناصر وصحافيين روس كانوا يغطّون تحرّكاته هناك”.

ومطار “خلخلة” هو أكبر المطارات العسكرية من حيث المساحة في سوريا، ويقع في ريف السويداء، ويضم داخله قيادة “اللواء ٧٣” وفيه سربين من أسراب “ميغ ٢١” و”ميغ٢٣”، وتحيط به تلال صحراوية وعرة.

“قام نظام الأسد بنقل عناصر “داعش” من جنوب دمشق إلى بادية السويداء، وهو ما أثار سخط أهالي المنطقة”

“رجال الكرامة”

واستمرّت عمليات الرفض من سكان السويداء وفعالياتها المدنية والعسكرية لمشاركة النظام في الهجوم على درعا، إلى أن أعلنت حركة “رجال الكرامة” في السويداء، عن رفضها الاشتراك في المعارك بمحافظة درعا المجاورة، أو دعم النظام السوري خلال هذه المعركة.

وقال الحركة بمنشور على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “إنها كانت ولا زالت تقف على الحياد الإيجابي في أي من الصراعات الداخلية بين أبناء الوطن الواحد”.

وأضافت الحركة، أنّها “ليست طرفاً في إراقة الدماء، وأنّها متمسكة بثوابت قائدها الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس وبالشّعار الذي كان يقوله دائماً “دم السوري على السوري حرام”.

وحذرت الحركة، من المساس بهيبة جبل العرب والاعتداء على أهله، أو التعدّي على محافظة السويداء جنوبي سوريا، قائلةً إنها: “بمنأى عن جميع الصراعات الداخلية في هذا الوطن”.

و”رجال الكرامة” هي حركة تأسّست في سوريا، بعد اغتيال الشيخ وحيد بلعوس، وقوامها رجال دين وعلماء وقياديين من الطائفة الدرزية في سوريا، وتقول إنّها “عاهدت على بقاء سوريا وطناً نهائياً للجميع وأن يبقى جبل العرب وفيًا لعروبته وحاضناً لكل سوري مهجّر أو مقيم فيه، أيّا كان مذهبه الديني، عملاً بقول قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش: “الدين لله والوطن للجميع”.

وجاء بيان “رجال الكرامة” كرد على مطالبات أطلقتها “الجبهة الجنوبية” التي تعتبر أكبر تشكيلات المعارضة جنوبي سوريا، حيث طالبت أهالي السويداء بعدم السماح للنظام وإيران باستخدام محافظتهم، واستغلالهم لشن هجوم على درعا.

وقالت الجبهة، في بيان أصدرته الثلاثاء الفائت، حمل عنوان (بيان صادر عن فصائل الجيش الحر والمدنيين في درعا إلى أبناء جبل العرب الأشم): “نهيب بكم وأنتم النبهاء، ألّا تسمحوا للنظام بزج أبنائكم في معركة خاسرة، يكون وقودها السوريين وحدهم، وألا تكونوا وقودًا لمشروع إيران الخاسر، مع معرفتنا أنكم خارج هذا المضمار والتاريخ يشهد لكم”.

أضاف البيان: “.يا أبناء جبل العرب، لا تكونوا طعماً لتحقيق أهداف النظام، والميليشيات الطائفية من إيران وحزب الله التي تحاول احتلال الأرض وتفريق الأهل، في درعا والسويداء”.

“ترفض العديد من الفصائل والتشكيلات المحلية في السويداء الانخراط في القتال إلى جانب النظام أو ضده وتختار الوقوف على الحياد”

إثارة الفتنة

وعمد نظام الأسد إلى استهداف قرى آمنة في ريف السويداء بالمدفعية الثقيلة وذلك ما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين وتزامن ذلك مع العمليات العسكرية التي يشنها باتجاه منطقة اللجاة.

وقال الناشط “محمد الحوراني” لـ”صدى الشام” إن النظام يسعى من تلك الحركة لكسب أبناء السويداء إلى جانبه وإثارتهم على أهل درعا من ثم دفعهم للانخراط في القتال إلى جانبه وهو ما يعني دخول السويداء في فتنة طائفية لن يستفيد منها سوى النظام والخاسر يبقى أهل السويداء وأهل درعا.

وأشار الحوراني إلى ان هذه العملية ليست جديدة فالنّظام ومنذ بدء الثورة ضده يقوم بحركات استفزازية عن طريق عملائه للإيقاع بين أهل درعا والسويداء إلى أن العقلاء من الطرفين دائما ما يقفون في وجه الفتنة.

“يقوم نظام الأسد بقصف قرى وبلدات محافظة السويداء من أجل اتهام أهالي درعا وإثارة الفتنة في المنطقة”

ويستغل النظام ذلك أيضا من خلال إعلامه الذي يحاول عبره إظهار أن أبناء الطائفة الدرزية في السويداء مستهدفون من قبل “تنظيمات إرهابية” تتمركز في درعا وتقوم بقصفهم، وبالتالي مهاجمة درعا بحجة حماية الأقليات.

وزعمت وكالة سانا في عديد من أخبار نقلتها أن “جبهة النصرة” و”تنظيمات الإرهابية” منتشرة في قرى اللجاة في ريف درعا الشرقي استهدفت المواطنين الآمنين في قرية داما ومدينة السويداء ما أدى لوقوع ضحايا وأضرار مادية، وكذلك قرى حران والطيرة وتعارة والمجيمر ولبين والدويرة وبلدة القريا.

وقالت مصادر من السويداء لـ”صدى الشام” مفضلة عدم ذكر اسمها لدواع أمنية أن النظام حاول مرارا منذ اندلاع الثورة، إذكاء الفتنة بين أهالي السويداء ودرعا عن طريق محاولة زج أبناء السويداء في الميليشيات الموالية له، والتجنيد.

ولم يكتف النظام بذلك بل قام بتجنيد مجموعات من قطاع الطرق من المنطقتين يقومون بعمليات الخطف والقتل والسرقة على الطريق الواصلة بين السويداء ودمشق والقريبة من درعا بمحاذاة اللجاة.

وأوضحت المصادر أن الخاطفين من الطرفين يتواصلون فيما بينهم عن طريق وسطاء لطلب الفدية أو التفاوض، وفي حال لم تدفع الفدية يكون مصير المخطوف القتل دون أي رحمة، إلا أن الشيوخ العقلاء ما زالوا ممسكين بزمام الأمور درءا للفتنة.

وأشارت المصادر إلى أن النظام عمد إلى اختطاف واغتيال شيوخ من عشائر السويداء بهدف إذكاء نار الفتنة بين أهل السويداء أنفسهم، وهم من الشيوخ الذين رفضوا الانخراط في القتال إلى جانب النظام واكتفوا بالدفاع عن قراهم من هجمات تنظيم “داعش”، والتي قام النظام بغض النظر عنها بهدف إظهار “السنة” من أهل درعا على أنهم “داعش”.

ولفتت المصادر إلى أن الفتن لطالما حاول النظام إثارتها بين أهل حوران وأهل السويداء منذ عقود عن طريق فروعه الأمنية من خلال إثارة النعرات الدينية عن طريق عدم التدخل في حل المشاكل بين العشائر، كما قام بتهميش السويداء في كافة جوانب الحياة.

 

فريق التحرير / صدى الشام

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى