تربية الحمام في إدلب.. مهنة المتاعب و”المراق”

منشور  زيتون

لا تخلو سماء سوريا من أسراب الحمام التي تحوم في مدارات محددة حول منازل أصحابها، الذين يقفون على أسطح المنازل يلوحون يطلقون أصوات الصفير لتحريض تلك الأسراب على التحليق بالارتفاع أو الهبوط في أوقات الأصيل أو الضحى.

تربية الحمام تعتبر هواية “مكروهة” لا تخلو من المشاكل والنزاعات، لأنها توّلد إدمان وهوس عند أصحابها، وتوجس ونظرة عدم ارتياح من قبل الأهالي والجيران ونفور من الطقوس التي ميارسها مربو الحمام، فضلا عن الثقافة السائدة في أوساط السوريين بأن “الحميماتية” مطعون بأخلاقهم، إلا أنها لا تخلو من مزايا نصف الكأس الملآن التي يتغنى بها الحميماتيون.

لا يمكن الحكم على مربي الحمام جميعهم وفق هذه النظرة السائدة، فهم مختلفون بحسب ما يمارسونه من غايات اقتناء الطيور، منهم من يقتنيها للزينة والمتعة ولا يجد تقاطعا في الاهتمام مع من يمارس هواية كش الحمام والصيد به، كما أنهما يختلفان عمن يربي الحمام بهدف التكاثر والبيع، ورغم تداخل بعض الأصناف من مقتنيي الحمام، إلا أن شهرة سوء الهواية انحصرت في ممارسي كش الحمام على وجه خاص.

“أهل المراق” جماعة من مربي الحمام لا يميلون إلى المشاكل، متعتهم تكمن في تأمل طيورهم وهي تقوم بالتقاط الحب بما لها من ألفة وبما تفرضه من جو هادئ بأصوات هديلها و”برقمتها” وهو صوت الذكر حين يكون في أوج زهوه أو أثناء محاولته الدفاع عن عشه.

تخصص هذه الجماعة وقتا محدداً في يومها لقضائه مع طيورها مع كأس من الشاي أو الأركيلة، إذ يعتبرون هذا الوقت للهدوء والترويح عن النفس بعد عناء النهار والعمل.

أحد مربي الحمام في مدينة إدلب عمران العلي قال لزيتون عن هوسه بمجالسة الحمام: “عندما أصعد إلى السطح وأجلس بين الحمام وأرمي له الذرة، ينتابني شعور بالسعادة، وأبتعد عن العالم بأسره، كما أتخلص من ضغط الحياة والظروف الصعبة التي نمر بها، حتى أنني أنسى القصف والمفخخات وغيرها، كما أنسى تعبي خلال اليوم كاملاً، وأغرق في جمال هذه المخلوقات”.

لكن مكمن المتعة مختلف عند أهل الكشات والهادفون إلى الصيد وضم طيور الغير إلى أسرابهم، فعودة السرب إلى “الحبيس” أو قن الحمام سالماً غير ناقص، تثير بهجة صاحبها والتي لا تزيدها سوى عودة السرب جالبا معه طيراً آخر من طيور رفاقه في اللعبة.

متجاوزاً للأعراف والتقاليد التي لا تسمح بالصفير والضجيج على الأسطحة أو بالإطلالة على منازل الجوار، يقف صاحب الكشة بعصاته التي تنتهي بقطعة قماش ملوحاً بها لسربه المحلق، تترافق حركاته بالعبارات والصفير الذي يتجاوب معه الحمام.

ويلجأ ممارسي هذه الهواية إلى التلويح بحمامة تدعى في مسميات المهنة “الفرفوحة” وتكون عادة أنثى لأقوى ذكور السرب، وهو ما يجعل السرب يعود إلى القن، فحين تصفق “الفرفوحة” بجناحيها يندفع الذكر إلى الهبوط الفوري لقن الحمام أو إلى كتف صاحبه بالقرب من أنثاه ويتبعه السرب كله.

“عندما أصعد إلى السطح وأجلس بين الحمام وأرمي له الذرة، ينتابني شعور بالسعادة، وأبتعد عن العالم بأسره، حتى أنني أنسى القصف والمفخخات وغيرها”

وتعتبر أسراب الحمام في السماء كأنها في معركة بالنسبة لأصحابها، فلطالما ينضم أحد الطيور من أحد الأسراب إلى سرب آخر وينسجم ويهبط معه ليقوم صاحب السرب الرابح بإمساكه وهو ما يشكل غاية المتعة له، هذه الخسارة هي ما يتجنبها أصحاب المهنة، وهو السبب في ملاحقة سربهم أثناء الطيران وإنزاله فور شعورهم بالخطر حين يتشرذم السرب.

ويوضح “العلي” أن طيران سربه واصطفاق أجنحته وانسجام حركاتها في الجو بجانب بعضها هو مشهد يجعله يشعر بأنه “يملك الدنيا”، كما أن طيرانها بحرية دون قيود بحيوية وكعائلة واحدة تشعره بأنه يشاركهم في ذلك التحليق.

وبابتسامة عريضة يستقبل “العلي” سربه بعد هبوطه كاملاً لم ينقص فردا منه بعد جولة كبيرة، مشيراً إلى أصالة سلالة طيوره، معتبراً أن تلك العودة انتصارا على باقي مربي الحمام في المنطقة، الذين يحاولون جذب طيوره إلى أقفاصهم، من خلال إطلاق طيورهم أثناء تحليق سربه لتصل المناورات بين السربين والمبارزة بين أصحابها إلى أوجها حين تداخل السربين.

يصف مربو الحمام طيورهم بصفات مبالغ فيها تنعكس فيها محبتهم وتعلقهم بتلك الطيور، والتي تقنع الناظر إليها بالوداعة والسلام، لكنهم يتجاوزون تلك الصفات إلى صفات أخرى كما يقول أحد مربي الطيور: “منذ 15 عاما وأنا أربي الحمام، والحمام طيرُ حساسُ وذكيُ جداً، يحفظ مكانه والسطح الذي يعيش عليه جيدا ويعود له من مسافات بعيدة جدا، مخلص لعائلته ونبيل، ولذلك فإن المربي حين يقتني طيراً جديدا يقوم بتزويجه من حمامة ليخلف منها فراخاً ويتعلق بهم، وهو ما ينسيه مكانه القديم”.

“يصف مربو الحمام طيورهم بصفات مبالغ فيها تنعكس فيها محبتهم وتعلقهم بتلك الطيور، والتي تقنع الناظر إليها بالوداعة والسلام”

تجارة الحمام مهنة تتراجع

يحرص مربي الحمام على تلقي طيورهم للقاحات والأدوية بشكل منتظم، وذلك تجنباً للأمراض التي تصيبها وتنتقل بالعدوى بينها بشكل سريع، لا سيما الأمراض الموسمية التي تصيب الحمام، والتي يجب معالجتها بشكل سريع وإلا ستكون العاقبة خسارتها كمرض “سل الطيور، وزكام الطيور، وحمى الطيور، ومرض الجمرة”، وسط صعوبات في تأمين الدواء بسبب ظروف الحرب، حسب ما أكده “يحيى العمر” أحد مربي الطيور من الحي الشمالي بمدينة إدلب.

ونوه “العمر” أن تجارة الحمام كانت قبل الثورة السورية مزدهرة بشكل كبير ولم تكن مقتصرة على الداخل السوري فقط، بل كان لها سوقاً خارجية تصل للدول المجاورة كالعراق ولبنان وغيرها، ولكن المهنة تراجعت بشكل حاد بعد الثورة نتيجة للقصف الذي يهدم البيوت والشظايا والاشتباكات، كما بيعت معظم الطيور إلى الخارج وهي أفضل أنواع الحمام السوري بسبب حالة النزوح واللجوء التي طرأت على السوريين ولم يعودوا قادرين على الاستمرار برعاية طيورهم.

ورغم كل شيء ما تزال أسراب الحمام تملأ سماء سوريا، وما زال البعض من محبي الحمام يمارسون هوايتهم، كما أن تجارته ما تزال تدر الربح الوفير على أصحابها وقد صرح العمر بأنه خلال الشهر الماضي قد جنى ربحا يقدر بـ 100 ألف ليرة سورية من تجارة الحمام.

أسعار طيور الحمام وأنواعها:

يجلس أحمد الحمدو أحد أبناء مدينة ادلب على سطح منزله يراقب ويتأمل بهدوء تام طيور الحمام خاصته مشيراً إلى أن هناك عدة أنواع لطيور الحمام، ولكل منها مزاياه وصفاته، منها الحمام العادي الذي يربى للأكل، وهناك الحمام الزاجل ذو القدرة العالية على الطيران لمسافات طويلة تصل لأكثر من 5 آلاف كيلو متر بالإضافة لذاكرته القوية في حفظ مكانه، ويتراوح سعره ما بين الألف ليرة سورية والخمسة عشر ألف ليرة سورية.

وينوه الحمدو إلى الفروقات الكبيرة في أسعار الحمام فما بين سعر زوج “المشيمشي” الذي يمكن أن يصل سعره للمليون ليرة سورية، إلى “شكلي” و “بايملي” الذي يصل ثمن الزوج منه إلى 500 ألف ليرة سورية، كما أن هناك “الحردوني” و “أبيض بذنب” يصل سعر الزوج منهما للـ 400 ألف ليرة سورية، إضافة لزوج “العرجيني” 250 ألف ليرة سورية، ويلعب لون الطائر وجسده وطول رقبته ومنقاره وأرجله وحجمه وعيناه دورا كبيرا في تحديد سعره.

ويوجد أنواع أخرى من الحمام ذات ثمن عادي كالمرقع أصفر، عباسي أزرق، بلجيكي، كشميري، هندي، قرنفلي أزرق، مطوق أزرق”، بعضها اكتسب تسميته من موطنه الأصلي كالهندي والبلجيكي على حد زعم الحمدو.

وللحمام أدوات زينة يقوم المربون بتزويد طيورهم بها، وهي عبارة عن خلاخل وأساور في الأرجل وحلق يعلق في جلد الحمامة في رقبتها، كما يداوم أصحابها على تنظيف حظائرها وتزويدها بالطعام والمياه، وإضافة لأمكنة للجلوس ومراقبتها في ساعات انفرادهم بها.

رغم ما أكده العرف عن كذب الحميماتية وعدم قبول شهادتهم بعيداً عن حقيقة القانون الذي لم يأت على ذكر ذلك، إلا أن أصحاب الحمام ينفوون تلك التهم عنهم ويؤكدون أن من يعاشر الحمام ويتآلف معه لا يمكن أن يسيء إلى البشر.

 

 

محمد المحمود / زيتون

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى

منوعات عنب بلدي

“أي سي ميلان”.. أكاديمية كرة قدم في الشمال