تجميع النازحين والمهجرين في إدلب.. هل ينجح في تشكيل مجتمع متكامل؟

منشور  سوريتنا

نحو 4 مليون نسمة في إ

أحد المطاعم التي افتتحها مهجرون من ريف دمشق في مدينة إدلب (سوريتنا)

منذ بدء سيناريو التغيير الديمغرافي الذي فرضه الأسد خلال السنوات الماضية، سعى الى جعل محافظة إدلب الوجهة الأولى لمعظم اتفاقيات التهجير التي فرضها على سكان المناطق المهجّرة، لتتحول إدلب الى مكان يحتضن ملايين المهجرين والنازحين من مختلف المناطق السورية، وهو ما يطرح تساؤل مفاده: هل سيساهم تجمع النازحين والمهجرين في إدلب بدعم اقتصاد المنطقة وتعزيز النسيج الاجتماعي، أم سيضر بمصالح سكان إدلب الأصليين ويخلق خلافات اجتماعية جديدة؟

نشاط اقتصادي محدود وغياب للمشاريع

يقول فراس بكران أحد سكان إدلب لــ سوريتنا: “باتت الأسواق التجارية أشبه بمزيج من مختلف التقاليد السورية، وأصبح للحرفة الواحدة عشرات التجار وأصحاب المهن، حيث تعيش المنطقة تنافسات اقتصادية أضرت بمصالح السكان الأصليين في الشمال، من خلال افتتاحهم لمشاريع مشابهة فرضتها الظروف الأمنية السيئة وعدم رغبتهم بافتتاح مشاريع كبيرة غير موجودة في الأسواق”.

وساهم التهجير القسري إلى إدلب في ارتفاع أسعار إيجار العقارات، نتيجة الطلب الكثيف على المنازل والمحلات، حيث يتراوح ايجار المنزل بين 45 – 70 ألف ليرة سورية، والمحل التجاري بين 20 – 50 ألفاً، إضافةً لدفع ثلاثة شهور مقدماً ومبلغ للتأمين.

وهذا ما أكده عبد القادر، من مدينة حرستا بقوله “فقط لأنك مهجّر من مدينتك يتم استغلالك، فبعد أن كان إيجار المحل 30 ألف ليرة سورية، يطلب مالكه اليوم 65000 ليرة، وما فاقم المشكلة أكثر ارتفاع نسبة البطالة بين المهجرين وعدم القدرة على تأمين فرص عمل”.

بينما يرى عامر كشكش من سكان مدينة إدلب، أن “تهجيّر السوريين إلى الشمال ساهم في انتعاش اقتصاد المنطقة من خلال ارتفاع معدلات البيع والشراء والمبادلات التجارية، وافتتاح بعض النازحين ورشات صغيرة أو محلات وتشغيل أيدي عاملة فيها”.

ويرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم، أن “استمرار النشاط الاقتصادي الغير منظم وتضارب المصالح الاقتصادية في ظل غياب أي نظام اقتصادي في مناطق المعارضة، سيؤدي إلى أثار سلبية منها تردي الأوضاع المعيشية والاتجاه نحو العسكرة، وخضوع الجميع لوطأة السلاح لفرض حاجاته، وصولاً إلى مرحلة حرب العصابات”.

“باتت الأسواق التجارية أشبه بمزيج من مختلف التقاليد السورية، وأصبح للحرفة الواحدة عشرات التجار وأصحاب المهن، حيث تعيش المنطقة تنافسات اقتصادية أضرت بمصالح السكان الأصليين في الشمال، من خلال افتتاحهم لمشاريع مشابهة”

 “تهجيّر السوريين إلى الشمال ساهم في انتعاش اقتصاد المنطقة من خلال ارتفاع معدلات البيع والشراء والمبادلات التجارية، وافتتاح بعض النازحين ورشات صغيرة أو محلات وتشغيل أيدي عاملة فيها”

مصاعب جمة أمام المشاريع الاقتصادية

ويعاني المهجّرون قسراً إلى الشمال السوري من ضعف الإمكانيات المادية، نتيجة حصار استمر لسنوات اعتمدوا خلالها على المزروعات المنزلية والسلل الإغاثية، ليجدوا أنفسهم في مواجهة صعوبات جمة حالت دون قدرتهم على افتتاح مشاريع اقتصادية تعينهم، كالفوضى الأمنية وعمليات التصفية العسكرية، وتخبط في القرارات السياسية.

وأوضح الكريم أن “أغلب المهجرين والنازحين يملكون القليل من المال، ممن تم ادخاره للعبور إلى الأراضي التركية بطرق غير شرعية، ومازال معظمهم حتى اللحظة يعتمد على السلل الإغاثية، على الرغم من أنهم أصحاب مهن وحرف تجارية مميزة، لكن هدفهم الأول للخروج من مُدنهم الوصول إلى تركيا مهما تطلّبت من تكلفة مالية”.

وأضاف الكريم أن “المنظمات الإغاثية والدولية لم تعمل طوال السنوات الماضية على منح مشاريع حقيقية، سواءً أكانت مشاريع صغيرة أو متناهية الصغرّ، لعدم وجود سلطة سياسية تمنح مناطق المعارضة صفة الاستقرار، فكانت الأراضي التركية المكان الأفضل لإقامة تلك المشاريع”.

ورغم كثافة المهجرين والنازحين الذين يملك كل منهم مهنة ما، إلا أن النشاط الاقتصادي في إدلب لا زال محدوداً، وعزا ذلك أبو معتز لبابيدي صاحب ورشة حدادة في المنطقة الصناعية بإدلب، الى “القصف العنيف للطيران الحربي في الفترة السابقة على المحافظة، حيث أن تردي الوضع الأمني جعل كل من يفكر في إقامة مشروع كبير أو صغير بالعزوف عن مشروعه لعدم ضمان مستقبل الاستمرارية أو الخشية من قصف المنشأة”.

“استمرار النشاط الاقتصادي غير المنظم وتضارب المصالح في ظل غياب نظام اقتصادي في مناطق المعارضة، يؤدي إلى أثار سلبية، منها تردي الأوضاع المعيشية والاتجاه نحو العسكرة، وخضوع الجميع لوطأة السلاح لفرض حاجاته، وصولاً إلى مرحلة حرب العصابات”

كيف يمكن تعزيز النشاط الاقتصادي؟

يقول الباحث يونس الكريم “لو أردنا رسم سيناريو لعمل مشاريع تهدف لتطوير واستقرار المنطقة الشمالية اقتصادياً واستثمار فئة المهجرين، لا بد من تواجد عدّة شروط أولها توفر حكومة وممثلين عن المناطق تتعامل مع المنظمات الإغاثية ومنظمات المجتمع المدني لدعم المشاريع الصغيرة، إضافةً الى ضرورة الاهتمام بموضوع النقد الواجب التعامل فيه، والحدّ من موضوع التخبط في دعم النقد واختياره، وما ينتح عنه من عدم صلاحيته للاستثمار من قبل المنظمات”.

وأضاف الكريم “كما يجب العمل على تأمين مستلزمات المشاريع من قبل الحكومة التركية، وتعهدها بحمايتها من قصف قوات النظام ومن الفصائل العسكرية على الأرض، ومحاولة جذب بعض الحرف بإقامة دورات تدريبية، والاهتمام بالجانب النقدي للعملة المتداولة، وكيفية التداول”.

وتابع قائلاً: “من المتوقع أن تُبرم المنظمات اتفاقيات مع الحكومة التركية لاحقاً، لتأمين المواد الأولية لدعم الصناعة في الشمال السوري، الأمر الذي يضمن دعماً للاقتصاد التركي، وتكون تركيا صاحبة المصلحة في استمرار تلك المشاريع والرقابة عليها، وإيقاف استيراد المواد الأولية من مناطق النظام”، مشيراً الى أن “النظام سيسعى لإفشال تلك المشاريع، عند معرفته بأن مناطق المعارضة تتجه نحو الاستقرار”.

في حين يرى باسل تناري، المسؤول المالي في إحدى منظمات المجتمع المدني الفاعلة في إدلب، أن تطوير الشمال اقتصادياً، يتطلب تكاتف المنظمات مع المجالس المحلية والحكومة، لتقديم المشاريع الصغيرة التي تهدف لإيصال الخدمات للسكان من (مياه، كهرباء، صحة، الخ..)، إضافةً إلى إقامة مشاريع كورشات الخياطة، التي يمكن خلالها توظيف الأيدي العاملة”.

وأضاف باسل أن “وجود مئات الآلاف من المهجرين والنازحين في بقعة جغرافية واحدة سلاح ذو حدين على الوضع الاقتصادي، الأول عدم استيعابهم وتوفير فرص العمل لهم، وذلك سيشكل كارثة اقتصادية عليهم وعلى السكان الأصليين، أما الثاني فهو إتاحة الفرص لهم ومساعدتهم في إضافة خبراتهم وفتح مجالات اقتصادية أوسع غير موجودة في الشمال”.

التهجير القسري لم يفكك النسيج الاجتماعي

حرص سكان الشمال السوري منذ بدء مسلسل التهجير، على استقبال المهجرين والنازحين، من مختلف المحافظات السورية بشتى الطرق المتاحة، وشهدت الأسواق التجارية لافتاتِ تضمنت منح الثياب والطعام بشكل مجاني للمهجرين.

ومع تكوين نسيج اجتماعي جديد، بدأ المهجرون بالتأقلم مع واقعهم الجديد والبحث عن حياة كريمة بعيداً عن حصار دام لسنوات، لتجد الشامي والحمصي والحلبي على مائدة واحدة يتبادلون قصص وذكريات حياتهم السابقة.

كما لم يتوقف الاندماج المجتمعي عند المحال التجارية، بل شمل أيضاً حالات زواج بين أبناء المحافظات السورية، وكانت العراضة الحُمصية والشامية تصدح بأصواتها في أكثر من حفل زفاف، بين مهجرين وسكان المنطقة.

يقول محمد سلامة أحد مهجري ريف حمص: “بطولاتنا سبقت عاداتنا، سنوات من الحصار كانت كفيلة بأن يعجز النظام عن اقتحام المدن الثائرة، واليوم بدأنا حياة جديدة ويجب أن تستمر، لم نُعد نفرق بين أبناء المحافظات، فجميعنا أصبحنا في موطن واحد.

في المقابل، يشهد الشمال السوري، بين الحين والأخر، شجارات واقتتالاً بين قلّة من المهجرين والسكان الأصليين، تتطور لاستخدام الأسلحة النارية وسقوط جرحى، ما يدفع بالقوة الأمنية للتدخل، وهذا ما برره سلامة بقوله: “لا يمكن القول إن هناك اتفاقاً تاماً بالعادات والتقاليد، فهناك سمة عامة للتقاليد لدى السوريين، ولكن لكل منطقة عادات مختلفة عن الأخرى”.

وأضاف “تحولت مناطق المعارضة لتجمعات للمهجرين، يدافعون عن بعضهم البعض ويقيمون في نفس المنطقة السكانية، لكن بالتالي لا يمكن مخالفة عادات وتقاليد السكان الأصليين، بل يجب العمل على الدمج بين مختلف العادات والتقاليد وصهرها في كيان واحد منعاً لحدوث تفرقة”.

محطة أخيرة أم انتظار لوجهة أخرى؟

وفي ظل عدم استقرار الوضع الأمني والاقتصادي في إدلب، يبرز التساؤل الأهم: هل تكون إدلب محطة النازحين والمهجرين الأخيرة، أم أن هناك وجهة أخرى يرغبون بالاستقرار فيها؟، ويرى الباحث الاجتماعي خالد سميح أن “لا أحد من النازحين والمهجرين لديه رغبة بأن يستقر دائماً في إدلب، فالجميع قلبه وعقله متعلق ببلدته ومدينته، ويأمل أن يعود إليها، ولكنه يضطر للتأقلم حالياً مع وضعه الجديد على أمل حدوث أي تسوية أو تغيير سياسي يتيح له العودة الى بيته”.

وأضاف سميح “من وافق على التهجير وعدم التسوية لدى النظام والبقاء في بيته، ليس ليستقر في إدلب، وإنما لتكون بوابة له للدخول بطريقة ما الى تركيا، وربما الإكمال الى أوروبا”، مضيفاً أن “مصير إدلب لا يزال مجهولاً في ظل الحديث عن امكانية فتح النظام معركة لاستعادة إدلب كباقي المناطق رغم وجود نقاط المراقبة التركية، التي لم تكن رادعاً لوقف القصف، والدليل المجزرة التي حصلت قبل أيام في زردنا”.

يوافق يحيى علاء الدين، من مهجري قدسيا، الباحث سميح في وجهة نظره، ويقول “تم تهجيري مع عائلتي قبل أكثر من عام بقينا في إدلب لعدة أشهر، ولكن عانينا كثيراً من ظروف صعبة، فأجرة المنزل مرتفعة وليس هناك مصدر دخل، فقررنا الدخول الى تركيا بطريقة غير شرعية، وهنا تمكنت أنا وأخوتي من تأمين فرص عمل، وأصبحنا قادرين على تأمين دخل وحتى توفير بعض المال”.

 

يبلغ تعداد سكان الشمال السوري (محافظة إدلب وريف حماة الخاضع لسيطرة المعارضة)، 3.695 مليون نسمة، بحسب إحصائية نشرها مكتب التنسيق والدعم التابع لمنسقي الاستجابة بالشمال السوري نهاية أيار الماضي.

ووفق الإحصائيات فإن عدد السكان الأصليين يبلغ 2.35 مليون نسمة، منهم 900 ألف نسمة هم سكان المناطق الأمنة نسبياً الذين لم يتعرضوا للنزوح حديثاً، و600 ألف عدد النازحين القدامى في مخيمات رسمية وغير رسمية، و50 ألف نسمة عدد النازحين نتيجة الحملة العسكرية الأخيرة على أرياف إدلب وحماة وحلب ضمن المخيمات الرسمية وغير الرسمية.

ومنهم 550 ألف نسمة نزحوا داخلياً بسبب القصف وغارات الطيران الحربي، و250 ألف نسمة نزحوا نتيجة الحملة العسكرية والقصف والغارات الجوية على أرياف إدلب وحماة وحلب.

كما أحصى مكتب التنسيق والدعم 1.2 مليون نازح من المناطق الشرقية وحلب ودمشق وريفها، فضلاً عن سكان أصليين يقيمون في مناطق النظام عادوا إلى منازلهم.

كما بلغ عدد النازحين حديثاً من مناطق جنوب دمشق والغوطة الشرقية 48633 نسمة، ومن ريف حمص الشمالي وحماة الجنوبي 32257 نسمة، في حين بلغ عدد اللاجئين العراقيين والفلسطينيين 53000 نسمة، بالإضافة لـ 12000 نسمة نزحوا من مناطق متفرقة.

 

هاني العبد الله / سوريتنا

“سورية الصغيرة” تعج بالمهجرين وتعاني صعوبات في تأمينهم

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى

منوعات عنب بلدي

“أي سي ميلان”.. أكاديمية كرة قدم في الشمال