اُعتقل مرتين والسبب.. “أكلة المقلوبة”

منشور  زيتون

تخفي معتقلات وسجون النظام الكثير من القصص المأساوية الفظيعة

الصورة تعبيرية

“هل علمت زوجتي ووالدتي بالخبر؟، كيف كان وقعه عليهما؟، هل سيؤثر ذلك على زوجتي، ربما تلد في وقت مبكر، وربما لن أعيش اللحظات الأولى لابنتيّ في هذه الحياة، وقد لا أراهما أبداً، وربما لن تأتيا إلى هذه الدنيا بعد أن تسمع أمهما بالخبر”، كانت هذه الخواطر الأولى التي راودت عمار في بداية اعتقاله.

في أوائل شهر آذار 2012، على أحد حواجز الأمن العسكري في طريقه إلى حلب، فوجئ عمار بطلب عناصر الحاجز منه النزول من الحافلة، ليتم نقله بعدها إلى فرع الأمن العسكري بإدلب.

يقول عمار لزيتون: “في ذلك اليوم دعتني حماتي للغداء، فاعتذرت منها لأنني كنت أنوي التوجه إلى مدينة حلب، لكنها أصرت على قدومي حرصاً منها على مشاركتي لهم بالأكلة التي أعشقها “المقلوبة”، والتي ما أن سمعت باسمها حتى وافقت على الحضور، لكن فور عودتي من حلب”.

لكن عمار لم يستطع الالتحاق بالعائلة، ولا حتى الوصول إلى حلب، لم يكن ذلك بمحض إرادته ولا بتخطيط مسبق منه، بل على العكس كان بمثابة صدمة له أوقعته أياماً مغيباً عما يجري حوله على الرغم من صحوته.

في هذه الأثناء كان جل ما يشغل بال عمار ويعزله عن كل ما حوله هو زوجته الحامل في شهرها التاسع بطفلتيه، والاحتمالات والمخاطر التي قد تتعرض لها، وهل يُعقل أن تخرج طفلتيه للحياة دون أن يكون موجوداً، وهو الذي انتظر قدومهما 9 سنوات، بينما كانت زوجته في الوقت ذاته تحاول الاتصال به والاطمئنان عليه دون جدوى، ودون علم لها بالأمر، وكأنها أحسّت به.

وتمنى عمار أن يخرج من السجن حتى ولو ساعات ليشهد ولادة طفلتيه، ولا بأس إن عاد إلى السجن بعدها، ومكث مهما مكث فيه، المهم أن يكون موجوداً ويعيش هذه اللحظة التي لطالما حلم بها وانتظرها.

لم ينفك عمار عن التفكير بعائلته ولا سيما بزوجته وطفلتيه اللتين لم يكن يعلم فيما إذا كانتا قد قدمتا إلى هذه الدنيا أم أنهما ما تزالان تنتظران مع والدتهما حضوره، إلا أن ذلك التفكير كان يقوده بالنتيجة إلى التفكير بوضعه، أين هو الآن ولماذا، وما هو المصير الذي ينتظره.

كان قد سمع الكثير عن المعتقلات، وعن ظروف ومصير المعتقلين، لكنه اليوم بات واحداً منهم، قد يُكتب له أن ينقل ما عاشه وسيعيشه في زنازين النظام، وقد تُخفيه جنباتها.

يروي عمار ظروف اعتقاله بقوله: “أدخلوني إلى مهجع في فرع الأمن العسكري يوجد فيه نحو 120 معتقلاً، قضيت أكثر من سبعة أيام واقفاً لعدم وجود أماكن للجلوس بسبب الازدحام في المهجع، كنا ننام واقفين، فحتى في أكثر أماكن الظلم والقهر لا توجد رحمة بين الناس المظلومين تجاه بعضهم البعض، أنت جديد لا يحق لك الجلوس”.

ويضيف “عمار”: “في الساعات الأولى لدخولي المهجع، بدا المعتقلون وكأنهم يحتفلون بي، ويحاولون التخفيف عني، وكل منهم يدعوني للجلوس مكانه أو قربه، غير أن ما اتضح لاحقاً عكس ذلك، إذ كانوا يتوقون لسماع أخبار العالم خارج جدران المعتقل، وما أن يحصلوا على ما يريدون سماعه حتى يتغيرون، شعرت بالغربة وبوقع الحدث وانعزلت عنهم جميعاً وانشغلت بأفكاري”.

بعد ثلاثة أيام من دخوله المعتقل، ونتيجةً لقلة النظافة والازدحام وقلة الطعام الذي كان عبارة عن وجبة واحدة في اليوم، مكونة من رغيف خبز يابس، وفي أفضل الأحوال عليه ملعقة من المربى أو اللبن، فضّل استبدالها بشربة ماء، فأُصيب عمار بالحمى.

يقول عمار: “عندما تصاب بنوبات الحمى أو الهلوسة، يتبادر إلى ذهنك أفكار غريبة، فأنا مثلاً أصبحت أظن أن أحد المعتقلين وهو شخص ضخم، كان دائم الوقوف في منتصف المهجع ليلاً ونهاراً، ضابطاً من الفرع يراقب المساجين، وكم تخيلت نفسي أذهب إليه لأسأله كم المدة التي سنقضيها في المعتقل، وفي الواقع لا أعلم إن كنت قد سألته فعلاً أم لا خلال فترة مرضي”، مضيفاً: “كلما نادى السجان على أحد المعتقلين، كان يُخيّل إليّ أنهم سيقتلونه، ولا سيما إذا ترافق النداء مع موعد إحضار المياه إلى المهجع، وطلب السجان “البيدونات” لتعبئتها بالماء، فكان يخيل لي أنه يأخذها لتعبئتها بدماء المعتقلين لكي لا تتسخ أرض المهجع”.

عمر الشخص الوحيد في المهجع الذي ساعد عمار في مرضه، فكان يجلسه في مكانه ويسكب عليه الماء حتى تنخفض حرارته، وبقي على هذه الحال عدة أيام، نُقل بعدها عمر إلى سجون دمشق، وترك مكانه لعمار.

بعد نحو أسبوعين من اعتقاله نادى السجان باسمه للتحقيق معه، كان الذهاب إلى التحقيق فرصة لاستنشاق بعض الهواء النقي وفرصة أخرى لتناول وجبة إضافية.

في تلك الأثناء كانت قوات النظام تقتحم مدن وبلدات ريف إدلب، وكان كل يوم يدخل السجن معتقلون جدد من الأماكن التي تدخلها قوات النظام، وأصبح عدد المعتقلين يتزايد كل يوم في المهجع، وعندما يصبح العدد أكثر من 150 شخصاً، يحدث نقص كبير في الأوكسجين، لدرجة أنه إذا تم إغلاق الفتحة الوحيدة الصغيرة في باب المهجع تبدأ حالات الإغماء ويتساقط المعتقلون واحداً تلو الآخر.

فُتح باب المهجع في صباح أحد الأيام، وأدخل 15 معتقلاً جديداً، وكانت المفاجأة أنهم من أبناء بلدة عمار، وكان بينهم مسنون وشباب بالإضافة إلى طفل لم يتجاوز الـ 13 من عمره، فقام عمار بتنظيم دور لجلوسهم مكانه، وكان يترك لنفسه وقتاً للجلوس، وأكثر ما أثر فيه شاب دعاه أكثر من مرة للجلوس قليلاً لكنه كان يرفض، ويقول له “كلها كم يوم ومنطلع”، ولكن هذا الشاب لم يخرج من المعتقل حتى اليوم، بينما أُطلق سراح عمار بعد 23 يوماً من اعتقاله.

جل هم عمار كان تذكر أسماء المعتقلين وأرقام هواتفهم ليطمئن أهاليهم عنهم، وذلك بعد أن اطمأن أن طفلتيه بالفعل تنتظران قدومه، وبعد أسبوع من خروجه من المعتقل ولدت زوجته، وكانت رؤية طفلتيه لحظة ولادتهما هي الأمل الجديد الذي أنساه عذاب المعتقل.

الاعتقال الثاني.. والمقلوبة من جديد

اضطر عمار للانتقال إلى مدينة إدلب بعد 6 أشهر من إطلاق سراحه، وذلك بسبب نقل مقر عمله إلى هناك، وفضل عمار الإقامة في المدينة على المرور على حواجز النظام كل يوم، وأمضى نحو سنة ونصف في المدينة لا يغادرها إلا في الأعياد، حيث يذهب إلى بلدته ويرى أهله، وفي أحد أيام الخميس، كان مقرراً عدم النزول إلى بلدته، فاتصلت والدته ودعته للنزول، فاعتذر منها، ولأنها تعرف أكلته المفضلة، قالت له: تعال وسوف أطبخ لك مقلوبة اليوم.

وافق دون تردد، وبعد نهاية الدوام الرسمي نزل إلى البيت ليصطحب زوجته وطفلتيه إلى الكراج، وعند أول حاجز، طلب منه عنصر الحاجز النزول من السيارة، وتم اقتياده إلى فرع أمن الدولة، وكان ذلك في تشرين الأول 2013.

وضعوه في منفردة متر بمتر يوجد فيها نحو عشرة معتقلين، أمضى فيها يومين واقفاً على قدميه، وأرجله تغوص في المياه الآسنة، ثم نقل إلى مهجع آخر، وبسبب المياه الوسخة، أصيب بتقرحات في قدميه، ورُبّ ضارة نافعة، إذ كانت هذه الأعراض على الرغم من ألمها هي ما ساعده في هذا المكان، فعندما شاهد السجان قدميه طلب منه الجلوس ورفع قدميه على الحائط لينزل الدم إلى الأسفل.

أبو محمد جار عمار في البلدة اعتقل أثناء اصطحاب والدته إلى المشفى الوطني في إدلب، وكان أبو محمد ضخماً وذو بنية قوية، أخبر المعتقلون عمار أن شخصا من بلدته موجود في المهجع الآخر وهو مريض، فطلب من السجان نقله إلى هناك، كان أبو محمد مصاباً بالحمى ودرجة حرارته مرتفعة جداً، حاول تخفيض حرارته بسكب الماء عليه والاهتمام به وتأمين مكان ليجلس فيه حتى استعاد عافيته.

بينما وصلت الحمى بعبد الرحمن أحد المعتقلين إلى حد الهلوسة، فظن نفسه خارج المعتقل وقد تمكن من أسر أحد عناصر الأمن، فسحب السجان إلى وسط المهجع ورماه أرضاً وجلس فوقه، وصار ينادي على المساجين: “تعالوا مسكت شبيح”، فقام المعتقلون بإنقاذ السجان، وظل عبد الرحمن يعذب كل يوم لمدة أسبوع، لم يره عمار بعدها.

أما محمود شاب من مدينة إدلب وبديل عمار في مكان الجلوس، فقد كانا يمضيان النهار يتخيلون ماذا سيفعلون عند خروجهم من المعتقل، من الحديث عن الأماكن التي سيذهبون إليها إلى الحديث عن الأكل والحلويات، هكذا كانوا يقضون أوقاتهم، وبحكم أنهما قد دخلا المعتقل في الفترة ذاتها تقريباً، كانا يتوقعان أن يخرجا سوياً، فكانت كل أحاديثهم تدور حول مخططاتهما بعد إطلاق سراحهما.

تم التحقيق مع محمود وتحت التعذيب اعترف بقيامه بدوريات حراسة، لم تكن هذه تهمة بحسب المعتقلين القدامى، مثلها مثل التظاهر، وهذا ما دفع محمود للاستمرار بأحلامه مع عمار، وبعد يومين نادى السجان على عمار للتحقيق معه، وبالرغم من ثقل الاعتقال، إلا أن حال عمار هذه المرة كان أفضل من سابقتها، فهو على الأقل لا ينتظر شيئاً، ولا يحلم بلحظة، كما أن إخلاء سبيله في الاعتقال السابق منحه شيئاً من الثقة والتفاؤل بخروج سريع من اعتقاله الثاني.

كان المحقق قد قرأ ملفه ولم يستطع إثبات شيء عليه، عندما دخل عمار إلى غرفة التحقيق، طلب منه المحقق معلومات عن أهالي بلدته فأخبره أنه يقيم في مدينة إدلب، وليس لديه أية معلومات، فقدم له سيجارةً وفنجاناً من القهوة، كانت هذه ألذ سيجارة دخنها في حياته بعد انقطاع أيام عن التدخين، يقول عمار.

كان محمود وعمار يعدّان الأيام بعد التحقيق معهما، متعاهدين أن ينتظر أحدهما الآخر إذا خرجا في نفس اليوم، لينفّذا ما اتفقا عليه.

وفي صباح اليوم الحادي والعشرين لاعتقال عمار، فتح السجان باب المهجع منادياً باسمه، آمراً إياه بتجهيز نفسه للخروج، شعر عمار بغصة صديقه محمود، وقال له: سأنتظرك على الباب الرئيسي حتى المساء، لابد أن تخرج اليوم أيضاً.

كان حدس محمود يخبره أن لن يخرج اليوم فطلب من عمار الذهاب إلى بيته وعدم الانتظار، وفي النهاية اتفقا على أن ينتظر عمار لساعتين أمام الفرع على أمل أن يتم الإفراج عن محمود.

أمام الباب الرئيسي انتظر عمار لأكثر من ساعتين، ولم يخرج أي معتقل يومها، ليذهب عمار إلى منزله وعائلته، لكنه حرص على الاتصال كل أسبوع بأهل محمود لمعرفة أخباره، واستمر على هذا النحو لأكثر من ستة أشهر حين أخبرته والدة محمود أنه تم تحويل ابنها إلى دمشق، بعدها لم يعد عمار يعرف أي شيء عن محمود.

أكثر من 4 أعوام مرت على اعتقال عمار وإطلاق سراحه، لم ينسى فيها يوماً هؤلاء الذين شاركهم أياماً مضت عليهم وكأنها أعوام، وقصصاً وأحداثاً، ومواقف ومشاعر.

يقول عمار: “مازلت أتذكر كلماتهم الأخيرة (مشان الله لا تنسانا)، تتردد في أذني كل يوم مثل صوت الآذان، مثل نداء يومي من أجل الصلاة”.

تخفي معتقلات وسجون النظام الكثير من القصص المأساوية لمعتقلين انتهى بهم المطاف في الزنازين الموزعة على طول الأراضي السورية، ولم يخرجوا منها بعد، وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي الكبير وعدم السماح للمنظمات الحقوقية بالوصول إلى السجون السورية، إلا أنه حتى الآن تتسرب بين الحين والآخر قصص يرويها معتقلون ناجون، يتحدثون فيها عن مشاهداتهم وعن حال بقية المعتقلين الذين ما زالوا مغيبين.

 

 

زيتون 

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

سوريون يلعبون دور البطولة في الدراما العربية برمضان

منوعات سوريتنا

فيسبوك يتاجر ببيانات المستخدمين ويتحكم بتوجهاتهم ويتلاعب بمصائرهم