ثلاثة خناجر في خاصرة المسرح السوري

منشور  عنب بلدي

المنفى والاستبداد والتطرف

مسرحية "فيلم عير مكتمل عن النوارس" في اسطنبول - 22 كانون الأول 2017 (عنب بلدي)

يواجه المسرح تحديًا تزداد ضراوته جيلًا بعد جيل عالميًا، ليس فقط على مستوى التقنية ومنافسة التلفزيون والسينما له، بل حتى على المستوى السياسي الذي يضيّق خناق الحصار على الحرية كلما أتيحت له فرصة لذلك.

وربما تأتي رسالة اليوم العالمي للمسرح عام 2018، والتي قدمها خمسة مسرحيين مثلوا آسيا والعالم العربي وأوروبا والأمريكيتين وإفريقيا، من خلفية التفرقة التي تصدرت المشهد بعد تصاعد المد اليميني المتطرف في أوروبا، وهيمنة أنظمة الاستبداد والميليشيات الإسلامية المتطرفة في البلاد العربية.

سيطرة السوشال ميديا وسياساتها الاستهلاكية السريعة على الثقافة العالمية، والتي كانت بدورها حاملة لخطاب الكراهية ضد “الآخر”، إلى جانب الأوضاع السياسية، أسهمت ببناء جدران وعوائق جديدة بوجه المسرحيين، لا سيما العرب منهم، كون بلادهم كانت مسرحًا رئيسيًا للأحداث.

أسهم هذا الواقع بتعقيد استجابة المسرح وصنّاعه للأسئلة المصيرية حول المناخ الثقافي والإنساني، فالجدران والعوائق ليست ثابتة وواضحة ومحددة، إنما متغيرة باستمرار وبمكر تتناسب حدته مع عمق المأساة التي تطحن الأبرياء، ما جعل المسرح يقف في نقطة عمياء من مجتمعه.

إلا أن الفعل المسرحي بحد ذاته محاكاة لواقع أفضل يأمل الإنسان ببنائه، وبالرغم من أن ما يُقدم على الخشبة “تمثيل”، تبقى العلاقة القائمة بين المسرحي والجمهور علاقة صورة بانعكاسها على وجه المرآة، وإذا آمن طرفا هذه العلاقة بالـ “وهم” الذي يعرض أمامهم، فإن فرصة تحقيقه على أرض الواقع ستكون “حقيقية”.

بناءً على هذه المقدمة المستندة إلى الظروف السياسية المزرية في العالم، وكلمتي المسرحيتين مايا زبيب من لبنان، ووريوير ليكنغ من ساحل العاج، في الرسالة العالمية للمسرح هذا العام، تُحاول عنب بلدي البحث عن إجابة على بعض الأسئلة المتعلقة بالمسرح في سوريا، البلد الذي تصدّر نشرات الأخبار العالمية في السنوات الأخيرة.

“لم يوفر العمل المسرحي في المنفى مردودًا ماديًا يساعد القائمين عليه لتجميع بعضهم والتفرغ لمبادرات تطويرية، ما دفع بالكثير منهم للعمل في مجالات أخرى”

من الاستبداد إلى التطرف

“المستبد شقيق المستبد”، يعلّق المسرحي والصحفي السوري حسين برو، على الوضع السياسي المحيط بالمسرح في البلاد، في حديث إلى عنب بلدي.

لم يحظ المسرح السوري بمساحة حرة على مدار عقود إلا في الفترة الممتدة بين نهايات عام 2011 وحتى بدايات 2013، التي شهدت بروز بعض التجارب الفنية في المناطق المحررة، ويدعو برو هذه الفترة بـ “المرحلة بين مرحلتين”.

تصل فترة “الحرية” هذه بين تبعية المسرح للنظام السوري، الذي فرض شرط الحصول على موافقات نقابية وأمنية لتقديم أي مسرحية بكل مراحل حياتها، من الطلائع وحتى القبر، وبين ظهور الإسلاميين المتطرفين الذين هيمنوا على الساحة السورية، ومنعوا العمل المسرحي بتاتًا، بحسب برو.

خلال فترة الحرية، تمكن العديد من المغامرين ومحبي الفن من الخوض في تجربة تقديم أعمال مسرحية في مناطق المعارضة تُعبر عن المجتمع السوري ولا تتبنى خطاب سلطة معينة.

وبالرغم من أن قوى المعارضة خلال هذه الفترة لم تمنع أي عرض مسرحي، لكنها لم تقتنع أن الوقت مناسب للفن، بسبب الحملة العسكرية الشرسة للنظام عليهم، واعتبروا العمل الفني ترفًا غير مقبول، بحسب برو.

“فكرة الاستبداد لا تتجزأ، وفكرة الحرية يجب ألا تتجزأ”، يقول برو، الذي مارس العمل المسرحي خلال المراحل الثلاث، وصولًا إلى منع هذا النشاط في مناطق سيطرة تنظيم القاعدة وتنظيم “الدولة الإسلامية”.

وفي حين ارتكبت بعض وسائل “الإعلام البديل” خطأً بتصوير النظام والإسلاميين المتطرفين كقوتين متناقضتين، عمل كل منهما في الواقع على محاربة الهوية السورية وفكر التغيير الذي حاول السوريون ترسيخه.

المسرح في المنفى

بعد أن أحكم النظام قبضة الميليشيات على مناطق سيطرته، وهيمن الإسلاميون على بعض مناطق المعارضة، لم يبق أمام الناس سوى الفرار، ومن ضمنهم بطبيعة الحال الفنانون.

وفي المنفى “لم يكن هناك جهد حقيقي لتأسيس حالة مسرحية تواكب السوريين في منافيهم”، ويبدو أنه لم يكن هناك مفر من الوقوع بهذا الخطأ، بناءً على وضع المسرحيين السوريين في تركيا كما شرح برّو لعنب بلدي.

لم يوفر العمل المسرحي مردودًا ماديًا يساعد القائمين عليه لتجميع بعضهم والتفرغ لمبادرات تطويرية، لا سيما بالنسبة للهواة والفرق غير المدعومة من مؤسسات، ما دفع بالكثير منهم للعمل في مجالات أخرى. برّو وجد في الصحافة التي مارسها من قبل ملجأً لإعالة نفسه وعائلته في ظروف اللجوء القاسية.

كما دُفع ببعض المسرحيين الذين عملوا بالدراما للقبول بالمشاركة بأعمال ضعيفة، بسبب الحاجة المادية، بينما بقي المسرح بالنسبة لهم “طقسًا جميلًا”، وهو أشبه ما يكون بالـ “مهجور”.

لكن لم يخل الأمر من تجارب جادة ومميزة للسوريين في دول الجوار، كالتي قدمها عمر بقبوق في لبنان، أو حلا عمران ووليد قوتلي في تركيا، أو نوار بلبل في مخيمات اللاجئين في الأردن.

“السايكو دراما أو (المسرح النفسي) يلعب دورًا مهمًا في مراحل العلاج النفسي، ويشيع استخدامه في البلدان الأوروبية وبعض الدول العربية”

“السايكو دراما” يغيب عن الدعم النفسي

مع كل الأزمات التي واجهت السوريين في حياتهم، وانعكست على معيشتهم وحالتهم النفسية، ظهرت المنظمات التي اختصت بالدعم النفسي، وتوافرت فرصة مهمة لاستغلال الخبرات المسرحية للتشبيك مع الحدث والهم السوري، إلا أن شيئًا من هذا لم يحدث.

يلعب “السايكو دراما” (المسرح النفسي) دورًا مهمًا في مراحل العلاج النفسي، ويشيع استخدامه في البلدان الأوروبية وبعض الدول العربية.

إلا أن المنظمات السورية اكتفت بأنشطة مثل اللعب والرسم ومشاهدة الأفلام، بالرغم من التمويل “الضخم” الذي حصلت عليه، ولم تتفاعل مع أي مبادرة مسرحية ضمن برامجها، بحسب برو.

ويمثل المسرح النفسي المرحلة الثالثة من الدعم النفسي والأكثر تعقيدًا، بعد مرحلتي اللعب والرسم، ويقوم على أساس ورشة ينظمها مسرحي مختص مع الأطفال بالاعتماد على خطوط عامة، وبعد تدريب وبمشاركة المتضررين يعيد المسرحي كتابة النص بناءً على تجارب الأطفال الممثلين وبالتعاون معهم، لينتج في النهاية نوعًا من أنواع المسرح التفاعلي، وفي حال الفشل يتدخل الطب النفسي مع الطفل المتضرر، يشرح برو.

لكن المؤسسات المختصة غيّبت المسرحيين عن هذا العمل، للاستسهال أو للاستثمار في مجالات أخرى، ولم تتحمس أي من هذه المنظمات لعمل من هذا النوع، حتى مع تقديمه بشكل تطوعي ومجاني من قبل بعض المسرحيين.

كذلك المدارس السورية في ولاية غازي عنتاب التركية لم تقبل بعرض حسين برو بالرغم من تكفله بتقديم العمل كاملًا بالمجان، ووصل الأمر بأحد مدرائها إلى درجة طلب تعديلات “هائلة” على النص المشغول مع الأطفال لتذكيرهم بهويتهم السورية ولغتهم العربية، ليصب في مصلحة جهة معينة، لم يسمها برو.

يُتهم المسرحيون السوريون بغيابهم عن الساحة، وحصر إنتاجهم بطبقة واحدة من المثقفين، وعدم قدرتهم على الاشتباك بالسؤال السوري، هذا ما يراه المشاهد بشكل عام، إلا أن كواليس تجربة كالتي تحدث عنها حسين برو، بينت الصعوبات التي واجهت المسرحيين السوريين ماديًا وفكريًا، والتي أعاقت حركتهم أو حاولت تفريغها من معناها.

 

المسرح السوري وتنوع التجربة جغرافيًا

 وسيم الشرقي

أسهمت موجات الهجرة التي فرضت على السوريين بتغيير تجربتهم الحياتية والمهنية على عدة أصعدة، أحدها بطبيعة الحال التجربة المسرحية، لكن هذا التغيير بقي على مستوى أفراد، وفقًا لظروفهم من حيث مكان الاستقرار الحالي والعمل.

وربما يكون المقيمون الآن في دول غرب أوروبا أكثر حظًا من غيرهم، إذ تتاح لهم مشاهدة عدد كبير من العروض المسرحية النوعية، والاحتكاك بمؤسسات مسرحيّة عريقة ومستقرة، فضلًا عن فرصة حضور مهرجانات مسرحيّة مهمّة وضخمة.

قد توفر هذه الظروف فائدة ومتعة للسوريين المقيمين هناك، إلا أن رسوخ تقاليد العمل في المسرح الأوروبي، وابتعاد الصعوبات التي يواجهها عما واجهنا في سوريا أو من الممكن أن يواجهنا فيها مستقبلًا، قد يحدث في يوم ما نوعًا من الفجوة، بين الاستفادة من “التجربة الأوروبية” وإمكانية نقلها إلى سوريا.

أما في تركيا، فهي حالة خاصة برأيي، فتركيا أولًا تضم أقل عدد من المسرحيين السوريين، مقارنة بكل بلدان اللجوء، وبما يتناسب عكسًا مع عدد اللاجئين فيها، وهو الأعلى بين هذه البلدان، أو ربما يعادل مجموع عدد اللاجئين في بقية بلدان اللجوء مجتمعة. يضاف إلى ذلك حاجز اللغة الدائم بين صناع وجمهور المسرح الأتراك، ونظرائهم من السوريين. ففي حال تجاوزت كل الصعوبات المرتبطة بالإنتاج والتمويل، والمكان وغيرها، تواجهك صعوبة ضخمة جدًا من ناحية الجمهور الذي ستستهدفه كمسرحي.

الخيار المتبع عادة في التجارب المسرحية السورية القليلة هو تقديم عروض باللغة العربية فقط، وبالتالي فإن الجمهور سيقتصر على السوريين، وستبقى بهذه الحالة معزولًا داخل المجتمع التركي، دون استفادة من المسرح للمساعدة بكسر هذه العزلة الثقافية.

لذلك حاولنا في تجربتين قمنا بهما العام الماضي في اسطنبول أن تكون لغة العرض مزدوجة، أي بالعربية والتركية في الوقت ذاته، بمعنى أن الممثلين هم خليط من سوريين وأتراك، مع وجود ترجمة مباشرة للغتين.

ولكن حتى هذا الخيار كانت له صعوباته المرتبطة بالترجمة الفورية، وصعوبة متابعتها من قبل الجمهور، بالإضافة إلى ما ذكرته عن غياب الكوادر المحترفة من المسرحيين السوريين، فأصحاب الخلفية المسرحية الأكاديمية ممن كانوا مقيمين في تركيا غادروا بمعظمهم إلى أوروبا، والشابات والشبان المتحمسون للعمل المسرحي والمقيمون في تركيا الآن، تنقصهم الخلفية الأكاديمية بسبب لجوئهم من سوريا في عمر صغير، وبسبب شح إمكانية مراكمة تجربة مسرحية عملية في المشهد المسرحي التركي المنغلق على نفسه (وهذا حديث ذو شجون).

لذلك يبدو أنه لا بد من انتظار تخرج بعض السوريين ممن التحقوا بأكاديميات مسرحية في تركيا لنرى مشهدًا مسرحيًا سوريًا يتناسب مع كثافة وجودنا في تركيا، أو ربما يجب أن ننتظر فرض قيود أقل على حركة السوريين باتجاه تركيا، وبالتالي من الممكن أن يحدث تبادل خبرات بين المسرحيين السوريين المقيمين في بلدان أخرى، وبين الشابات والشبان المتحمسين للعمل المسرحي في تركيا، وما أكثرهم.

أما بالعلاقة مع لبنان فعلى الرغم من ضعف البنية التحتية المسرحية في العاصمة بيروت، مقارنة باسطنبول مثلًا، أو أي مدينة أوروبية صغيرة، فإن تجربة المسرحيين السوريين المقيمين في بيروت أكثر توازنًا بتقديري بالعلاقة مع كل من تكويننا المسرحي كسوريين، أو السياق السياسي- الاجتماعي للمكان الذي يعيشون فيه، فغياب حاجز اللغة في نوع فني كالمسرح قائم بمعظمه على النص المكتوب، جعل الشراكة الحقيقية بين كثير من السوريين ونظرائهم اللبنانيين، ومنذ ما قبل العام 2011 ، أمرًا مجديًا على مستوى النتيجة، زد على ذلك أن عددًا لا بأس به من المسرحيين السوريين المقيمين في لبنان يحظى من وقت لآخر بفرصة السفر للمشاركة في مهرجانات مسرحية أوروبية أو عربية، وبالتالي يطلع على ما يجري في “السوق المسرحي” إذا صح التعبير.

وإن كنت أجد تجربة لبنان أكثر توازنًا بالعلاقة مع نوع المشاكل والتحديات والجمهور، الذي سنواجهه في سوريا، إلا أنه بالتأكيد لكل تجربة مسرحية سورية اليوم، وبغض النظر عن بلد الإقامة، فائدة على مستوى فهمنا للمسرح، وآليات عمله في سياقات مختلفة، قد تقترب منا حينًا، وتبتعد أحيانًا أخرى، إلا أن الأثر النهائي لهذا الاحتكاك لا بد وأن يكون مفيدًا في يوم ما، لمسرحنا في سوريا، مع التذكر دائمًا أن استنساخ تجارب الآخرين قد يتعذر فعلًا في ظل ما يعيشه بلدنا اليوم، أو ما سيعيشه في المستقبل.

 

 

علي بهلول / عنب بلدي                                                                     للمزيد اقرأ أيضاً..

تاريخ المسرح

المسرح السوري يجذب الأتراك ويحرّك الأجواء الفنية في أورفا

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد