مخاض السينما التسجيلية المستقلة للثورة السورية

منشور  سوريتنا

شهدت ووثقت وكسرت الصمت..

المخرج باسل شحادة مع ناشطين في حي البياضة في حمص، كانون الأول 2011 الفيس بوك)

كسر الهتاف الأول للثورة احتكار النظام لصناعة السينما التسجيلية في سوريا، وأطلقت الاحتجاجات والمظاهرات العنان للناشطين والشباب لممارسة فعل السينما، ربما دون قصد أحياناً، فكانت عدسات الهواتف الذكية توثق الحدث في سوريا لحظة بلحظة، وتُبث على مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية على شكل صور ومقاطع فيديو، وعلى الرغم من عفويتها وبدائية معظمها، كان حاملو العدسات يؤسسون لمفهوم جديد للسينما الوثائقية والتسجيلية في سوريا.

نسترجع في هذا التقرير بعض البدايات الأولى لصناعة الأفلام الوثائقية السورية، التي قدمها مخرجوها بجهودهم المستقلة، وواكبت أحداث الثورة ومراحلها السلمية، بعيداً، للمرة الأولى، عن مقص الرقيب وخطوطه الحمراء، وساهمت في كسر الصمت المفروض على السوريين منذ عقود، وقدموا فهماً أعمق وسرداً مختلفاً للحكاية السورية عما حاول النظام تقديمه.

البداية من “الشارع”

أسس مجموعة من الناشطين والصحفيين مؤسسة أطلقوا عليها اسم “الشارع”، منذ العام 2010، بهدف دعم نازحي الجزيرة السورية نتيجة جفاف أراضيهم الزراعية، لتنتقل بعد اندلاع الثورة إلى صناعة الأفلام الوثائقية التي تعبر عن الحدث، وأنتجت أولى أفلامها في حزيران من العام 2011، بعنوان “تهريب 23 دقيقة ثورة”، والذي يعد من أوائل الأفلام عن الثورة السورية، وعرض في وسائل إعلام عربية، ومهرجانات عالمية.

صُوِّر الفيلم قبيل اقتحام قوات النظام لمدينة حماة في العام 2011، ومدته 23 دقيقة، ويبحث في الأسباب العميقة لاندلاع الثورة ضد النظام، ويربط بين ماضي المدينة وما تعرضت له في العام 1982، على يد الأسد الأب، وحاضرها الذي اشتعل تضامناً مع المدن الأخرى الثائرة في طول البلاد وعرضها، ليجسد الشعار الأول للثورة “الشعب السوري واحد” بشكل حقيقي وفعلي.

ويوثق الفيلم بدايات الحراك السلمي في مدينة حماة، من كتابة ورسم اللافتات تحضيراً للمظاهرات السلمية من قبل نشطاء المدينة، ساعين لكسر حواجز الخوف والقلق في داخلهم، قبل أن يكسروا حاجز خوفهم من النظام.

كما قدم المخرج عمار البيك فيلم “حاضنة الشمس”، 11 دقيقة، في تموز من العام 2011، وتناول فيه استشهاد الطفل السوري حمزة الخطيب، من خلال تفاعل المخرج وعائلته مع الأحداث.

ويعرض الفيلم تفاصيل حياة العائلة اليومية من مشاهدة أخبار المظاهرات في مصر على التلفاز لتتفاجأ العائلة بخبر مقتل الطفل حمزة الخطيب، وعُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان البندقية الدولي في العام 2011، ليعرض لاحقاً في أكثر من ثمانين مهرجان حول العالم، وحصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان “بوسان الدولي” في كوريا الجنوبية.

“خضعت السينما التسجيلية الجديدة، التي يصعب عدّها وحصرها، لتحولات وتغيرات جذرية، لتطور أدواتها وتدخل مجال الاحتراف، واستخدمت كافة الوسائل المتاحة لإظهار الإبداع البصري، كما حافظت في مجملها على رصد الملامح السورية، متجاوزة ما فرض عليها من قيود، وتخرج ما حجب ومنع، وتضعه بوضوح أمام عيون المتلقين”

سينما الخطر

مع تصاعد القمع الوحشي، وسيلان الدم جرّاء الاحتجاجات، كان الصحفيون والإعلاميون وحاملو الكاميرات الهدف الأول لقوات النظام، وذلك لمحاولاتهم كسر جدار الصمت ونقل الحقيقة عما يحصل في سوريا، فأمعن فيهم قتلاً واعتقالاً وتنكيلاً.

وبحسب إحصائيات رسمية، قتل خلال عامي 2011 و2012 أكثر من 120 صحفياً وإعلامياً في سوريا، ونستطيع الجزم هنا، أن معظمهم قضى إما حاملاً عدسته أثناء المظاهرات، أو بسببها داخل المعتقلات، ويحفل موقع “يوتيوب” بمقاطع فيديو يظهر فيها إعلاميون قتلوا أثناء تصوير وتوثيق أحداث الثورة، وبقيت كاميراتهم تعمل.

ومنهم نذكر المخرج السوري باسل شحادة، الذي تخلى عن دراسته الجامعية في الولايات المتحدة، وعاد إلى مدينته دمشق ومنها إلى مدينة حمص، التي كانت تشهد تصعيداً ضد المتظاهرين السلميين، ليكون شحادة جزءاً منهم، يشاركهم مظاهراتهم ويوثقها بكاميرته، قبل أن يقتل مع رفيقه أحمد الأصم، في قصف مدفعي على حي باب السباع في حمص.

وساهم باسل شحادة في إنجاز العديد من الأفلام الوثائقية، منها فيلم “أغاني الحرية”، في كانون الأول من العام 2011، الذي عرض مقابلات لعدد من المفكرين والناشطين السوريين والأجانب المؤيدين للثورة، أبرزهم الناشطة رزان زيتونة، والباحثان الأمريكيان نعوم تشومسكي ونورمان فينكلستين.

كما أخرج باسل شحادة مطلع العام 2012 فيلماً قصيراً بعنوان “سأعبر غداً”، وثق فيه معاناة سكان مدينة حمص من قناصين قوات النظام المنتشرين في بعض أبنية المدينة العالية.

وبدأ المخرج الشهيد أفلاماً، لم يسعفه الوقت على إتمام إنجازها، مثل فيلم “أمراء النحل” الذي صوره في شباط 2012، والذي يعتبر وثيقة تسجل بدايات الثورة وتشكيل التنسيقيات الثورية، أكمله المخرج دلير يوسف، بعد تجميع المواد المصورة، والعمل على إنجازها حتى تظهر بالشكل الذي ظهرت عليه أثناء عرضها الوحيد في مدينة إسطنبول التركية في الذكرى الثانية لاستشهاد باسل شحادة.

مخرجون بلا وجوه

كما ظهرت عدة أفلام بلا أسماء، كفيلم “الوعر نشيد البقاء”، والذي صورته فتاة مجهولة بشكل سري، في منطقة الوعر بحمص خلال شهر رمضان 2011.

واعتمد الفيلم على المشاهد الليلية في مدينة حمص أثناء إعداد الناشطين للمظاهرة، وفي الوقت نفسه تجول جنود النظام المدججين بالسلاح في الشوارع القريبة لمنع خروجها، لكن المظاهرة تحدت الجنود وخرجت رغماً عنهم.

ويروي الفيلم شهادات لأهل المدينة، ومنهم الناشط عبد الباسط الساروت، الذي ظهر محمولاً على الأكتاف في المظاهرة الليلية، لتنتقل عدسة الفيلم إلى ضوء النهار محمولة على دراجة نارية تمر عبر شوارع المدينة، يرافقها حديث أحد الناشطين عن بدايات انطلاق الثورة فيها.

ومن الأفلام المجهولة أيضاً فيلم “أشهد”، والذي أنتج في العام 2012، وبثته مجموعة تسمي نفسها “زندبيل”، مقدمين الفيلم إلى “كل إنسان مات شاهداً وموثقاً”.

ويقوم الفيلم على تجميع لمقاطع بصرية نشرت على “يوتيوب”، وربطها ببعضها في خط زمني، ويرافقها موسيقا تتصاعد وتروي قصة حاملي الكاميرات ومصوري هذه المقاطع، منذ مظاهرة الحريقة حتى لحظة توثيق لحظات مقتل بعضهم، مع بقاء كاميراتهم تعمل.

يوجه الفيلم رسالة بالغة المعنى تجلّت في اسمه “أشهد”، ما يعني تأكيد وتوثيق ما يحصل والشهادة بأنه صحيح، إضافة للفظ “الشهادة”، الذي ينطق به من شارف على الموت.

 الوثائقي الطويل

كانت الأفلام الوثائقية الطويلة التي أنتجت في السنتين الأولى من الثورة من صنع صحفيين يتبعون لوسائل إعلام عربية أو غربية، دخلوا بشكل سري إلى سوريا، بسبب عدم سماح النظام بدخول الصحفيين ووسائل الإعلام، سوى من المؤيدين لسياساته، إلا أن تلك الأفلام مهدت لظهور أفلام احترافية طويلة بأيادٍ سورية.

ويعتبر فيلم “سوريا في جحيم القمع” من أوائل الأفلام الوثائقية الطويلة عن الثورة السورية، وصوّرته الصحفية الفرنسية من أصل مغربي صوفيا عمارة، بعد تمكنها من التسلل إلى دمشق في آب من العام 2011.

ويبدأ الفيلم من إحدى المظاهرات الليلية في العاصمة، برفقة أحد الناشطين، ثم يصور الفيلم الشوارع والأسواق المكتظة برجال الأمن والشرطة، لاسيما قرب المساجد، تحسباً لخروج المظاهرات.

ثم تنتقل عمارة إلى مدينة الرستن، لتظهر أثناء الطريق تمثال حافظ الأسد المدمر، ودبابات جيش النظام وحواجزه في مدخل المدينة، وتتحدث عن أول المنشقين عن جيش النظام.

وتتوجه بعد ذلك إلى مدينة حماة، لتكشف مدى وحشية النظام في قصفه لمنازل المدنيين، وإطلاقه الرصاص الحي على المتظاهرين، واعتقالاته العشوائية وحملات التنكيل والقتل التي أرغمت الناس على دفن موتاهم في حدائق خلفية، بعد استهداف جنازات الشهداء بالرصاص.

ومن الأفلام الوثائقية الطويلة، فيلم “سوريا خارطة الخوف”، الذي أنتجته قناة “الجزيرة” عام 2011، ويتحدث عن التنبؤات بانطلاق الثورة ضد نظام الأسد، والمواجهة الوحشية التي اتبعتها قواته الأمنية في مواجهة الحراك السلمي.

ويقدم الفيلم في 57 دقيقة مزيجاً من مقاطع صورها طاقم الجزيرة، وأخرى صورها أناس عاديون في المناطق الثائرة.

 

ومع تنامي احتجاجات السوريين، وتصاعد عمليات التنكيل والتصعيد الأمني من طرف النظام، خضعت السينما التسجيلية السورية الجديدة، التي يصعب عدّها وحصرها، لتحولات وتغيرات جذرية، لتدخل مجال الاحتراف وتطور الأدوات من السيناريو إلى التصوير والإخراج، واستخدمت كافة الوسائل المتاحة لإظهار الإبداع البصري.

كما شهد بعضها خروجه من الإطار العام وجنوحه نحو الذاتي، إلا أنها حافظت في مجملها على رصد الملامح السورية متجاوزة ما فرض عليها من قيود، وتخرج ما حجب ومنع، لتضعه بوضوح وصراحة أمام عيون المتلقين.

 

خليفة الخليفة / سوريتنا

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد