إسقاط الطائرة الاسرائيلية.. فصل جديد في الصراع على سوريا

منشور  صدى الشام

جاء إسقاط الطائرة الاسرائيلية بنيران أطلقت من سوريا- وهو الحدث الأول من نوعه منذ ثمانينيات القرن الماضي- ليخرق عملية التصعيد التي بدأها كلٌّ من نظام الأسد وروسيا، على مدار الأيام الماضية عبر مئات الغارات الجوية التي استهدفت إدلب والغوطة الشرقية والتي حصدت آلاف القتلى والجرحى.

وعقب إسقاط الطائرة، سعت جميع الأطراف إلى التهدئة الميدانية، مقابل التصعيد السياسي، على قاعدة اعتبار كل طرف ما جرى انتصارًا له، حيث تحاول إيران وحلفاؤها إرساء “قواعد جديدة” للاشتباك مع إسرائيل، على نحو يقيّد من تحرّك الأخيرة في سوريا، بينما أكدت إسرائيل تمسّكها بموقفها الرافض لأي تغيير في قواعد اللعبة، بما يضمن لها مواصلة حرية الحركة في سوريا، طالما أن “التهديد الإيراني” لها من الأراضي السوريّة يتواصل.

مواقف

ويحاول محور إيران- نظام الأسد- “حزب الله” استثمار إسقاط الطائرة لفرض قواعد اشتباك جديدة مع إسرائيل في سوريا، حيث قال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني إن “النظام السوري” سيردّ على أي هجوم إسرائيلي بعد إسقاطه للطائرة الحربية الإسرائيلية التي اقتحمت الأجواء السوريّة.

واعتبر شمخاني أن إسقاط الطائرة الإسرائيلية من قبل الدفاعات الجوية السورية “غيّر معادلة عدم توازن القوى في المنطقة”، فيما وصف “حزب الله” اللبناني في بيان له إسقاط الطائرة الإسرائيلية بأنه ” بداية مرحلة استراتيجية جديدة تضع حدًّا لاستباحة الأجواء والأراضي السورية”، مضيفًا أن هذه التطورات ” تعني بشكل قاطع سقوط المعادلات القديمة”.

وفي الجانب الإسرائيلي، أكدت حكومة بنيامين نتنياهو أن إسقاط الطائرة لن يدفعها إلى تغيير سياستها في سوريا والقائمة على “حقها” في مهاجمة أي تهديد لها ينطلق من الأراضي السورية، خاصة ما تقوم به إيران في هذا البلد.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه اتفق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استمرار التنسيق الأمني بين الطرفين، وإن إسرائيل ستواصل التصدي “لأي اعتداءات” إيرانيّة من سوريا.

وكان نتنياهو بحث هذه التطورات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اتصال هاتفي بينهما، وقال بيان للكرملين إن بوتين أكد لنتنياهو ضرورة تجنب أي خطوات يمكن أن تؤدي إلى مواجهة خطرة جديدة في المنطقة.

بدروه قال يسرائيل كاتس، وزير الاستخبارات الإسرائيلي، إن حكومته بضربها مواقع إيرانيّة رئيسة في سوريا أرسلت رسالة واضحة إلى إيران، بأنها لن تتسامح مع أي وجود عسكري إيراني بالقرب من حدودها.

وحذر كاتس الإيرانيين بأنهم “يعبرون خطوطاً حمراء ويلعبون بالنار”، معتبرًا أن الوجود الإيراني في سوريا يشكل تهديدًا ليس لإسرائيل فحسب بل للمنطقة بأكملها، داعيًا جميع الأطراف الاقليمية والدولية للعمل معًا لمنع إيران من فرض نفسها في سوريا ودعم “حزب الله”.

وكانت إسرائيل شنّت هجمات واسعة النطاق داخل سوريا بعد إسقاط طائرة لها بنيران أطلقت من الأراضي السورية، شملت أربعة مواقع إيرانية وثمانية أخرى تابعة لقوات نظام الأسد.

في غضون ذلك، أكدت واشنطن مساندتها الكاملة لإسرائيل ضد أية تهديدات إيرانيّة.

وقال البيت الأبيض الأميركي إن “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد القوات السورية والمليشيات الموالية”، داعيًا إيران وحلفاءها لوقف “الأعمال الاستفزازية” والعمل من أجل السلام الإقليمي.

من جهته، أعرب أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش عن قلقه من تدهور الأوضاع في سوريا وسقوط 1000 قتيل خلال أسبوع، ودعا إلى وقف فوري للتصعيد بعد الغارات الإسرائيلية الأعنف عليها.

ورأى غوتيريش أن الشعب السوري يعاني من “أكثر الفترات عنفًا في 7 سنوات من النزاع”، مشيرًا إلى أنه “تم الإبلاغ عن سقوط أكثر من ألف ضحية بين المدنيين جراء ضربات جوية في الأسبوع الأول من شباط وحده”.

“مع اقتراب الحرب على تنظيم (داعش) من نهايتها، بات يمكن وضع التطورات الأخيرة في المشهد الميداني السوري ضمن محاولة القوى الإقليمية لتشكيل صورة سوريا المستقبلية وفق مصالح كل طرف”

تحليلات متباينة

وقد انقسم المحللون في تقييم التطورات الأخيرة في سوريا، إذ اعتبر بعض المحللين أن الضربات الإسرائيلية لمواقع عسكريّة إيرانيّة في سوريا قد تكون تمّت بالتنسيق مع روسيا في محاولة من الأخيرة لتحجيم دور إيران، والاستفراد بالملف السوري، فيما رأى آخرون أن العملية وإن كانت تمت برضًا روسي، إلا انها كانت بمبادرة إيرانية في محاولة لفرض قواعد جديدة للاشتباك مع إسرائيل في سوريا.

ويرى هؤلاء أن نظام الأسد وإيران يعملان بعد الانتهاء من تنظيم “داعش” على توسيع نطاق السيطرة على كامل الأراضي السورية، ومن هنا جاء تحرك قوات النظام إلى مناطق شرقي الفرات باتجاه نطاق سيطرة الميليشيات الكردية، وهي المحاولة التي أحبطتها الولايات المتحدة، ما دفع النظام إلى التراجع، واعتبروا أن ما جرى مع إسرائيل يأتي في الإطار ذاته، أي محاولة من النظام وإيران بعد أن استشعرا بالقوة لوضع حد للضربات الإسرائيلية داخل سوريا أو الحد منها، خاصة أنها باتت تستهدف على نحو متزايد في الآونة الأخيرة أهدافًا إيرانية، الأمر الذي يهدّد الوجود الإيراني في سوريا، ويضع استراتيجية طهران هناك في مهب الريح.

تقاسم النفوذ

والواقع أن الأطراف الاقليمية، وتحديدًا إيران وتركيا وإسرائيل، وهي فاعل رئيسٌ في المشهد السوري، باتت اليوم تتصارع على تشكيل صورة “سوريا المقبلة” بحيث تكون منطقة نفوذ لها، أو على الأقل خالية مما يهدّدها، خاصة بعد الاقتراب من الطي النهائي لصفحة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، والذي كان وجوده السبب الظاهري الرئيس لاحتشاد القوى المختلفة في المنطقة.

ومن هنا باشرت تركيا عملية “غصن الزيتون” في مسعى لاستئصال “الخطر الكردي” بينما تزرع إيران منذ سنوات قواعدها، وتعزز نفوذها في كل بقعة ومفصل في سوريا، وهو ما أثار قلق إسرائيل التي ظلت تقول خلال السنوات الماضية إنها تراقب عن كثب التحركات الإيرانية، وأنها لن تسمح لإيران بتكريس نفوذها في سوريا المستقبلية، سواء بالأصالة أو عبر وكلائها المحليين مثل نظام الأسد و”حزب الله” وبقية المنظمات الطائفية التي تدعمها طهران.

وقد سعت إسرائيل خلال الفترة الماضية إلى إقناع كل من موسكو وواشنطن بضرورة أخذ قلقها إزاء الوجود الإيراني في سوريا بعين الاعتبار في أية ترتيبات سياسيّة وأمنيّة مقبلة. وأبلغت في أوقات سابقة بأنه تم بالفعل مراعاة مطالبها في اتفاق التهدئة في الجنوب السوري، بما يتضمن إبعاد إيران ومنظماتها مسافات معينة عن حدود فلسطين المحتلة، لكن إسرائيل قالت إن هذه التطمينات غير كافية، وطالبت بإبعاد إيران وميليشياتها ما لا يقل عن مسافة 40 أو 50 كلم عن حدودها، وهو ما تجاهلته موسكو برغم طرح الموضوع مرارًا من جانب المسؤولين.

“يسعى الطرفان الأمريكي والروسي إلى استثمار أوراقهما لفرض ملامح التسوية النهائية في سوريا، وذلك بالاعتماد على أطراف محلية وبالتعاون مع قوى إقليمية”

صراع روسي – أميركي

ولعل فهم المشهد بصورة صحيحة يتطلب الانطلاق من فهم أوسع للصراع الروسي الأمريكي في سوريا على الصعيدين السياسي والميداني، في لحظة يحاول فيها كل طرف أن يرسم فيها حدود دور الآخر، وملامح التسوية النهائية، مستخدمًا الأطراف المحلية كأدوات أو ذرائع، بالتعاون مع القوى الإقليمية التي تسعى بدورها إلى موازنة مصالحها وتحالفاتها، في لوحة معقدة ومرتبكة، كما وصفتها الدوائر القريبة من الطرفين.

وانتقل هذا الصراع إلى مجلس الأمن، حيث أحبطت روسيا مشروع قرار تقدمت به الكويت والسويد لوقف العمليات القتالية في سوريا، والسماح بإعلان هدنة إنسانية. واعتبر المندوب الروسي في مجلس الأمن فاسيلي نيبينزيا، أن إعلان وقف إطلاق النار في الوقت الراهن “أمر بعيد عن الواقع تمامًا” فيما يمكن اعتباره موقفًا روسيًا متحدّيًا يصرّ على مواصلة معركة “كسر العظم” مع الولايات المتحدة، وتحقيق “انتصار ما” في المنطقتين الوحيدتين اللتين ما زالت الولايات المتحدة تسمح فيهما للنظام السوري وروسيا بمواصلة القصف والعمليات العسكرية، وهما إدلب والغوطة الشرقية، بينما رفعت فيتو كبير في وجه أية محاولة من جانبهما للتمدد في شرقي البلاد، بعد أن قصفت مقاتلاتها رتلًا لقوات النظام، كان يحاول التقدم شرقي نهر الفرات بغية السيطرة على آبار للنفط هناك.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم حملة قوات النظام الأخيرة بمساندة كثيفة من الطيران الروسي على محافظة إدلب وغوطة دمشق الشرقية والتي حصدت خلال الأيام الأخيرة مئات القتلى والجرحى، ودمرت ما تبقى من بنى تحتية في هاتين المنطقتين، وهو قصف يتعدى كما يرى مراقبون مسألة الانتقام لإسقاط الطائرة الروسية في إدلب إلى محاولة تحطيم القوى التي تعتقد روسيا أنها تشكل رصيدًا لواشنطن في الساحة السورية، في محاولة لإنهاء وجود هذه القوى في “غربي البلاد” باعتباره منطقة خاصة بالنفوذ الروسي، على غرار ما تعلن واشنطن بأن شرقي البلاد، وتحديدًا شرقي نهر الفرات، منطقة نفوذ لها بالاعتماد أساسًا على الميليشيات الكردية التي باتت تعتبر الذراع الرئيسة للنفوذ الأمريكي في تلك المنطقة.

وأعلنت واشنطن بوضوح بلسان المتحدثة الرسمية باسم وزارة الدفاع الأمريكية دانا وايت، أنها ستواصل الدفاع عن “قوات سورية الديمقراطية” لمواجهة ما وصفته بخطر تنظيم “داعش”، لكن المتحدثة الأميركية أفصحت في تصريح لافت عن الأهداف الأمريكية الأبعد من ذلك حين قالت خلال مؤتمر صحفي في واشنطن أن الولايات المتحدة “مصممة على التحدث من موقع القوة في مفاوضات جنيف حول سوريا، هدفنا ضمان أن يستطيع دبلوماسيونا التحدث من موقع القوة فيما يتعلق بعملية جنيف”. وشددت على: “أن دبلوماسيينا هم الذين سيقررون في نهاية المطاف مصير ماذا سيحدث في سوريا”.

ولعل هذا التصريح يكشف حقيقة الأهداف الأميركية الأبعد من مزاعم محاربة تنظيم “داعش”، ويشير إلى استراتيجية أمريكية محددة، أو هي قيد التبلور، تتمثل في المساومة على ما بحوزتها وحوزة حلفائها الأكراد من مناطق تضم أكثر من 80 بالمئة من النفط السوري، مقابل أن تقوم بدور رئيس في رسم ملامح التسوية النهائية في سوريا، دون أن ننسى أن لواشنطن نفوذ واسع أيضًا في الجنوب السوري، والذي يضم عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة الذين يستطيعون التحرك حتى باتجاه العاصمة دمشق، فيما لو قررت واشنطن مساندتهم وتوحيد صفوفهم باتجاه هدف محدد.

عملية عفرين

إلى ذلك، بحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيره الإيراني حسن روحاني، في اتصال هاتفي التطورات الأخيرة على الساحة السورية، في ظل اتفاق روسيا وتركيا على عقد قمة تجمع قادة هذه البلدان الثلاثة لبحث مصير اتفاق أستانا، ومناطق خفض التصعيد في ظل التطورات الأخيرة، فيما اعتبر أردوغان أن عملية “غصن الزيتون” في عفرين ما تزال في مرحلة “الإحماء”، متوعدًا بحملات كبيرة خلال المرحلة المقبلة.

وبالفعل وصلت قوات تركية كبيرة إلى تخوم عفرين، وذلك بعد تمكن الوحدات الكردية من إسقاط مروحية تركية، ما دفع أردوغان إلى التوعد بمعاقبة المسؤولين عن ذلك وجعلهم يدفون غاليًا ثمن فعلتهم.

وقد دفعت النجاحات التي حققتها فصائل “الجيش الحر” المدعومة من القوات التركية، الميليشيات الكردية إلى استخدام الكلور السام لمحاولة صد تقدم تلك القوات، وأعلنت الفصائل مجددًا عن وقوع حالات اختناق في صفوف مقاتليها في عفرين، فيما سيطرت تلك الفصائل على مزيد من القرى في ناحية جنديرس.

 

عدنان علي / صدى الشام

أحدث الأخبار

منشور رائج

ثقافة تمدن

مكتبة متنقلة في عربة تجوب أنحاء إدلب

اقتصاد تمدن

التشجير بدل الزراعة البعلية في جبل شحشبو بريف حماة

فئة رائجة

منوعات زيتون

فن التصوير الفوتوغرافي.. ماهية الصورة وضوابطها

منوعات عنب بلدي

دمشق تستلهم قهوة الشعير من غوطتها (فيديو)