العلاقة الزوجية.. كيف تنجح المرأة في مجتمع “ذكوري”؟

منشور  سوريتنا

صورة تعبيرية لعالمة الفيزياء البولندية ماري كوري مع زوجها بيير (ويكيبيديا)

العلاقة الزوجية المتينة التي يقوّمها الالتزام بمجموعة من المهام والمسؤوليات، يجمّلها في الوقت نفسه ويضمن استمراريتها بعض من الصفات والاتفاقيات المشتركة بين الزوجين، ولعل دعم كل من الطرفين للآخر يعتبر من أهم عوامل نجاح العلاقة الزوجية، وخاصة دعم الرجل لزوجته في مجتمعاتنا “الشرقية”، التي لاتزال إلى حد ما، ذات تأثير سلبي، لاعتبارها أن للزوجة مهمة واحدة هي بيتها وأولادها.

دعم الرجل لزوجته يبدأ في حده الأدنى من السماح لها بالتعبير عن رأيها، وإثبات شخصيتها انطلاقاً من الأسرة، في حين لا يوجد حداً أعلى لهذا الدعم، لأن الزوجة التي تطلب دعم زوجها ستكون مبدعة لا شك، وبالتالي ستحتاج دعماً بلا حدود، لأن إبداعها غير مقيّد بحدود.

وتعتبر كثير من النساء أن أفضل دعم يقدمه الزوج هو عدم وقوفه في طريقها، وهذا بحد ذاته أساس الدعم، فإن أطلق العنان لثقته بقدرتها، ستطلق هي العنان لتلك القدرة التي لن تتهاوى إلا بتوقف دعمه.

وتزداد حاجة الأنثى للدعم بعد الزواج لأن المسؤوليات ستزداد، فالزوجات الطالبات والعاملات وذوات المشاريع الطامحات، هنّ الأكثر حاجة للدعم وخاصة إن كُنّ أمهات، فالأنثى التي تملك طاقة وموهبة وطموح، لن تسمح لأمومتها أو “مملكتها الزوجية” أن تقف في طريقها، بل ستسعى إلى تدعيم حياتها بالتنسيق والترتيب، مستعينة بقوتها، وقدرتها على توزيع الأولويات، إلا أنها و”كأنثى” ستحتاج دعماً دائماً ممن تعتبره شريكها الأول في الحياة “زوجها”.

الحوار والتفاهم

لا بد للسيدة، خاصة في مجتمعنا الشرقي، إن كانت راغبة بالحصول على دعم من زوجها للنهوض بمشروع ما، سواء كان حلماً دراسياً أو مشروعاً تجارياً أو وظيفة، أن تجلس معه وتحاوره وتشرح له أنها تتمتع بقدرةٍ ما، وأن لديها من العلم ما يستحق أن تقدمه للآخرين، وأنها حاولت كبته ولم تستطع، لأن ميولها لزرع الخير والفائدة غلبت أنانيتها.

تقول أم همام “في بداية زواجي كنت خائفة من تقصيري في مواصلة عملي المجتمعي الأسبوعي مع مجموعة نسوية في الأتارب، لدي علم أطمح بتوصيله لأكبر قدر ممكن من السيدات، ظننت أن زواجي سيشكل عائقاً وتبقى طاقاتي قيد الكبت، إلا أنني بحواري مع زوجي اكتشفت أنه يؤيد الأمر، ودعمني حتى بعد أن أصبحت أماً”.

“تعتبر كثير من النساء أن أفضل دعم يقدمه الزوج هو عدم وقوفه في طريقها، فإن أطلق العنان لثقته بقدرتها، ستطلق هي العنان لتلك القدرة التي لن تتهاوى إلا بتوقف دعمه”

الاتكالي لا يدعم، والمسؤول يعوّل عليه

وترى الكثير من النساء أن دعم الرجل لزوجته مرتبط بالزوج وشخصيته، فإما أن يمتلك في شخصيته هذه الاستطاعة على الدعم، أو لا يمتلكها.

تقول ديمة الحاصلة على ماجستير في الصيدلة، ولم تتلقَ من زوجها دعماً يحفّزها للعمل “نشأ زوجي ككثير من الرجال السوريين في بيئة ذكورية، يتلقى فيها الذكر من عائلته كثيراً من الدلال، وتلك الفئة من الناس تُنتج رجلاً اتكالياً، حيث وُلد مدللاً، وذهب إلى المدرسة ثم إلى الجامعة تخرج طبيباً ثم تزوج، وكل ذلك بتلقائية تامة ورعاية دائمة من الأهل، فقطع كل تلك المراحل دون أن يترك في المجتمع بصمةً من إنجازه، هذا النمط الاتكالي من المستحيل أن تكون لديه القدرة على الدعم”.

وعلى خلاف الاتكالي، فإن الشخص المسؤول ومن يفهم معنى الإنتاج مبكراً يفهم معنى دعم الآخر، تقول ديمة “على الرغم من الصعوبات التي صادفتني، أتممت رسالة الماجستير خلال حملي الأول، وكنت مندفعة جداً لإنهاء دراستي لأترجم علمي عملاً يقويني ويجعلني فخورة بما أقدم، إلا أن مفرداته المحبطة التي كان يقولها، أثرّت على همتي وطموحي، وجعلتني في تراجع دائم”، وتضيف “تجاوز زوجي الثلاثين ولم ينتج أبداً، فكيف له أن يدعم غيره على الإنتاج”.

وتؤكد سمر، الحاصلة على شهادة في طب الأسنان، أن المنتج قادر على الدعم، فهي تعد زوجها شخصاً عصامياً على الرغم من نشوئه في بيئة ميسورة، حيث اعتمد على نفسه وأصبح قادراً على الإنتاج منذ بلوغه الثالثة والعشرين من عمره، وبعد زواجه سعى جاهداً لدعم زوجته ومساعدتها لتعمل، تقول سمر “منذ بداية زواجنا طلب مني ألا أتقاعس في العمل ولو بدوام جزئي، ساعدني كثيراً حتى استمريت، مضت سنوات على هذه الحال، ولا زلت أعمل بدعمه وتشجيعه المستمر”.

وعلى غرار المسؤول، فالزوج الناجح الذي يتلذذ بحلاوة نجاحه الشخصي بعد تعبه به، سيكون قادراً على دعم من حوله، وسيشجع شريكته على تذوق ذلك الطعم، وبالتالي سيكون دافعه ليرى نجاحها قوياً.

تقول وداد، الحاصلة على شهادة في الهندسة الطبية وتقيم في السعودية “لم أتمكن من تعديل شهادتي في السعودية، إلا أن زوجي قدم لي دعماً مادياً ومعنوياً للنهوض بمشروع منزلي، وذلك في إطار بحث دائم منه عن حلول تمكنني من إثبات دوري كسيدة مجتمع”.

نجاح الزوجة لكل الأسرة

كما سيعتاد الزوج الداعم على زوجته منتجة، بل سيبقى في ترقب دائم للأفضل منها، فهو فخور بها أمام أهله وذويه، وسيعلّم أولادها أن يفخروا بأمهم القادرة على تربيتهم، وفي نفس الوقت قادرة على ترك بصمة لها ولهم في المجتمع، من خلال عملها المتميز ونجاحها، وكم من أم فخر بها أولادها إن طرأ طارئ على الأسرة وكانت على قدر من المسؤولية والقوة لتجاوز ذلك الطارئ، وهنا يدخل الدعم حيزاً نفسياً، فليس بالضرورة أن يدعم الرجل زوجته لتعمل فقط، بل منحها دوراً ضمن الأسرة وتحميلها جزءاً من المسؤولية وإشراكها في قرارات تخص العائلة، سيجعلها قادرة على حمل دوره في غيابه.

تقول أم غياث “رغم أنني لا أعمل، ويتحمل زوجي كافة أعباء الأسرة، إلا أنني أتلقى منه دعماً نفسياً دائماً، وتشجيعاً على تحمل المسؤولية في غيابه، فاجأت كل من حولي بقدرتي على تسيير أمور المنزل بالإضافة لأمور المحل، أثناء غيابه في الحج”.

ولا يعني النجاح تغير المفاهيم والمبادئ السلوكية التي تربت عليها الزوجة، فلا خوف من تغير مبادئها جرّاء دعمها، ومن يثق أصلاً بامتلاك زوجته لتلك المبادئ سيثق بنجاحها، ويكون داعماً لها، موقن أنها ستتغير بذلك النجاح نحو الأفضل.

تقول ريم “مع أنني أتقنت مهنة الخياطة جيداً إلا أنني لم أتمكن من العمل، بسبب بيئتي التي ترفض عمل المرأة، بعد زواجي من وليد الذي يعمل متعهداً بأعمال البناء، أهداني ماكينة للخياطة لأبدأ بمزاولة العمل من المنزل”، وتضيف ريم “مر عشرون عاماً على زواجنا، وما يزال زوجي يقدم الدعم لي، ويسهر معي ليالٍ طوال لأنجز عملي، مؤكداً لي وعلى الدوام أن نجاحي يسير بالعائلة نحو الأفضل دائماً، وبفضل دعمه أملك مشغلاً لخياطة ألبسة العرائس”.

ترتيب الأولويات يبقي على الدعم

إن كانت الزوجة طالبة أو عاملة وأماً في نفس الوقت، فإن مهامها ومسؤولياتها ستكون مضاعفة، والأصوب هنا لكي يشعر الزوج بأن دعمه في مكانه، ولا يندم على تقديمه إن قصرت بواجباتها، أن ترتب الزوجة أولوياتها، فليس المطلوب منها أن تكون بطلة خارقة للعادة وتنجز كامل مسؤولياتها دون تقصير، فهي ليست مطالبة باستهلاك كامل طاقتها لتثبت أنها ناجحة، ولا ضير إن قصرت يوماً ما أو عرقلت الظروف طريقها، ولكن بقدرتها وتصميمها ستعود للوقوف، وبترتيب الأولويات ستحقق الأمثل.

وعلى الزوجة فقط مراقبة مسيرة حياتها الأسرية، لتتلافى ما وقعت به من تقصير، وتتقبل تنبيهات الزوج بصدر رحب، لأنه بالنهاية سيعود بالنفع على الأسرة.

تقول أم همام “مع انخراطي في عملي المجتمعي، بتّ أعدّ أبحاثاً ضخمة أستغرق في تحضيرها ساعات طوال، إلا أنني شعرت بتقصيري في المنزل عندما قال لي زوجي بطريقة لطيفة (لم نأكل ملوخية منذ زمن)”، وتضيف “في الحقيقة كنت أفكر في داخلي أن لعملي الأولوية في حياتي، ونسيت أن هذا يبعدني عن عائلتي، فتداركت الأمر مباشرة وعدت لترتيب أولوياتي”.

أقنعيه بنجاحك

الدعم يحتاج من الزوجة شيئاً من الذكاء والحكمة، لتقنع زوجها بأنهما يشكلان فريقاً واحداً، وما يضمن استمرارية هذا الفريق هو نجاحاتهم مجتمعة، لذا فعليهما العمل سوياً للنهوض بالأسرة.

كثير من الرجال لا تصلهم هذه الفكرة، فلا يدعم أحدهم زوجته خوفاً من تفوقها عليه، فيشعر بالغيرة منها، تقول رانيا “حصل كلانا على شهادة في الطب، إلا أنني لم أتمكن من مزاولة العمل رغم إنهائي لسنوات الاختصاص، وذلك بسبب رفض زوجي الذي أصر أن لا أعمل إن لم ينهِ هو دراسته”.

وعندما يدعم الرجل زوجته فهذا يعني أنه يثق بها وبقدرتها على تحقيق هدفها، فمن الواجب عليها أن تكون على قدر هذه الثقة.

أجمعت معظم السيدات العاملات، ممن استطلعت “سوريتنا” آراءهن، أن هناك دافعاً باطنياً كبيراً لتغاضي أزواجهن عن التقصير ودعمهن في العمل، وهو استثمار قدراتهن في تحصيل دخل إضافي للمنزل، وحسب رأيهن فإن الرجال الذين يدفعون زوجاتهم للعمل ليروهن ناجحات ومحققات لذواتهن نسبتهم قليلة جداً لا تتجاوز 15 %.

كما يرفض الرجل أحياناً دعم زوجته خوفاً من تقصيرها بواجباتها المنزلية، فالمفروض هنا أن تتحلى الزوجة من خلال ذكائها وإصرارها، بالقدرة على إثبات أنها على قدر ثقة زوجها، تقول أم همام “بعد تلافي التقصير، وقدرتي على التنسيق بين عملي وواجبي الأسري، أثبتّ لزوجي أنني أهلٌ لثقته، ما زاد في إصراره على دعمي”.

زوجك داعمك الأول ومصدر حمايتك وأمانك

إن كان الرجل يملك إيماناً كافياً بزوجته وبقدراتها، فإنها لن تصغِ لأي كلام يقصد به الآخرين إحباطها، لأنها تعتبره الشريك الأساسي في مسيرتها، وتطلب دعمها الأول منه، فهو مصدر الحماية والأمن والأمان لها، وهو من سيمهد الطريق لنجاحها بمناقشتها وتقبله لأفكارها، ما سيبعث شعور الراحة في نفسها، إن تأكدت أن زوجها معها بكل خطواتها.

وقد لا يقتصر هذا الدعم على كونه معنوياً، فأحياناً تحتاج الزوجة بخطوتها الأولى نحو النجاح لدعم مادي من الزوج، فإن عزّز دعمه المعنوي ببضع مالٍ ينهض بمشروعها، سيجد منها عطاء دون حدود، فالمدركة لذلك والتي تبني نجاحها بوعي، إن تلقت ذلك الدعم المادي من زوجها، ستشعر وبسبب حنانها وطبعها الأنثوي الحساس، أنها مقصرة دائماً، وستبذل ما استطاعت امتناناً له.

تقول ريم “لم يقصر زوجي بدعمي مادياً، كما أنه حماني وعمل على توسيع عملي، كما ساهمت تجربته الحياتية وعلاقاته بتوسيع دائرتي، حيث فاجأني إحدى المرات عندما صادفنا صديقاً له في الطريق، وأخرج من جيبه بطاقة تحمل عنوان مشغلي، طالباً منه أن يصطحب عائلته لزيارتي والاطلاع على منتجاتي”.

 

 

نور الخطيب / سوريتنا                                                                        للمزيد اقرأ أيضاً..

انفتاح خجول على عمل المرأة في مناطق سيطرة المعارضة في سوريا

أحدث الأخبار

منشور رائج

ثقافة تمدن

مكتبة متنقلة في عربة تجوب أنحاء إدلب

اقتصاد تمدن

التشجير بدل الزراعة البعلية في جبل شحشبو بريف حماة

فئة رائجة

منوعات زيتون

فن التصوير الفوتوغرافي.. ماهية الصورة وضوابطها

منوعات عنب بلدي

دمشق تستلهم قهوة الشعير من غوطتها (فيديو)