برهان غليون: لابدّ أن تتبلور معارضة سورية جديدة أكثر شعوراً بالمسؤولية

منشور  صدى الشام

المفكر السوري برهان غليون (الإنترنت)

حاوره: مصطفى محمد / صدى الشام

 

♦ لا بد من رفض “سوتشي” لاسترجاع شرعية “جنيف”، ولإجبار الروس على احترام حق الانتقال السياسي.

♦ الحراك الشعبي في إيران قد يدفع طهران لسحب ميليشياتها من سوريا.

♦ على المعاضة أن تبادر لتنظيم مؤتمر حوار وطني، لكف يد الأطراف الخارجية.

♦ أوافق على “خفض التصعيد”، شرط أن يكون بإشراف دولي.

♦ التبيعية واستسهال الانقياد قلل من احترام الرأي العام الدولي للمعارضة.

 

على ضوء عدد من المتغيرات العسكرية الداخلية والسياسية الإقليمية والدولية، باتت المعارضة أمام خيارات ضيّقة كما يبدو، إذ إن اتفاق “خفض التصعيد” والترويج تالياً لمؤتمر “سوتشي” أفقدها الكثير من هوامش العمل أو المناورة على أقل تقدير.

وبات السؤال الأبرز الذي يشغل جمهور الثورة السوريّة والأوساط المعارضة عموماً هو: “ما الذي على المعارضة فعله للانتقال بواقعها المتردي إلى وضع أفضل أو تجاوز هذه المرحلة بخسائر أقل”.

وترافق ذلك مع شعور وتصور أصبح سائداً يوحي بأن الحلول السياسيّة في سوريا تسير فيما يشبه “ممرّاً إجباريّاً” يصوغه الدور الروسي المدعوم بتواطؤ علني أو ضمني من أطراف عديدة.

لكن وبينما بدت الآفاق مسدودة نتيجة متغيرات عدة أفضت إلى ترك الشعب السوري في مواجهة ما تقرره وترسمه أنظمة ودول فاعلة ومؤثرة، جاءت الاحتجاجات الشعبية الإيرانية لتفتح نافذة أمام متغيرات قد تشِي بواقع مختلف.

وفي هذا الصدد، رأى الأكاديمي السوري برهان غليون أن ما يجري في إيران هو “انقلاب في اتجاه ريح الثورات المضادة”، مُرجحاً أن يتغير محور اهتمام السياسة الإيرانية من الخارج إلى الداخل، ما يعني أن النفوذ الإيراني في سوريا معرّض للاضمحلال.

وفي حوار خص به “صدى الشام”، وصف الرئيس السابق للمجلس الوطني، المعارضة السورية بـ”البائسة”، مطالباً إياها بأن لا تكتفي بخيار الرفض للحلول الظالمة في سوتشي وغيرها، وإنما أن تعود للشعب وتتفاعل معه، حتى تعيد تعبئته من أجل فرض حل منطقي.

 

نص الحوار الكامل:

– وصفتَ الحراك الشعبي في إيران بأنه “معجزة منتظرة”، ومن هنا هل تعتقدون بأن الحراك الإيراني بمثابة طوق نجاة للمنطقة، أم أن ذلك يعني مزيداً من الفوضى للمنطقة؟ وأشرتم كذلك إلى أن هذا الحراك قد يقلب الطاولة على الثورات المضادة، لكن ما تعليقكم على دعم إعلام الثورات المضادّة لهذا الحراك؟

لم أصف الحراك الشعبي الإيراني بحد ذاته بالمعجزة، ولكن قلت إن الأوضاع في المشرق، وهلاله الكئيب بشكل خاص، سائرة نحو المزيد من الحروب والدماء والدمار والخراب ما لم تحصل معجزة، والمعجزة الوحيدة المؤملة هي ثورة في إيران.

الواقع أنني عندما كتبت المقال لم أكن اعتقد أنه من الممكن أن تقوم انتفاضة شعبية في إيران بهذه السرعة، فقلت لو حصل ذلك فهو معجزة، ومعنى المعجزة هنا أنها تأتي في الوقت المناسب لتغيير اتجاه تطور الأحداث في المشرق، أما أثر الحراك الشعبي الإيراني على المنطقة فالأمر يتوقف على كيفية تطوره ونتائجه.

أعتقد أن النتيجة الأولى والأهم له هي إدخال فاعل جديد في معادلة السياسة الإقليمية (وبالتالي الحروب المرتبطة بها) لم يكن حاضراً من قبل هو الشعب الإيراني، خاصة وأن هذا الشعب يربط تحسين شروط حياته في إيران بوقف الاستراتيجية الهجومية التوسعية لنظام الملالي في طهران، ويشير إلى قادة هذا النظام بالاسم، ويطالب بعضه بإسقاط النظام نفسه.

والنتيجة الثانية المرتبطة بذلك إضعاف الموقف الاستراتيجي لحكومة طهران في حربها للسيطرة الإقليمية واضطرارها إلى أخذ موقف الرأي العام الإيراني بالحسبان، وإن لم تفعل ذلك سوف يتحول الحراك الشعبي إلى ثورة عارمة في وقت قريب، وإذا استجابت هذه الحكومة لمطالب شعبها ستكون الخطوة الأولى لإخراج المشرق بأكمله من الفوضى وإخراجه من الحرب التي كانت إيران ولا تزال المشعلة والموقدة الرئيسة فيها، وعودة كل بلد إلى الاهتمام بشؤونه الداخلية وتطوير سياسات مماثلة تهدف إلى كسب تأييد الشعوب المتمردة أو الجاهزة للتمرد في كل الأقطار.

إن هذا يعني انقلاب اتجاه الريح على عكس ما سارت فيه الثورات المضادة التي استهانت بمطالب الشعوب وتطلعاتها، متخفيّةً وراء الحرب الإقليمية وتدهور الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة واصطناع حرب أبدية ضد الإرهاب، ولا أرى أن أحداً من صناع الثورة المضادة التي أغرقت الربيع العربي بالدم في سوريا والعراق ومصر ولبنان واليمن والبحرين وغيرهم يتحمس لهذا الحراك الشعبي، لكن هناك بالتأكيد شعور عميق بالرضا لدى بعض الحكومات التي جعلت طهران الخامنئي من الحرب ضدها سياسة رسمية ولا تكفّ عن التحرش بها؛ في الخليج بشكل عام، والتي تأمل في أن يقود الحراك إلى تقييد أيادي طهران ووضع حد لاستراتيجيتها العدوانية الإقليمية.

– سواء تطور الحراك الشعبي الإيراني إلى ما هو أكبر أم تراجع وخف وهجه، كيف يمكن لهذا الحراك أن يكون مؤثراً في الوضع السوري إعلامياً وسياسياً وعسكرياً؟ وبتخصيص أكثر كيف يمكن توظيف الحدث الإيراني بشكل صحيح من قبل المعارضة السورية على المستويين الشعبي والرسمي لمصلحة سوريا؟

أهمية الحدث الإيراني أنه أظهر إلى العلن ما كان خافياً أو مقنّعاً بالنسبة للأغلبية الساحقة من الرأي العام العربي والدولي، أي إفلاس نظام طهران اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً، بالرغم من انتصاراته الوقتية العسكرية والمعتمدة على التعبئة الطائفية وتجنيد الشباب العربي والأجنبي لزعزعة الدول وتفكيك المجتمعات بهدف السيطرة عليها من الداخل وتحويل إيران إلى قوة إقليمية مهيمنة.

لذلك أمام هذا التجلي الفاقع لإفلاس نظام الولي الفقيه، لم يعد إعلام الحملة الاستراتيجية الإيرانية على المشرق العربي يعرف ما يقول.

ما من شك في أن حروب إيران الخارجية قد حققت مكاسب خارجية لإيران وأظهرت قدرتها على إنزال الأذى بجيرانها، وبالتالي ضرورة أخذها بالاعتبار، لكن ثمن هذه الانتصارات كان باهظاً، وهو تعميم الفقر الذي يضرب أكثر من نصف السكان، والقضاء على جميع الحريات والحقوق الأساسية، وإطلاق يد الأجهزة الأمنية والمخابرات وقوى الحرس الثوري والمنظمات المختلفة القمعية في المجتمع لتركيع الشعب الإيراني وإخضاعه.

وقد أدرك هذا الشعب عن حق أن هذه السياسة الإمبريالية التوسعية التي يسعى من خلالها نظام طهران إلى انتزاع الاعتراف الدولي به وبمشاريعه التوسعية، هي السبب الرئيس للبؤس الذي يعيشه؛ للفقر والفساد والاستبداد.

وهكذا لم يعد الاعتراض على السياسة الإيرانية الخارجية التوسعية يأتي من الخارج ومن الشعوب التي تعاني من الحروب الإيرانية وإنما من داخل إيران ومن الشعب الإيراني نفسه.

الثورة الإيرانية ستغيّر محور اهتمام السياسة الإيرانية من الخارج إلى الداخل، ومنذ الآن على النظام التيوقراطي أن يختار بين تهدئة الوضع الداخلي والقيام بإصلاحات جديّة لتحسين حياة الإيرانيين واستعادة السيطرة على الوضع، أو الاستمرار في خياراته القائمة والمخاطرة بتفجير ثورة إيرانية جذرية، وإذا قرر الاستمرار في القمع الدموي فسوف يجد نفسه أمام نوعين متضافرين ومتناميين من الضغوط: الداخلية الشعبية والخارجية الدولية، ولن تفيده عندئذ سياسة الهرب إلى الأمام، بل سوف يشجع القوى المناهضة للمشروع التسلطي الخامنئي على استنهاض قواهم وتوحيد صفوفهم ضده.

بمعنى آخر، مهما كانت اختيارات النظام الإيراني فقد أضعفت إرهاصات الثورة موقفه الجيوسياسي وهي تهدد بتقويضه.

إن دخول الشعب الإيراني إلى الساحة قد غيّر المعادلة الداخلية والإقليمية بأكملها، فبالإضافة إلى تدمير صدقية النظام وهدر رصيده السياسي فقد كسر شوكته، وهو يعرضه لاختراقات كان من الصعب التفكير بها من قبل، وسوف يفاقم من تناقضاته الداخلية، وربما في تفجير نزاعات بين قواه المتنافسة، ومنذ الآن يتهم المسؤولون الإيرانيون الرئيس السابق أحمدي نجاد بإشعال الفتنة.

من الناحية العسكرية سيخفف استمرار الأحداث الثورية في إيران من الضغط العسكري الإيراني على القوى السورية المقاتلة والسياسية معاً، وربما دفع طهران إلى سحب قسم من قواتها وميليشياتها من البلاد.

باختصار، مهما كان الحال، نحن أمام انتقال الأزمة من الخارج الإقليمي إلى الداخل الإيراني، ولا يبدو أنها سوف تجد حلاً سريعاً، وربما كانت بداية نهاية النظام، مما يعني أن الحكم سوف يزيد انشغاله بمشاكله الداخلية بدل الاستمرار في مهاجمة البلدان المحيطة، لحرف أنظار الرأي العام الإيراني عن الأزمة الداخلية والفساد.

لكن أهم ما يبرهن عليه الحراك الشعبي الإيراني هو خطأ الافتراض، الذي قامت عليه سياسات النظام- كما حصل في سوريا من قبل- بأن إشعال الحروب الخارجية والتلويح بانتصارات على خصوم قوميين أو مذهبيين يمكن أن يبني شرعية بديل للشرعية التي تستمدها النظم عادة من القيام بواجباتها القانونية والسياسية والاجتماعية تجاه شعوبها، وأن ينسي الشعوب تطلعاتها نحو الحرية والعدالة والمساواة وحكم القانون والمشاركة في الحياة السياسيّة، ويغطي على فساد هذه النظم وفشلها وإفلاسها.

– كان لافتاً التعاطف الشعبي السوري مع الاحتجاجات الإيرانية، هل ترون أن من شأن ذلك أن يخفف إلى حد ما الاحتقان أو الشرخ الطائفي في المنطقة، أم ماذا؟

نعم بالتأكيد، بل هو يظهر أن مطالب الشعوب وتطلعاتها واحدة، ومصالحها في التحرر واحدة، تماماً كما يظهر أن الحشد الطائفي والتقسيم المذهبي و “الأقوامي” هما من أدوات بناء استراتيجية النظم الفاشية والاستبدادية الواحدة، للتمكن من السيطرة والاستبداد وتقسيم الشعوب، وأن الطائفية والمذهبية لا ترد على أي مطلب شعبي، ولا تعبر عن أي واقع ثقافي أو شعبي عميق.

 

برهان غليون

أكاديمي وسياسي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة “السوربون” الفرنسية، وأول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض.

ولد غليون في مدينة حمص في 11 شباط/فبراير 1945م، يعتبر ناشط في العديد من المؤسسات الفكرية، ويعد أحد المساهمين في النقاش الفكري والسياسي حول مستقبل العالم العربي وسوريا خاصة، وله العديد من الكتب حُررت باللغتين العربية والفرنسية منها “الاختيار الديمقراطي في سوريا” و”المحنة العربية.. الدولة ضد الأمة” و”ثقافة العولمة وعولمة الثقافة” و”بيان من أجل الديمقراطية”.

 

– بعيداً عن إيران، هل توافق على اعتبار العمل السياسي الذي تقوم به المعارضة السورية حالياً بلا جدوى، بمعنى الاقتصار على رفض المقترحات والتوجهات الدولية المؤيدة لبقاء الأسد في أية تسوية سياسية؟

أنت تشير من دون شك لموقف المعارضة من مؤتمر سوتشي، لكن ينبغي القول قبل ذلك أنه لا يمكن أن يكون هناك عمل لا أخلاقي ولا إنساني ومدمر لحياة الشعوب ومستقبلها أكثر من إعادة تأهيل قتلة وتنصيبهم من جديد على رأس البلدان والدول التي قاموا بتدميرها.

هذا يعني وضع شعب كامل تحت رحمة عصابة مستعدة لكل أعمال الإجرام، من دون أية حماية سياسية أو قانونية أو أمنية، وبالتالي إطلاق يديها وتشجيعها على القيام بمزيد من القتل والدمار.

رفض المعارضة لهذا الخيار غير الأخلاقي الذي يقترحه الروس، ويسعون لإقناع الدول الغربية التي قدمت استقالتها المعنوية والسياسية وتبنت مبدأ النأي بالنفس به، هو أمر ضروري وعادل، بصرف النظر عما إذا كان لدى المعارضة خيارات أخرى أم لا.

بعد تأكيد ذلك، أقول أنت على حق، نعم أمام المعارضة خيارات أخرى، ولا ينبغي لها أن تكتفي بخيار الرفض للحلول الظالمة.

وأول هذه الخيارات العودة للشعب والتفاعل معه وإعادة تعبئته من أجل فرض الحل المنطقي والعادل؛ أي حل الانتقال نحو نظام ديمقراطي جديد، يعبر عن إرادة السوريين، ويعوضهم بالحد الأدنى عما قدموه من تضحيات غير مسبوقة.

وبدل أن ينتظروا عقد موسكو مؤتمرها عليهم هم أن يبادروا إلى تنظيم مؤتمر للحوار الوطني السوري يفتح الباب أمام مناقشات ومداولات أصبحت ضرورية لاستعادة القضية السورية، أي قضية الانتقال السياسي من بين أيدى الأطراف الدولية والأجنبية والعمل عليها من قبل السوريين أنفسهم. ولا شيء يمنع السوريين من ذلك سوى بؤس معارضتهم وبؤس تنظيمهم لقدراتهم وصفوفهم.

مشروع روسيا بالإبقاء على الأسد يعني ببساطة المشاركة في الجريمة ومكافأة المجرم على قتله أكثر من مليون إنسان وتشريده- مع التصميم وسبق الإصرار- الملايين من السوريين وتدمير مدنهم وحضارتهم لاحتفاظ بسلطة مطلقة لا إنسانية ولا سياسية؛ سلطة البطش والسلب والنهب والاغتصاب.

-هل من المجدي الاكتفاء بالثبات على الموقف في حين يحقق نظام الأسد المكاسب الميدانية الواحدة تلو الأخرى في هذه الأثناء؟ وما البدائل الممكنة في مرحلة باتت فيها المعارك والمنطق العسكري هو الأساس؟

الأسد لا يحقق أي مكاسب، وكل ما يقوم به هو توقيع صكوك العبودية والاستسلام لحماته وأسياده الذين يراهنون على بقائه الشكلي في السلطة لتكريس مكاسبهم، وليس لدى السوريين بدائل أخرى سوى تجاوز انقساماتهم، والعمل على رأب الصدع الذي أحدثه النظام بسفك الدماء والقتل المنظم والإرهاب في ما بينهم، وتنظيم قوى الثورة والمعارضة، بالتعاون مع جميع السوريين المتطلعين إلى عهد جديد خال من العنف والحرب والتمييز والاستعباد لقواهم وصفوفهم، وإعادة تنظيم الشباب المدفوعين إلى التشرد والبحث عن ملاجئ بعيدة في إطار حركة مقاومة وطنية طويلة المدى، والسعي لعقد مؤتمر حوار وطني كما ذكرت يعيد التواصل بين السوريين، ويفتح باب التفاهم والمصالحة الوطنية ويحيّد القوى الأجنبية أو يضعف من تأثيرها وتلاعبها بمصير السوريين وقواهم الحيّة.

-مع إدراكنا نحن المتابعين لخصوصية تجربتك في العمل السياسي في مرحلة معينة من عمر الثورة السورية وابتعادك لاحقاً عن هذا المجال. لكن نودّ أن نسأل ولو من باب الافتراض والأخذ برأيك: “لو أنك حالياً في موقع المسؤولية ضمن أحد الكيانات التي تمثل المعارضة السورية، ما الخيار الذي كنت ستفضله أو ستتخذه، هل كنت ستفضل مثلاً ما يجري في أستانا من خفض تصعيد بهدف حقن دماء المدنيين رغم علمك بأن الاتفاق هو غطاء لقضم المزيد من الأراضي المحررة من قبل النظام تدريجياً”؟

ما حصل منذ عام 2014 من تنازلات واضحة من قبل قوى الثورة والمعارضة هو الحصاد المرّ لفشل المعارضة وقوى “الجيش الحر” في تحقيق أهدافها، وبالتالي ينبغي السعي إلى لملمة أوضاعها، وتخفيف الضغط عليها، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من قواها الفاعلة.

لا ينبغي أن ننسى أن عجز هذه القوى السياسية والعسكرية عن توحيد نفسها وتنظيم شؤونها بشكل أفضل وإنتاج قيادة سياسية فاعلة تحظى بثقة الرأي العام السوري الشعبي و”تمون” على القوى المقاتلة وتقودها حسب استراتيجية سليمة للمقاومة الوطنية، كان عاملاً أساسياً في هذا الفشل.

لكن، لا ينبغي أن ننسى أيضاً أنه بالرغم من ذلك، وبفضل التضحيات غير المسبوقة للسوريين، كان هدف إسقاط الأسد بالقوة قريب المنال.

ما كسر ميزان القوى وركّز الأسد على كرسي السلطة هو التدخل العسكري الواسع النطاق لإيران وميليشياتها، وبعد فشلها، التدخل الروسي العسكري الذي استخدم كل قوة دولة عظمى لسحق مواقع المعارضة.

أما بالنسبة لأستانا، نجحت موسكو مستغلةً الوضع العسكري الصعب الذي أنتجته هجماتها الجوية المكثفة، وسياسة الأرض المحروقة التي استخدمتها في المدن لإضعاف موقف الفصائل المقاتلة وزعزعة مواقعها، في فصل العسكريين عن السياسيين والاستفراد بالمقاتلين في مؤتمر خاص بهم في أستانا، وحاول الروس -أكثر من ذلك- أن يستخدمونهم، وهم أقل وحدة فيما بينهم ودراية بالرهانات الاستراتيجية، لتهميش المعارضة السياسية، ونقل المفاوضات إلى ساحة أخرى، خارج إشراف الأمم المتحدة، آملين بذلك القضاء على مرجعية قرارات مجلس الأمن التي تضمن للسوريين حق الانتقال السياسي.

لو كنتُ في موقع القيادة لما رفضتُّ المفاوضات حول خفض التصعيد، وربما حول إخلاء بعض المواقع الساقطة عسكرياً لحقن دماء المقاتلين، لكنني كنت سأرفض إجراءها في ساحة ثانوية خارجة عن الإشراف الدولي، أعني في أستانا أو غيرها، ولأصرّيت على أن تجري في إطار مفاوضات جنيف، وعلى أساس تطبيق قرارات مجلس الأمن، وكجزء من مسار المفاوضات العام أو كتمهيد لها.

الخطأ لا يكمن في مفاوضات خفض التصعيد ولكن بإجرائها في شروط سيئة فرضتها موسكو، والثقة بدولة هي طرف رئيس في الحرب كما لو كانت وسيطاً، واستخدامها لتهميش المفاوضات الأساسية السياسية في جنيف وبالتالي لإضعاف المعارضة، بل تلغيمها وتهديد وحدة المعارضة ومستقبل تعاونها فيما بينها، وأخطر من ذلك المخاطرة بتهميش أو تحييد قرارات مجلس الأمن كمرجعية للمفاوضات وإشراف الأمم المتحدة كوسيط محايد نسبياً وضامن لتنفيذها.

ما حصل عبّر عن سذاجة سياسية سلّمت فيها المعارضة عملياً لحسن نوايا الروس، الذين لم يخفوا في أي وقت مشاركتهم في الحرب إلى جانب الأسد، ولا هدفهم في إعادة تنصيبه رئيسًا “أبديًا” على السوريين، والمحافظة على نظامه الاستبدادي والفاشل والفاسد معاً، وهذا هو السبب الذي يفسر لماذا اتفاقات خفض التصعيد، وكانت مقدمة لزعزعة ميزان القوى من خلال استمرار النظام وحلفائه الروس في التصعيد ووقف إطلاق النار العملي من قبل أغلب فصائل المعارضة.

– هل كنتَ مثلاً ستوافق على التغييرات الحاصلة في الهيئة العليا للمفاوضات والتي أفضت إلى وجود شخصيات تريد إعادة تأهيل نظام الأسد؟

رفضتُ منذ البداية حضور مؤتمر رياض1 الذي تكونت فيه هيئة المفاوضات الأولى لأنني اعتبرت أنه من غير المقبول والمعقول أن تبادر الدول- مهما كان ارتباطها بالمعارضة- للإعداد لمؤتمر ينتج عنه هيئة تقود مفاوضات الحل السياسي، وتُمسك بالتالي بين يديها حق التفاوض حول مستقبل سوريا ومصيرها، من دون مشاركة السوريين، وقبل القيام بمشاورات مسبقة ومعمقة مع الشخصيات القيادية في المعارضة.

هذا يعني التفافاً على المعارضة بهدف تدجينها واختيار من يسهل قياده منها. وبالمثل، رفضتُ الدعوة لمؤتمر الرياض2 الذي تشكلت فيه الهيئة العليا الثانية لأنني وجدت أنه من غير المقبول أيضاً أن تنظم اجتماعات لإعادة تشكيل هيئة المفاوضات من دون أن يشارك السوريون في تحديد أهدافها وتعيين جدول أعمالها وعلى الأقل المشاركة في وضع قائمة المشاركين فيها، والتشاور في قيادتها، ومن دون الإتاحة للهيئة الأولى أن تقدم تقريرها السياسي عن أعمالها وانجازاتها، وتبين للسوريين المشاكل التي واجهتها، وتقدم استقالتها بشكل يضمن احترام أعضائها والمساهمة في ترسيخ تقاليد سياسية سليمة قائمة على المناقشة والمساءلة والمحاسبة وتقديم جرد حساب لكل الهيئات، لا على قرارات تعسفية وعلى الإملاءات وانتهاك كرامة السوريين ومصادرة حرية اختيارهم.

خطأ المعارضة تبعيّتها السياسية شبه الكاملة، واستسلامها لإرادة من خارجها، واستسهالها الانقياد لغيرها الناجم عن ضعف خبرة المعارضة وانعدام حس السيادة عند الكثير من أعضائها، وتسابقهم على المشاركة في أي مؤتمر أو اجتماع يمكن أن يسوّقوا من خلاله أنفسهم ويحظون بالاهتمام.

لكن خطأ الدول الصديقة والشقيقة التي حملت مسؤولية تجميع السوريين ومساعدتهم ناجم عن أنها بدل أن تدعم قرارهم و تساعدهم على تحمل مسؤولياتهم، والارتفاع إلى مستوى التحديات التي تواجههم، وتمكينهم من ممارسة قيادتهم لأنفسهم وإدارة شؤونهم (مما كان ضرورياً لتعزيز رصيدهم وتنامي نفوذ المعارضة وصدقيتها لدى الرأي العام السوري والدولي) عملت على تقزيمهم ونزع الصدقية عنهم، بالتعامل معهم كقطيع، وإضعاف ثقة السوريين بأهليتهم، وهدر ما تبقى من احترام الرأي العام الدولي لهم.

 

-بالنسبة لمؤتمر “سوتشي” بعض المراقبين اعتبر أن المؤتمر أحدث ردة فعل إيجابية لدى المعارضة، أي التوافق الجماعي على رفض هذا المؤتمر، ومن ناحية ثانية هل سيكون عدم حضور سوتشي سبباً لعدم استكمال جنيف؟

مؤتمر سوتشي، أكثر من مؤتمرات أستانا، هو محاولة ثانية لتحقيق حلم الروس في سحب المفاوضات من جنيف وتجاوز قرارات الأمم المتحدة ورميها في سلة المهملات، وجمع السوريين ثانية من قبل إرادة خارجيّة ومعاملتهم كقطيع، حتى تفقدهم أي احترام لأنفسهم واحترام الآخرين لهم، وكي تتمكن من إملاء الحل الروسي عليهم، فلم يتشاور الروس مع السوريين، ولكنهم حددوا وحدهم، وبالتشاور ربما مع حلفائهم، هدف المؤتمر وجدول أعماله وقائمة المدعوين له وقواعد العمل فيه، ولم يُخْفِ الداعي الروسي قبل انعقاد المؤتمر بأن قائمة المشاركين قد تحددت بالتفاهم بين المخابرات الروسية والتركية، ولم يتردد في أن يطلب ممن لا يرغب في بقاء الأسد عدم الحضور إلى المؤتمر.

ليس هناك استهانة ممكنة أكبر بكرامة السوريين وحقهم في أن يشاركوا في تقرير مستقبل بلدهم، ولا احتقار أكبر لقواعد التعامل الإنساني من الاستهانة والاحتقار الذي أظهره الروس في تنظيمهم لمؤتمر سوتشي.

وبدل أن يضفوا على المدعوين للمؤتمر الحد الأدنى من الصدقية والاحترام، قضوا على صدقيتهم وحقهم في تمثيل السوريين، ونزعوا عنهم كل ملابسهم، قبل أن يدخلوا إلى قاعة المؤتمر.

عن مثل هذا المؤتمر لا يمكن أن يصدر أي تفاهم سوري، ولا أي اتفاقات تحظى بثقة السوريين وتوجه مسيرتهم نحو الخلاص من الاحتلالات الأجنبية والحرب والاستبداد والفساد والتهافت على المواقع والمناصب والمنافع الصغيرة والكبيرة، كل ما يمكن أن تنتجه، وهو هدفها بالضبط، القضاء على أي فرصة لولادة قيادة سوريّة مستقلة وتفاهم سوري حقيقي يعمل على تحقيق حلم السوريين في انتزاع حقهم في حكم بلادهم واختيار ممثليهم واستعادة سيادتهم على وطنهم وعلى استقلاله وضمان حرياتهم الأساسية وإصلاح أحوالهم.

وقبل ذلك افتضاح نوعية المعارضة التي يراهنون على تعاونها وهشاشتها وانعدام حيلتها وتخليها المسبق عن سيادتها وحقها في أخذ شؤونها بيديها وقدرتها على تحمل المسؤولية العمومية.

من هنا، أعتقد أن رفض الذهاب إلى مؤتمر سوتشي هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على شرعية مفاوضات جنيف، وإجبار الروس على العودة إليها، وبالتالي على احترام حقوق السوريين في انتقال سياسي حقيقي، وقطع الطريق على كل مسارات روسيّة جانبيّة تهدف إلى تحييد الأمم المتحدة وضرب مرجعيات القرارات الدولية، من أجل الاستفراد بتقرير مصير سوريا، والضحك على المعارضة، بتجريدها من أسلحتها وإجبارها على الإذعان إلى منطق موازين القوة التي تعتقد موسكو أنها في صفها وصف النظام.

بالمقابل ترتكب المعارضة الخطأ عندما تتصرف كما لو كانت مهزومة وتبدو متسولة على أعتاب الروس وأصحاب القوة، نظام الأسد لم ينتصر، وقد أصبح، بفضل تضحيات السوريين الهائلة، أثراً بعد عين، والإيرانيون في طريقهم إلى الانشغال بثورة شعبهم التي لن تخمد ما لم يضحوا بسياستهم العدوانية الخارجية، أما الروس فهم في ورطة لا مخرج لهم منها، ويحتمون بأكذوبة وجود بشار الأسد، ويخادعون المعارضة السورية أملاً باستغلال سذاجتها لمساعدتهم على الخروج من ورطتهم، مع الاحتفاظ بمكاسبهم الاستراتيجية غير المقبولة من أحد وأولهم من السوريين.

 -بعد تخلي أصدقاء سوريا -كما يبدو- عن مسؤولياتهم التي سبق وأن أعلنوا التزامهم بها دعماً لمطالب الشعب السوري، ومع تراجع هذا الدعم على مختلف الصعد، ما الخيارات الأفضل للمعارضة السورية خصوصاً وان الكثير من الأبواب أغلقت في وجهها من دول أو حتى منظمات كمجلس الأمن وسواه؟

تنظيم مقاومة السوريين للاستبداد والاحتلال بأشكالها المختلفة؛ العسكرية والسياسية والفكرية، ولأنها لم تنجح حتى الآن في ذلك، لا بد أن تتبلور معارضة جديدة أخرى، وقيادة أكثر كفاءة وشعوراً بالمسؤولية تجاه مصير سوريا عموماً، ومصير ضحايا القتل والتعذيب والاغتصاب والتهجير القسري والتجريد من الحقوق لجميع المواطنين من دون استثناء.

هذا هو في نظري جدول أعمال السوريين الحريصين على بقاء سوريا واستقلالها وتحررها للسنة الجديدة 2018.

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى