شح الأمطار يهدد مواسم الزراعات البعلية.. والبديل مياه الصرف الصحي

منشور  سوريتنا

الشعير بدلاً من القمح والبقوليات

مزارع يقوم بحراثة أرضه قبل وضع بذور القمح في مدينة سقبا (سوريتنا)

تأخر هطول الأمطار لأكثر من شهرين، جعل المزارع محمود الساعور كغيره من مزارعي الجنوب السوري، غير متفائل بموسم حصاد وفير للقمح، فقلة الأمطار في أرضه القريبة من خط التماس مع قوات النظام، جعل تربتها صعبة الحراثة، فضلاً عن غلاء المحروقات، كل ذلك دفعه للتفكير بطرق بديلة للري.

تعاني مناطق الجنوب السوري هذا الموسم من شح الأمطار، باستثناء بعض هطولات متفرقة مع دخول الشتاء، ما أثّر بشكل كبير على الزراعات البعلية، كالقمح والشعير والبقوليات.

القمح على رأس القائمة في الغوطة الشرقية

ظروف الحصار التي يعاني منها سكان الغوطة الشرقية، وحاجتهم الماسة للخبز، دفعتهم لزراعة القمح، الذي تربع على عرش الزراعات الشتوية في الغوطة مؤخراً، رغم أنه لم يكن كذلك قبل سبع سنوات.

وقال مدير مؤسسة إكثار البذار في محافظة ريف دمشق محمود حسون لــ سوريتنا: إن «المساحة المتوقع زراعتها لهذا العام، تصل لعشرين ألف دونم، وهي مروية بالكامل، أما المساحة المزروعة بالشعير، فلا تتجاوز خمسة آلاف دونم، وهي مساحة مقبولة، ويعتمد السكان على الشعير، لقدرته السريعة على النمو الخضري، وبالتالي استخدامه في تغذية الحيوانات خلال فصل الشتاء، ويترك حتى موسم الحصاد، للاستفادة من حبوبه في تغذية الحيوانات أو في صناعة الخبز».

“المساحة المتوقع زراعتها بالقمح هذا العام في الغوطة الشرقية تصل لعشرين ألف دونم، وهي مروية بالكامل، أما المساحة المزروعة بالشعير فلا تتجاوز خمسة آلاف دونم. وفي درعا، أدت انخفاض نسبة الأراضي المزروعة بالقمح إلى تراجع الإنتاج لنحو 20 ألف طن، علماً أن 30 % من احتياجات الطحين لسكان درعا تأتي من الأردن”.

كما أن اشتداد الحصار الأخير للغوطة الشرقية نهاية العام الماضي، وارتفاع أسعار القمح بشكل كبير، (سعر الكيلو 1700 ليرة)، دفع أغلب المزارعين إلى قطع الأشجار المثمرة، وزراعة الأراضي بالقمح بدلاً منها، كون الحاجة ماسة له أكثر، ومردوده أعلى، إلا أن عضو مكتب التنمية الزراعية في الغوطة الشرقية عامر حمود قال: إن «إنتاج القمح في العام الماضي، تراجع بشكل كبير».

وأضاف حمود أن «هذا العام لن يكون الإنتاج أفضل، خاصةً أن الأمطار تأخرت بشكل كبير»، وأرجع هذا التراجع لعدة أسباب، أولها عدم اتباع دورات زراعية منتظمة، وغياب الأدوية الزراعية والبذار المحسنة، وبالتالي، من المرجح ألا يتجاوز الإنتاج هذا العام 3500 كيلو للدونم الواحد.

كما تراجعت زراعة البقوليات، كالفول والبازلاء، بالرغم من ارتفاع قيمتها الغذائية وغناها بالبروتين، وقال مدير مشروع زراعة القمح في مؤسسة إكثار البذار تميم عيون إن «زراعة البقوليات باتت شبه نادرة بسبب ارتفاع تكاليف زراعتها، وعدم توفر البذار المحسنة، إضافة لمنافسة القمح لها، نظراً للحاجة الماسة له».

زراعة القمح نادرة في درعا

يكتسب المناخ في محافظة درعا أهمية كبيرة، نظراً لاتساع رقعة الأراضي المزروعة بعلياً، واعتماد آلاف الهكتارات الزراعية على مياه الأمطار، نظراً لفقر المنطقة بمصادر المياه الطبيعية كالأنهار فضلاً عن الآبار والمياه الجوفية، وارتفاع تكاليف الري بمياه الآبار، ما أدى إلى اعتماد زراعة الشعير بدلاً من زراعة القمح والبقوليات، التي تحتاج نسبة عالية من المياه.

كما أن تربة المنطقة لا تصلح لزراعة القمح القاسي، الذي بات يستخدم لصناعة الخبز، رغم أن جودته سيئة، نظراً لعدم توفر بذار القمح الطري.

وقال أبو جاسم الحمزة من سكان نوى في ريف درعا «بدأ موسم الزراعة والحرث مع بداية الشهر الماضي، وقد حرثت وبذرت ما يقارب 1800 دونم من الشعير، واستمرار الجفاف يهدد موسمي الحالي».

وتعد ندرة القمح مشكلة تهدد سكان درعا، وقال المهندس الزراعي أنس الزوباني: إن «تراجع زراعة القمح في المحافظة، يأتي نتيجة ارتفاع مستلزمات الإنتاج كالبذار والأجور والحراسة والحصاد والمبيدات الزراعية والأسمدة».

ويشكل الوضع الأمني السيء، وخاصة في مناطق التماس مع النظام، عائقاً يهدد المزارعين، حيث تبلغ مساحة الأراضي غير المزروعة، جنوب وغرب اليادودة، ما يقارب ألف هكتاراً، إضافة لانعدام سوق التصريف، مما يجعل الفلاح فريسة لتجار القمح والأعلاف.

كما أن تكلفة الري مع قلة مصادر المياه، دفعت المزارع في السنوات الماضية، إلى الاعتماد على مياه الأمطار، لري محاصيل القمح، وحتى الفلاح الذي يملك بئر ماء، لا يستطيع أن يروي منه، لأنه بحاجة إلى المازوت، الذي وصل سعر البرميل إلى 85 ألف ليرة سورية.

وأضاف الزوباني أن «انخفاض نسبة الأراضي المزروعة بالقمح، أدت إلى تراجع الإنتاج، حيث كان يصل إنتاج القمح قبل اندلاع الثورة، إلى نحو 90 ألف طناً سنوياً، إلا أنه تراجع العام الماضي إلى نحو 20 ألف طن، ما يعني أن استمرار تراجع الإنتاج، قد يُحدث كارثة في الأمن الغذائي، علماً أن 30 % من احتياجات الطحين لسكان درعا، باتت تأتي من الأردن».

وأوضح الزباني أنه إذا قطعت الأردن الطحين عن درعا لمدة أسبوعين، سيصبح سعر كيلو الخبز 400 ل.س، وهنا ستكون النتائج كارثية، وستؤدي إلى تدهور الأمن الغذائي».

“ارتفاع تكاليف الري بمياه الآبار في درعا، أدى إلى اعتماد زراعة الشعير بدلاً من زراعة القمح والبقوليات، التي تحتاج نسبة عالية من المياه”

حلول للاستعاضة عن غياب الأمطار

غياب الأمطار دفع الفلاحين إلى التفتيش عن حلول بديلة، وقال المزارع محمود الساعور: إن «الأمطار ضرورية جداً قبل حراثة الأرض، ولا يمكن أن تكتمل الزراعة بدون هطول المطر، ومع غياب الأمطار، اضطررت هذا الموسم لري الأرض باستخدام المضخات التي تعمل على الوقود، ما زاد تكاليف الزراعة بشكل كبير».

وأضاف الساعور «بلغت كلفة الري الأولى حوالي أربعين ألف ليرة لكل دونم، حيث يحتاج الدونم لـ 8 لتر من المازوت، بثمن خمس آلاف ليرة سورية لكل لتر»، مضيفاً أن «الفلاح يضطر إلى اتخاذ أي حلول، حتى لو كانت مكلفة، لإنقاذ موسمه كونه مصدر رزقه الوحيد».

ويحتاج القمح إلى ري ثلاث مرات، في حال كان موسم الأمطار جيداً، أما في الموسم الضعيف، فيحتاج إلى ري من 7 إلى 8 مرات، وهو أمر مكلف جداً.

أما الشعير، فلا يحتاج ري لأكثر من لمرة واحدة، في حال كان موسم الأمطار جيداً، إلا أنه منخفض الإنتاج مقارنة بالقمح، واضطر الفلاحون لزراعته، ولا سيما في الغوطة الشرقية المحاصرة، لاستخدامه في صناعة الخبز.

كما اضطر المزارعون في الجنوب السوري، لاستخدام مياه الصرف الصحي في ري المزروعات، نتيجة الغلاء الكبير في المحروقات، وقال عضو مكتب التنمية الزراعية في الغوطة الشرقية: إن «نسبة من يستخدم مياه الصرف الصحي في الري، تتجاوز 80 % في الغوطة الشرقية»، مشيراً إلى أن «استخدام مياه الصرف الصحي في الري، يرفع من نسبة الملوحة في التربة، ويؤدي لحدوث أمراض فطرية».

من جهته، قال المزارع جهاد عيسى من بلدة حمورية: إن «استخدام مياه الصرف الصحي حل لا بديل عنه، وخاصةً أن سعر المحروقات يزداد بشكل دائم في موسم الزراعة والري»، داعياً المؤسسات في الغوطة الشرقية، لمساعدة المزارعين، وتأمين وسائل الإنتاج، لما سيكون له من دور كبير في تخفيف الحصار.

بينما قال المزارع أبو جاسم الحمزة: «مع ندرة الأمطار، لابد من توفير أسمدة زراعية توزع على الفلاحين، وذلك لكي ترتفع كميات ونسب الإنتاج، للحد من سوء الأحوال الجوية، وقلة الأمطار».

“يستخدم المزارعون في الغوطة الشرقية مياه الصرف الصحي حل لا بديل لمواجهة ندرة الأمطار، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الري بسبب ارتفاع أسعار المحروقات في المواسم الزراعية”

جهود لدعم الزراعات الشتوية

وتلعب المنظمات الخاصة والعامة دوراً كبيراً في دعم العملية الزراعية في الغوطة الشرقية، وقال مدير مؤسسة إكثار البذار في ريف دمشق: إن «المؤسسة قدمت منح لزراعة ثلاثة آلاف دونم، تشمل البذار ومئة دولار لكل دونم، كبدل حراثة وري»، مضيفاً أن «المنح التي تُقدم لا تكفي، لكنها تعتبر تحفيزاً ودعماً معنوياً للمزارع، أكثر منه مادياً».

وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية التي استفادت من منح المؤسسات في الغوطة الشرقية، بحسب إحصاء محافظة ريف دمشق، حوالي 12000 دونم، وجميع هذه المنح لزراعة القمح.

إلا أن عدداً من المزارعين في الغوطة الشرقية، اشتكوا من رفض المؤسسات الداعمة تقديم المنح لهم، بحجة أن الأراضي موجودة خارج خط الأمان، وأشار المزارع أحمد البيك من بلدة جسرين إلى أن «المسافة بين أرضه وخط التماس 2 كيلومتر، ومع ذلك رفضت مؤسسة إكثار البذار إعطاءه منحة، بحجة أن المنطقة غير آمنة».

واتهم البيك «المؤسسات بظلم عدد كبير من المزارعين»، مضيفاً أن «الغوطة هي الخاسر، خاصةً أن أغلب الأراضي المحرومة من المنح، هي أراضٍ خصبة، وغالباً ما تبقى دون زراعة، لعدم قدرة أصحابها على زراعتها، أو خوفهم من المخاطرة، وزراعتها وضياع المحصول».

في حين قال أبو عمر المختاري من سكان اليادودة في ريف درعا: «يعاني الفلاحون من صعوبات كبيرة، ورغم مناشدات محافظة درعا الحرة، وإرسالها دراسات مشاريع زراعة القمح للكثير من الجهات المانحة، إلا أنها غالباً كانت ترد بشكل سلبي، بسبب مخاطر الحرب».

موسم غير مُبشر في المنطقة الشرقية

لم تكن الزراعات البعلية والمروية في المنطقة الشرقية أفضل حالاً، حيث تأثرت أيضاً بندرة الأمطار هذا الموسم، ما أدى إلى انخفاض نسبة المساحات المزروعة على خلاف المساحات التي كان مخططاً لها هذا الموسم.

وقال مدير زراعة الحسكة التابعة للنظام، عامر سلو حسن لصحيفة “الوطن” الموالية إنه “تم زراعة نحو 178500 هكتاراً فقط من القمح البعل من حجم المساحة المخططة، والبالغة 445526 هكتاراً، وبنسبة 42 %، في حين تم زراعة 76 ألف هكتاراً من القمح المروي، من أصل المساحة المخططة لزراعتها، والبالغة نحو 298367 وبنسبة تُقدّر بـ 25 %”.

وبالنسبة لمحصول الشعير المروي، تمت زراعة مساحة نحو 15500 هكتاراً من حجم المساحة المخططة، والبالغة 24332 هكتاراً، وبنسبة 64 %، ومن محصول الشعير الحب البعل، نُفذت زراعة مساحة تصل إلى نحو 330200 هكتاراً من حجم المساحة المخططة، والبالغة نحو 333535 هكتاراً وبنسبة تُقدّر بـ 99 %.

في حين لم تتم زراعة أي من محصول الفول الذي خصصت له مساحة 1098 هكتاراً، والحمص المخصص له مساحة 3000 هكتاراً.

وأشار مدير الزراعة إلى أن “الحالة العامة للمنبوت الزراعي غير جيدة، ولا تبشر بالخير، لعدم هطول أمطار كافية”، مبيناً أن “الهطولات المطرية الأخيرة المحافظةً غير كافية”.

وقال المزارع أبو جدعان من سكان ريف الحسكة لــ سوريتنا: “الزراعة غير جيدة بشكل عام هذا الموسم، فالمزارعون الذين اعتمدت محاصيلهم البعلية على الأمطار، تعرضوا لأضرار كبيرة، لقلة الأمطار، ومع ارتفاع أسعار المحروقات ومستلزمات الإنتاج من أسمدة وبذور محسنة، أصبحت تكاليف الزراعات المروية باهظة إلى حد كبير”.

 

سوريتنا                                                                                          للمزيد اقرأ أيضاً..

الزراعة في ريف حلب الشمالي.. طرقات مقطوعة وحدود مغلقة

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى