التسويق الشبكي.. عمل تجاري أم احتيال “برخصة”؟

منشور  صدى الشام

التسويق الهرمي، بوستر (الإنترنت)

تشهد شركات ما يعرف بـ “التسويق الشبكي” إقبالاً واسعاً من اللاجئين السوريين في تركيا خصوصاً لدى شريحة الشباب وذلك لأسباب عدّة أبرزها صعوبة إيجاد فرص عمل جيدة في السوق التركيّة، وانسداد الآفاق المستقبلية أمام كثيرين وغيرها من الأسباب الأخرى التي باتت معروفة.

ودون اعتبار قانوني ينضم شبان سوريون لهذه الشبكات بشكل أكبر لينتشر هذا النوع من التسويق انتشار النار في الهشيم، وجراء ذلك تصنف تركيا حالياً كأحد أكثر البلدان استقطاباً لهذا النوع من الشركات.

وبحسب مصادر متقاطعة، فإن الكثير من اللاجئين السوريين كانوا ضحايا لهذه النوع من الشركات، في ظل غياب تام للتشريعات التي تحمي حقوقهم، وتمثل وسائل التواصل الاجتماعي وخصوصاً “فيسبوك” مسرحاً للترويج لهذه الشبكات.

ومن المفيد الإشارة هنا إلى صعوبة الخوض في الحديث عن “التسويق الشبكي” والاقتراب من واقعه، بمنأى عن الصورة التي ترسخت لدى الناس بفعل تجارب عديدة دفعت إلى اختزال هذا النمط من التسويق بفكرة “النصب” والاحتيال وبيع الوهم واستثمار رغبة الناس بالربح السريع.

ما هو التسويق الشبكي؟

يُعرّف التسويق الشبكي نظرياً بأنه “تسويق المنتجات المبني على السوق التواصلي، حيث يتم الاعتماد على المستهلك ذاته للترويج للمنتج، ودعوة الآخرين بطريقة تقليدية لشرائه، مقابل ربح مادي عن كل مستهلك جديد”.

وعلى أرض الواقع يعتمد مبدأ العمل لدى هذه الشركات على دعوة الشخص لشراء منتج “باهظ الثمن” ما يُحوله إلى وكيل، ليقوم بدوره بدعوة عدد من الأشخاص، وليتقاضى عمولة عن كل وكيل جديد.

بمعنى آخر، يتميز التسويق الشبكي عن التسويق العادي بأنه يختزل المسافة بين “المصنع” وشركات التوزيع بالجملة وشركات البيع بالتجزئة لبيع منتجاتها، بالمرور مباشرة إلى ربط العلاقة بين المصنع والمستهلك، على أن يتمتع المشتركون في التسويق الشبكي بهامش الربح الذي كانت تتمتع به شركات البيع بالجملة أو المفرق.

ويرى منتقدو هذه الشركات في عملها استغلالاً لظروف الشباب عبر اللعب على وتر الثراء السريع، للإيقاع بأكبر عدد ممكن من “الضحايا”.

“الصورة التي ترسخت لدى الناس عن التسويق الشبكي بفعل تجارب عديدة دفعت إلى اختزال هذا النمط من التسويق بفكرة (النصب) والاحتيال وبيع الوهم واستثمار رغبة الناس بالربح السريع”

سراب

كان محمد (29 عاماً) قبل ثلاثة أشهر من الآن مقتنعاً بأن حياته لن تكون كما كانت سابقاً، فقد شعر وكأنه وقع فجأة على “كنز”.

يروي محمد لـ”صدى الشام” تجربته فيقول: “قبل أشهر من الآن اتصل بي صديقي وقال لي بأنه لديه عمل رائع لي سيريحني للأبد من رائحة الدهان والمواد النفطية التي أشمها كل يوم خلال عملي في الورشات”.

وأضاف: “طلب مني إحضار مبلغ 2200 دولار أمريكي، وعندما قلت له لا أملك هذا المبلغ كاملاً أخبرني بأن علي أن أستدين المبلغ، وأن الأهم أن أؤمنه كاملاً لأنه سيغير حياتي”، حينذاك استطاع محمد أن يؤمن الجزء الأكبر من المبلغ عن طريق أقاربه، ويستدرك “كان كل ما بحوزتي لا يتجاوز الـ800 دولار أمريكي”.

يتابع محمد سرد تفاصيل تجربته قائلاً “وصلت إلى مدينة أورفا قادماً من عينتاب، وهناك بدأ الفريق المُكوّن من حوالي 15 شاباً بإقناعي بالفكرة إلى أن رضخت أخيراً، وسلمت المبلغ مقابل ساعة سويسرية الصنع”.

يضيف “فور تسليمي المبلغ طلبوا مني أن أخبر عائلتي بأن فترة مكوثي هنا قد تمتد لأسبوع، وبدأنا بحضور الورشة التدريبية، ويتابع “كانت الدورة كالسحر، لقد استطاعوا إقناعي بأن حياتي كلها ستتغير وبأني قادر على صنع المعجزات، وبأني سأقبر الفقر قريباً”، على حد قوله.

ويقول محمد، “طلبوا مني بعد انتهاء الورشة أن أقنع شخصين لأنه من دون ذلك لن يكون لي أرباح تدخل رصيدي، وهنا بدأ الوجه الآخر للحكاية وبدأت أتيقن أن ما كنت أشاهده لم يكن إلا سراباً”.

لم يستطع محمد إقناع الآخرين بالفكرة “معارفي كلهم لا يملكون هذا المبلغ، فضلاً عن الشك الذي بدأ يتملكني”، وبدأ يشعر بالخيبة إلى أن أخبره صديقه بأنه سيتدبر الأمر، وأن عليه أن لا يشعر بالقلق “الفريق لن يتركك، لأن عملنا يعتمد على نجاحنا جميعاً”.

دفاع

وتعليقاً على تجربة محمد، تساءل أحد العاملين (أ ز) في هذه الشركات، “هل فشل طبيب يعني أن مهنة الطب غير مربحة، وهل خسارة تاجر واحد تعني أن التجارة غير مربحة”.

ورافضاً الكشف عن اسمه الصريح، بسبب قواعد عمل الشركة، أضاف “من الطبيعي أن يكون في كل عمل خسارة، لكن في عملنا تحديداً نسبة الخسارة مرتفعة جداً”.

واستدرك “الخسارة ليست بالمفهوم التقليدي للكلمة، لأن نسبة الخسارة الفعلية في شركتنا هي 0%”، ويوضح “بمجرد دفعك للمبلغ فأنت حصلت على منتج فريد من نوعه ليس له مثيل في الأسواق، لأنه غير موجود فيها أصلاً”.

وبالعودة إلى محمد، فقد استلم ساعة بعد نحو أسبوع من دفع المبلغ، وما زالت بحوزته للآن، بعد أن تعذر عليه بيعها في السوق التركية.

يوضح ” تركت العمل وعدت بعد أسبوع إلى عينتاب، أما عن الساعة فبعد أن دفعت ثمنها 2200 دولار أمريكي، عرضتها للبيع فيما بعد فلم يدفع لي الباعة أكثر من 150 دولارًا”.

ورداً على ذلك يقول (أ ز) “من الطبيعي أن لا يُقدّر أحد ثمن هذه السلعة الفاخرة، هي بالنهاية سلعة فاخرة ولا يستطيع أي أحد تقدير ثمنها، إلا من يعلم بقيمتها الحقيقية، هي بالنهاية سلعة كمالية”.

“نظرياً: هو تسويق المنتجات المبني على السوق التواصلي، حيث يتم الاعتماد على المستهلك ذاته للترويج للمنتج، ودعوة الآخرين بطريقة تقليدية لشرائه، مقابل ربح مادي عن كل مستهلك جديد”

ولدى عرضنا هذا الردّ على محمد قال متهكماً “لم أرغب أساساً بشراء هذه الساعة الفاخرة لكن كنت مرغماً على ذلك لأنه شرط ضروري، وأحمد الله أني لم أورط أحد وانسحبت مكتفياً بخسارتي لوحدي على أمل أن يعوضني الله”.

وماذا عن صديقك الذي دعاك؟ يقول محمد” لا أستطيع أن ألومه لأن هو الآخر كان ضحية، وللآن لا أشك بنيته عندما دعاني، فقد كان يرى أنه بهذا العمل يقدّم لي خدمة كبيرة”.

قواعد العمل

بحسب (أ ز) الذي يدير فريقاً كبيراً في تركيا، فإن طبيعة عمل شركات التسويق غير التقليدي والمعاصر يفرض قواعد و”أخلاقيات” على من يمارس هذا العمل.

وتتلخص هذه القواعد كما يقول بـ “المسؤولية والبعد عن الأنانية والأهم من ذلك كله هو العمل بروح الفريق، سعياً لإنجاحه بالكامل”.

ويضيف “يعتمد نجاح العمل على الشخص نفسه، فإن كان هذا الشخص قادراً على تعديل أفكاره وتطويرها فهو سينجح حتماً”.

وفي هذا الإطار يستحضر تجربته فيقول “قبل أن أدخل في هذا المجال من العمل كنت محدود الدخل، لكن الآن أنا أصبحت من روّاد الأعمال وصار لدي رصيد مالي أكثر من جيد”، على حد قوله.

ويستطرد قائلاً “المشروع هو مشروع للثراء الأكيد، بشرط التماهي مع الشروط المطلوبة، أي القابلية للتطوير والتفرغ التام للعمل”.

غير تقليدي!

لم يكن هدف “محمد” من العمل مع الشركة هو اقتناء ساعة فاخرة، وإنما الربح، ما يعني وفق محمد أن عمل هذه الشركات مبني على “المغالطة والخداع”.

وتزعم هذه الشركات (التسويق الشبكي) بأن وجود منتج وبيعه هو ما يميزها عن شبكات “التسويق الهرمي” التي لا تشترط وجود سلعة، وإنما الدفع وحسب في سبيل الحصول على الأرباح فيما بعد، أي نقل الخسارة من شخص لآخر.

لكن لـ (أ ز) رأي آخر، فهو يرى أنه لا مشكلة بأن يكون الزبون ليس بحاجة للسلعة حتى يشتريها، لأنه يشتريها أساساً لأجل الربح “أبي لا يحب السيارة لكنه اضطر لشراء واحدة حتى يعمل عليها”. ويستطرد “بالتالي لا مشكلة في هذه النقطة التي تؤخذ على طبيعة عمل هذه الشركات، وإنما هي نقطة تحسب لها، لأن طبيعة عملها غير تقليدية كما أسلفت”.

“محمد: كانت الدورة كالسحر، لقد استطاعوا إقناعي بأن حياتي كلها ستتغير وبأني قادر على صنع المعجزات، وبأني سأقبر الفقر قريباً”

بالمقابل يطرح المحامي عبد الناصر اليوسف رأياً مخالفاً، إذ يرى أنه لا اختلاف جوهرياً في مبدأ عمل شركات التسويق الشبكي عن التسويق الهرمي، ويوضح أن شركات التسويق الشبكي “تحايلت على التسمية من خلال إدخال السلعة، لتقنع الضحايا بأنهم يمارسون عملاً تجارياً كاملاً، أي هناك سلعة وبائع ومشتري”، ويتساءل اليوسف خلال حديثه لـ”صدى الشام”: “هل وجود هذه السلعة التي لا قيمة لها غالباً هو السبب وراء دخول الشباب إلى هذه الشركات، أم الربح دون النظر إلى العواقب والنتائج والكوارث، وهل من الطبيعي أن يدفع المستهلك مبلغ 2200 دولار أمريكي ثمن قلادة حديدية؟”، ويستدرك “لكن بما أن هذه الشركات مرخصة رسمياً وحتى في تركيا، فلا يستطيع أحد منعها من مزاولة العمل، مستهدفة الشرائح والمجتمعات الأكثر فقراً”.

المجتمعات الفقيرة والغنيّة

من الملاحظ أن عمل غالبية هذه الشركات يستهدف المجتمعات النامية والفقيرة (دول العالم الثالث). وتعليقاً على ذلك، يقول المحامي عبد الناصر اليوسف، “لن تجد هذه الشركات مكاناً لبيع الوهم إلا في هذه المجتمعات الفقيرة، فهنا الفريسة سهلة الاصطياد” حسب وصفه.

ويضيف “من السهل اللعب على أحلام الشباب الذين يعيشون واقعاً اقتصادياً متردياً، بينما من الصعب أن تجذب الشباب إلى هذا العمل وأمامهم متسع من فرص العمل التي تدر الدخل المقبول”.

لكن (أ ز) من جانبه يشير إلى انتشار هذه الشركات في كل بلدان العالم؛ غنية كانت أم فقيرة، من الولايات المتحدة إلى مصر إلى ماليزيا وغيرها من البلدان التي لا حصر لها، وبحسب (أ ز) فإن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يمتلك ثلاث شركات تسويق شبكي.

تجارب

ليس خافياً على أحد أن هناك الكثير من تجارب الشبكات التسويقية التي انتهت بهرب المسؤولين فيها، بعد الإيقاع بكثير من الضحايا. وبحسب مصادر إعلامية، فإن شركات التسويق الهرمي بدأت عملها في سوريا في عام 2008، بموجب ترخيص من قبل وزارة الاقتصاد التابعة لحكومة النظام، لكن سرعان ما اكتشفت الوزارة طريقة عمل الشركة، فأصدر وزير الاقتصاد السابق عامر لطفي في نيسان 2009 قراراً بشطب تسجيل وكالة الشركة لدى وزارة الاقتصاد، بعد بلوغ عدد الضحايا 22 ألف مشترك من مختلف المدن السورية.

وفي ذات السياق تعتبر معظم البلدان أن عمل هذه الشركات هو بمثابة الكارثة على اقتصادها الوطني، بسبب استنزاف هذه الشركات لأموال المجتمع، في سبيل تحقيق الربح.

وبالنسبة للسوق التركي، تمتلك شركة Qnet حصة الأسد فيه كما هو الحال في الأسواق العربية المجاورة، وتُعرّف الشركة عن نفسها بأنها واحدة من أبرز شركات “البيع المباشر” في قارة آسيا، وتصب اهتمامها على “مساعدة الشعوب للارتقاء والنهوض من خلال حلول تهدف إلى توسيع الأعمال الحرة وتعزيز أنماط العيش، ورفع مستوى الحياة بالنسبة لموزعي الشركة ولأسرهم ومجتمعاتهم، وكذلك مساعدة الآخرين على تحقيق أحلامهم”.

وتزعم الشركة أنها تستمد إلهامها من حياة وعمل سيرة القائد الهندي غاندي؛ القائد والناشط الإنساني. ومنتجاتها هي الخدمات السياحية والتكنولوجيا والساعات والمجوهرات والصحة والتعليم وأدوات التجميل.

وبحسب موقع الشركة على الإنترنت، فإن عقداً رسمياً يجمعها بنادي كرة القدم “مانشستر” يونايتد الإنكليزي، علاوة على رعاية بعض البطولات الرياضية الأخرى مثل سباق السيارات “فورمولا ون”.

 

مصطفى محمد / صدى الشام                                                              للمزيد اقرأ أيضاً..

شركات “التسويق الهرمي” تستغل أوضاع اللاجئين وتبيعهم “الخسارة”

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

سوريون يلعبون دور البطولة في الدراما العربية برمضان

منوعات سوريتنا

فيسبوك يتاجر ببيانات المستخدمين ويتحكم بتوجهاتهم ويتلاعب بمصائرهم