الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

منشور  كلنا سوريون

الناشط اللبناني نزار غانم

حاوره: عبد الكريم أنيس / كلنا سوريون

♦ سوريا بالنسبة إلى الكثير من اللبنانيين، كانت سجنا كبيراً.

♦ انفجار الاحتقان السياسي والاجتماعي في سوريا كان أكبر من قدرة التنظيمات السياسية السورية على قيادته.

♦ المجالس المحلية كانت تشكيلا ثوريا حقيقيا في مرحلة ما تمثلت بقدرة المجتمع على تنظيم نفسه بعيدا عن السلطة.

♦ كشفنا عن حوالي مئة ألف دولار هدر بعد عمليات المراقبة والشفافية للمجالس المحلية.

 

درس الاقتصاد والعلاقات الدولية وتخرج من جامعة جونز هوبكنز في أمريكا، هو من فئة الشباب اللبنانين الذين استحوذت عليهم فكرة المجتمع المدني للخلاص من فساد البنية السياسية التي استعمرت لبنان ما بعد المرحلة من اتفاق الطائف الذي رعته وكرسته المنظومة الأمنية السورية لبسط هيمنتها على كل الفرقاء الذين احتربوا فترة طويلة وصلت إلى 15 سنة من حرب أهلية تركت وراءها ما يزيد على 150 ألف ضحية ونسيج اجتماعي هش أكل مفاصل الدولة وجعلها مستعمرات لعوائل سياسية تتوإلى الحكم بالتوريث السياسي وهي أصلاً انتصرت بقوة السلاح وأصبحت مفروضة كأمر واقع على الشعب اللبناني.

ناصر نزار الثورة السورية كبقية الشباب العربي الذي يتوق للتغيير في المجتمعات الشمولية التي كانت امتداداً لمخرجات مدارس دينية متحالفة مع سلطات العسكر الأمر الواقع التي توالت على المجتمعات العربية منذ عقود طويلة ورسخت فيه الاكراه والخضوع، لكنه يعتقد أن الثورة قد هزمت في مواضع وجوانب سنتناولها في الحوار التالي.

من هو نزار غانم، هل هناك علاقة بين عمله الحالي ودراسته، هل يعتقد بأن ما يقوم به مجرد عمل! أم هو امتداد لمشروع له علاقة بالتطلعات الفكرية الشخصية، ما هي أحلامه بهذا الخصوص؟

بدأت مسيرتي المهنية كأحد المؤسسين لمركز حل النزاعات وبناء السلام في بيروت في ٢٠٠٣ مع مجموعة من الأساتذة والطلاب.

وكان المركز يهتم بموضوع الذاكرة الجمعية اللبنانية بعد الحرب الاهلية ويتناولها من جانب علاجي وفكري. مزج المركز علم النفس بالعمل الاجتماعي والطلابي. بعدها عملت في المركز اللبناني للدراسات كباحث، وكان المركز يرّكز على إعداد دراسات حول السياسات العامة للوزارات اللبنانية، والمنظمات المدنية وذلك عبر استخدام نتائج البحوث لقيادة عمل اجتماعي منظم.

عبر هذا العمل تمكنت من زيارة معظم الأراضي اللبنانية لإعداد دراسات حول التنمية المحلية ومواضيع شائكة حول العنف الطائفي وتكونت لدي رؤية أكثر وضوحا لتشابك الهوية بالسياسة والاقتصاد. ومن ثم حصلت على ماجستير في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز.

بعد عودتي إلى لبنان استمريت في عملي البحثي (التطبيقي) في السياسات العامة في العالم العربي بصفة عامة وما زلت.

أعتقد بأن معظم جيلي الذي انتظم في المجتمع المدني اللبناني هم ورثة أبناء الطبقة الوسطى اللبنانية الذين تدمرت أحلامهم في الحرب الاهلية اللبنانية التي بدأت كمحاولة لبناء دولة أكثر عدالة وانتهت باجتياحات خارجية ودمار كثيف.

أقفل المشروع السوري ـ السعودي بعد اتفاق الطائف كل المخارج السياسية لجيلي، فبين الفساد الاقتصادي النيوليبرالي والعنف المخابراتي السوري غرق لبنان في نظام سياسي عنيف يتآكله على مهل وما زال. المجتمع المدني بمنظماته الكثيرة، كان عملية هروب كبيرة لجيل انسحب من السياسة نحو المجتمع المدني. فإما الخليج للعمل في الفورة النفطية او الجمعيات الاهلية.

شخصيا أرى نفسي امتداد للحركة الوطنية اللبنانية، مع أني لا أوافق على بعض الخيارات السياسية في السبعينات وغيرها.  حلمي أن أعيش في وطن يكفل الحد الأدنى من الكرامة الانسانية والعدالة ومنطقة مستقرة مترابطة اقتصاديا.

كمواطن جار في دولة شقيقة، ذات تجربة مؤلمة وشنيعة سابقة، كيف نظرت لما يحدث في سورية إبان بدء الاحتجاجات الشعبية للحصول على بعض الحقوق المدنية المسلوبة، من نظام شمولي عنيف كالنظام السوري، هل توقعت أن ترتفع عتبة المطالبات الشعبية لحد الإطاحة برأس السلطة هناك؟ وبالمقابل كيف كانت نظرة المواطنين اللبنانيين الآخرين بالعموم حول ذات الموضوع.

أذكر أن أبي أخذني إلى دمشق عندما كنت في الثالثة عشر وكنت أرجف من الخوف في السيارة. سوريا بالنسبة إلى الكثير من اللبنانيين، كانت سجنا كبيرا. كطفل كنت أعرف أن الكلام مع العمال السوريين خطير، لأنه “كلهم مخابرات”. حتى عند زيارة بعض الأقارب السوريين كان الأهل ينبهوننا الا نتكلم في السياسة.

لا أنسى أن في رحلتى الاولى إلى دمشق، لم أصدق أن هناك أناس عاديون في الشوارع وأن دمشق مدينة جميلة.

بداية الاحتجاجات الشعبية كانت انقلابا اجتماعيا ونفسيا للعلاقة اللبنانية-السورية. شخصيا التقيت بمئات من السوريين الذين ولأول مرة كانوا يتحدثون بحرية. اكتشفت أنني أقرب ثقافيا لبعض مناطق سورية من قربي للعاصمة اللبنانية مثلا. عملية اكتشاف الاخر السوري أصبحت اكتشافا للذات.

أنا من المؤيدين للاحتجاجات السورية بالمبدأ وعملت بما يمليه عليه ضميري في التضامن السياسي والاجتماعي إن من الناحية الاغاثية أو التضامن السياسي. لم أتوقع في البداية أن تتطور الأحداث بهذه السرعة ولم أتوقع أن تبدأ حرب أهلية طاحنة. كنت من المشككين إبان عسكرة الثورة وأيام “الله محي الجيش الحر”.

كنت خائفا أن تتطور الأمور على الطريقة اللبنانية، فحرب ال١٩٧٥ أدت لحرب أهلية طاحنة استمرت ١٥ عام وانتهت بسيطرة القوى الإقليمية على القرار السياسي اللبناني. بذات الوقت، أعتقد أن الوضع في سوريا يتطور بطريقة سريعة. سوريا انفجرت والاحتقان السياسي والاجتماعي كان أكبر من قدرة التنظيمات السياسية السورية على قيادته.

كما أن عنف النظام الذي دعا السوريين علنا لحرب أهلية لم يسهل مسألة الانتقال السياسي.

لبنان المنقسم على ذاته، دخل اتون الحرب السورية. فالقوى التي أتى بها النظام السوري في لبنان، تسانده الآن في سوريا. وكأن ما حصل في لبنان في السبعينات وما يحصل اليوم في سوريا مرتبطان عضويا.

بعد أن انقطعت السلطة العسكرية والمركزية المباشرة للنظام السوري على مناطق واسعة من أراض سوريا، تنامت حالة واسعة من الفراغ استدعت تنظيم النفس والاعتماد على الذات لتسيير شؤون المواطنين اليومية وما يتعلق بذلك من حصول المواطنين على الخدمات الأولية الأساسية، تجلى ذلك عبر انتخابات المجالس المحلية من جهة، وظهور منظمات المجتمع المدني بشكل متواتر حتى باتت ظاهرة ملحوظة.

أرجو منك أن تشرح لنا بإسهاب عن منظمات المجتمع المدني ووظيفتها العضوية في مناطق النزاعات.

المجالس المحلية كانت تشكيلا ثوريا حقيقيا في مرحلة ما وجاءت كردة فعل على سقوط مؤسسات النظام المحلية. هذه الظاهرة التنظيمية كانت حقيقية ورسخت لأول مرة تجربة حكامة محلية. انقطاع السلطة العسكرية المركزية أعطى لأول مرة القدرة للمجتمع على تنظيم نفسه بعيدا عن سيطرة المخابرات وفتح إمكانية صعود حركات سياسية جديدة تأطر المواجهة مع النظام.

هذا بحد ذاته كان فرصة سياسية للمعارضة لم يتم استغلالها، وتم تضييعها هباءً عبر فتح الباب لتنظيمات مسلحة إسلامية (كالنصرة وداعش) التي فعليا قامت بسحق التجربة الديمقراطية في المناطق المحررة. بكل بساطة قامت تشكيلات المعارضة العسكرية بنقل التجربة البعثية، وأعتقد أن الثورة خسرت فعلا، عندما أصبح العديد من الناس يعتقدون أن مناطق النظام أأمن نسبيا.

الواقع السياسي الذي نشأ في المناطق المحررة، حيث أن الحكومة الانتقالية في غازي عنتاب منفصلة تماما عن واقع الأمور في سوريا ساهم أيضا بتذبذت الصورة. فالمعارضة تم اختراقها من الدول المجاورة وعبر منظومات الريع (وكالات التنمية الكبرى) التي تطبق سياسات خارجية غير متناسقة.

وبدل أن تحكم المعارضة عبر نسق سياسي عسكري متجانس قادر على ضبط القرار السياسي والعسكري على الأرض، ما حصل هو العكس، انهيار وتشرذم استثمرت به الدولة “الصديقة” قبل العدوة. فبدل ان تمسك المعارضة كجبهة سياسية بسياسة الدعم العسكرية والمدنية، كما فعل ويفعل الان النظام في دمشق او في مناطق الاكراد، لما وصل الوضع لهذه الدرجة. فالمسؤولية متبادلة، كان هناك قرار دولي بإبقاء المعارضة في حالة ضعف، من الناحيتين العسكرية والسياسية.

من هي الجهات التي ترعى منظمات المجتمع المدني، أعتقد أنه من المعلوم لديك أنه سبق أن رفضت كل الأنظمة في المنطقة هذه المنظمات واعتبرتها أذرعاً مخابراتية للتدخلات الداخلية، أو تعاملت معها على حذر على الأقل، وبالتالي فإن سمعة المنتسبين اليها والعاملين فيها موضع ريبة، حيث تم تجريم المنتسبين اليها بجرم التجسس والخيانة في كثير من المرات من قبل الأنظمة، إلى أي مدى يعتبر هذا الكلام صحيحاً؟ هل تستطيع أن تشرح لنا عن الآلية التي عبرها يتم انتقاء موظفيها وعلى أي أساس يتم اعتمادهم، هناك الكثير من اللغط حول هذا الكلام. أيضاً من جهة أخرى، قد تواترت حالات كثيرة تم رفض توظيف الشخصيات التي تتمتع بموقف سياسي واضح ضد عصابة الأسد الاجرامية ضمن هذه المنظمات، حتى لو وجد بعض الأمثلة المعاكسة لهذه الحالة المتواترة، كيف نفهم هذا التناقض؟

لا أعتقد بأنه يمكننا التعميم على منظمات المجتمع المدني ويجب التفريق بين المنظمات العاملة. مثلا، منظمات مثل أنقذوا الأطفال أو الصليب الأحمر النروجي والكثير من المنظمات المدعومة من دول اسكندنافية أو منظمات الامم المتحدة، هي منظمات مستقلة نسبيا. أعطيك مثالا، النرويج. كنت أقوم شخصيا بدراسة للحكومة النروجية هذا الصيف حول كيفية صرفهم الأموال لدعم التعليم في العالم وكيف بإمكانهم تحسين هذا الدعم.

وقد تفاجأت جدا بنظامهم السياسي والتنموي. في النرويج لا يمكن للدولة أن تتدخل في الاجندات السياسية للمنظمات التي تدعمها وفي دستورهم، على الدولة إعطاء حوالي ١ بالمئة من الناتج المحلي كمنح إغاثية لمنظمات المجتمع المدني. أي اتهام عن تدخل سياسي في الأجندة الإغاثية قد تؤدي إلى مشكلة سياسية داخلية لأن الدولة تلتزم حرفيا بمفهوم حيادية المساعدات أو neutrality of aid. المساعدات النروجية في الإغاثة الداخلية في سوريا ولبنان كانت نسبيا كبيرة.

فهي من الداعمين الأوائل لمنظمة اليونيسيف. والنروج رائدة عالميا في دعم التعليم. دون هذا الدعم، يمكن القول إن المساعدات التعليمية للاجئين السوريين كانت ستكون معدومة. لذلك أعتقد بأن أكبر مشكلة أتت من منظمات أميريكية مدعومة من وزارة الخارجية الأمريكية والمال الخليجي المتدفق. هذين المصدرين كانا الأكثر تسييساً للوضع في سوريا وذلك لأن المنظمات العاملة التزمت بحذافير السياسة الخارجية للدول المانحة.

وما فاقم المشكل هو أن المعارضة السورية لم تقم بضبط إيقاع هذا الدعم وشرّعت المناطق التي تحكمها المعارضة لكل هذه الأجندات. يقوم النظام بالتعامل مع نفس اللاعبين، ولكنه يقوم باختيار الفرقاء حسب أجندته الداخلية، ولأنه يملك السيادة على مناطقه، يقوم بتغيير إيقاع المساعدات. فالسؤال هو لماذا ينجح النظام بالسيطرة على طريقة الصرف فيما تفشل المعارضة، واعتقد السبب الأساسي هو عدم سيطرة المعارضة على الأرض بنفس الطريقة.

لنكون واضحين حاولت الحكومة الانتقالية إدارة هذا الموضوع عبر تأسيس وحدة تنسيق الدعم. ولكن هذه الوحدة لم تستطع أن تضبط الحدود ولم تملك السيطرة الكافية على الأرض.

هل تعتقد حقاً بوجود نظام دولي يفعل ما بوسعه لينتشل الواقع العربي من مستنقع التسلط والأنظمة الشمولية؟ ألا تعتقد أن هناك أصلاً شراكة بين المجتمع الدولي، الذي يعتبر من نفسه نظاماً شرعياً لأنه الخارج المنتصر من الحرب العالمية الثانية، مع أنظمتنا الاجرامية التي اغتصبت لنفسها حق الشرعية عبر قوة الانقلابات العسكرية! بالتالي هل ما ينبثق عن وزارات خارجية المجتمع الدولي من منظمات مجتمع مدني هي مؤسسات تمتلك شيئاً من المصداقية وقابلة لتكوّن شراكة مع شعوب مهمشة ومسحوقة كشعوبنا في المنطقة، أم أنها مجرد شبكات عنكبوتية تصطاد النزاعات وتبني منها أرصدة بنكية خصيصاً مع الاعتماد على الاستنزاف الزمني لمثل هذه النزاعات؟

يعيش العديد من العاملين في هذه المنطقة تحت وهم أن هناك آخر في العالم اسمه المجتمع الدولي، وأن هذا الآخر يملك سلم أخلاق، وقانون دولي، وأن هذا الآخر معني بالتحرك خارج إطار توازن القوة. فالعالم لا تحكمه الأممية ومجالس سوفيات ثورية. هذه الحالة انتهت أساسا في الاتحاد السوفياتي مع تشكل الستالينية.

هل نتكلم عن المجتمع الدولي الليبرالي الديمقراطي؟ فهذا أيضا عبارة عن تجمع لمصالح دولية تدير العالم بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية. انظر إلى الاكراد، لقد قاموا بعمل أفضل بكثير مما قامت به الثورة السورية، ولم تكن نهايتهم أفضل. بمعنى أن المصالح الدولية واستقرارها عبر منظومة توازن القوى هو الأهم.

العالم تحكمه المصالح وليس الاخلاق، وهذا امر كان موجودا في السابق وسيبقى موجودا بعد موتنا بفترة طويلة.

كشعوب في المنطقة علينا أن نفهم، أن أي عملية تغييرية لا تعتمد على تنظيم ذاتي وعلى فلسفة للعمل واقعية تعترف بأن سوريا ولبنان، مناطق لصراع نفوذ بين أطراف متعددة دولية وأن المشروع السياسي عليه أن يلتزم بالحد الأدنى من اللعب على هذه التناقضات فمصيرنا دوما الخسارة.

المنظمات الدولية لن تحل مكان السياسة والالتزام السياسي. فالتعاون بين الشعوب لا يحتاج لمنظمات عالمية ويمكن اقامته عبر شبكات تضامن سياسية.

مجددا في مناطق النزاعات، علينا أن نفصل بين الجانب الاغاثي مثل التعليم والصحة وبين المنظمات السياسية التي تم توظيفها بصراحة من وزارات خارجية مهتمة بالوضع السوري.

برأيك لماذا غاب الدعم المباشر عن هيئات محلية مختلفة كالمجالس المحلية، المنتخبة حسب المتاح والظروف ، بطريقة شرعية وديموقراطية، وتم تسليم الدعم المالي بطريقة التجزئة لبعض الموظفين الذين ليس لديهم صفة قانونية للتدخل بأمور داخلية، هناك الكثير من التدخلات غير المقبولة ولا المعقولة من قبل موظفي هذه المنظمات، مثال بسيط محاولة فاشلة لفرض اللباس المدرسي حسب مزاجية الجهة الداعمة من منظمة دولية ما. سألت الرئيس التنفيذي لإحدى الجهات العاملة بالشأن التعليمي من التشيك عن سبب التعامل المباشر مع مدراء المدراس مباشرة، رغم وجود وزارة للتعليم ومكاتب تعليمية منتخبة في المجالس المحلية،  فأجابني جواباً واضحاً: ” التعامل مع القطط الصغيرة يختلف عن التعامل مع القطط الكبيرة”. ماذا ينبئك مثل هكذا جواب وقح؟ أتمنى أن ترفق اجابتك بأمثلة مختلفة مما يتناقله النشطاء بشكل مباشر أمام الجميع.

لا أدري عن هذه الحالة ولا يمكن الإجابة بشكل موضوعي على هذا السؤال. ولكن أستطيع القول أن المجالس المحلية تلقت الكثير من الدعم ولكن في معظم الأحيان ما يحصل في شبكات التنمية هذه هو ان البيروقراطية تأخذ أكثر بكثير مما ينتهي في جيوب المواطنين. هذا الموضوع عالمي تقريبا ومشكلة تعاني منها كل منظومة المساعدات في العالم.

فما يحصل فعليا، هو ان تدفق الاموال يحصل بسرعة عند الازمات ولكن المؤسسات المحلية لا تستطيع تصريف كل هذه الاموال بطريقة بيروقراطية (بمعنى لا يملكون الحسابات أو القدرة على رفع التقارير والخ). فالواقع القائم يصبح أن مصاريف إيصال المساعدات يكلف أكثر بكثير من المساعدات النهائية نفسها. لهذا هناك الكثير من الكلام عالميا، حول كيفية كسر هذه البيروقراطية. كمثال على ذلك تقوم مؤسسة الصليب الأحمر الدنماركي بالالتزام القانوني بأن كل ١٠٠ دولار تكلف فقط ٧ دولارات من ناحية الإدارة. بناءً على هذا الواقع تقوم بتقديم المساعدات.

ليس كل المؤسسات بهذه الشفافية آو بهذا الالتزام. نرى الكثير من الهدر في هذه المؤسسات وللأسف هذا هو واقع مؤسسات التنمية وقطاع المساعدات العالمي. هناك نظرية في النقاش الدائر في حلقات التنمية هي أن صرف المساعدات يجب أن يعطى مباشرة لمؤسسات الدولة نفسها وليس صرفها عبر المجتمع المدني.

يقول المنظرون لهذا الموقف ان هذا يشجع على تقوية مؤسسات الدولة النظامية (أو مثلا الحكومة الانتقالية) لأن ذلك يعطي الموارد لمؤسسات لها استمرارية عبر الزمن وتملك المعطيات الكاملة للتصرف بالأموال بطريقة أكثر فعالية. هكذا يعمل البنك الدولي على سبيل المثال حيث يقوم بصرف الاموال للدول على شاكلة قروض.

النظرية الأخرى تقول بأن إعطاء المال لمؤسسات رسمية سيؤدي لزيادة الفساد خاصة في دول ديكتاتورية فاسدة. في الحقيقة منظومة صرف المساعدات في العالم لدول العالم الثالث تقوم بمزيج من الاثنين. دعم تنموي للمشاريع الكبيرة يتم عبر المؤسسات الرسمية، ودعم آخر أصغر يتم عبر المجتمع المدني. هناك شبه اتفاق ان المجتمع المدني أكثر فعالية في مراقبة الدولة وتغيير السياسات العامة لذلك يحصل على أموال لها علاقة بالمراقبة أو ببث الوعي والخ.

ما هو الفرق بين أن تكون موظفاً لصالح جهة كالنظام السوري تسعى للإجبار والإكراه، وبين أن تقوم بنفس الدور بوظيفة لصالح منظمات مجهولة المصدر المالي، تتدخل بالأمور السيادية للمناطق التي تقوم برعايتها، تطالب باستمرار بتقديم معلومات، صغيرة وكبيرة، استقصائية واستفزازية؟ ألا تعتقد أن عصابة الأسد تستفيد من هذه الضبابية بإطلاق تهم العمالة والتجنيد لصالح أجندات المخابرات الدولية وتعلن ليل نهار أن العاملين في مثل هذه المنظمات هم عملاء استخباراتيون يعملون ضد مصالح دولتهم الأم، التي أكلها ودمرها النظام وفساده وسلاحه وغباء أطراف من المعارضة التي لم تجد في التمويل مفسدة كبرى؟

معظم المنظمات التي كانت تعمل في غازي عينتاب هي نفسها تعمل في دمشق والأردن الان ويمكننا ان نعدها. هذا ما عدى المنظمات التي كانت تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية مباشرة وهي معروفة ولن أقوم بسرد أساميها هنا. بالتالي اعتقد بأن ذلك يعتمد على شكل المنظمات وهذا موضوع كان على المعارضة التشديد عليه عبر إدارة اجندة الدعم. وهذا موضوع حاولت المعارضة ان تقوم به عبر هيئة تنسيق الدعم ولكنها فشلت في الحد منه.

حسب معلوماتك أو ما اطلعت عليه، هل تستخدم منظمات المجتمع المدني الدعم المالي، حسب ما يوافق المانحين؟ على سبيل المثال، هل يُحرم من الدعم الفئات التي حُسبت على التوجهات الاسلامية؟ هناك الكثير من اللغط المثار حول هذا الموضوع، هل نستطيع أن نصل لحقيقة ما يجري في مكاتب الدعم المركزية المتواجدة بعنتاب واسطنبول؟

صراحة، بالعكس أعتقد بأن الدعم المالي في الحالة السورية تم توجيهه نحو الإسلاميين. أعرف العديد من الأشخاص الذين رفضوا إقامة مشاريع في مناطق النصرة أو مشاريع يكون المستفيد منها تيارات إسلامية كالنصرة. في مرحلة معينة قامت الدول المانحة بالدعم الكامل للإسلاميين. في بداية النزاع قمت بإرسال إغاثة من كنائس كندية تعمل في أميركا اللاتينية على دعم الحركات الاجتماعية الكبرى المناهضة للرأسمالية ولم يكن لديهم أي مشكل في إرسال الدعم إلى مسلمين أو من لديه توجهات إسلامية مع أنه كان لهم مشكلة مع الدعم المرسل إلى قوى مسلحة وهذا مشروع.

أنا أعتقد العكس، لقد تم تعويم الإسلاميين في سوريا، وبالذات القوى الراديكالية الإسلامية، وهذا جزء من فشل الثورة. وقعت الثورة بالأسلمة وهذا بالضبط ما أراد النظام تصويره وهو أن الثورة السورية ثورة دينية (ما خرجنا الا نصرة لهذا الدين) بدل أن تكون شعارات الثورة مثل بدايتها حول العدالة الاجتماعية والتحرر من الظلم.

أنا شخصيا استقلت لأنني كنت أحاول العمل مع نشطاء مدنيين في إدلب وحلب على بناء مراكز اجتماعية (شبه علمانية) لكسر هذا الإصرار على أسلمة المناطق المحررة، وتم اقصاؤنا لأن القوى المسلحة الإسلامية تدخلت أكثر من مرة لسحق هذه التجارب. أنا لا مشكلة لدي مع الإسلاميين الديمقراطيين.

في إطار نظام ديمقراطي نعترف به بحق الجميع بالعمل فلا يسعى احدهم لفرض اجندة مضادة للدين بالقوة، والعكس كذلك، لا مشكلة حتى مع السلفية الدينية، اذا اعترفت بحق الآخرين بممارسة حريتهم. ولكن ما حصل في مناطق الثورة كان العكس. وهنا المأزق.

هناك مطالبات مشروعة من منظمات المجتمع المدني للتوثيق والشفافية تُطالب بها الجهات التي تقوم برعايتها، بكل صراحة ما هو مقدار المصداقية التي تصل للمانحين من هذه التوثيقات والشفافية؟ كم هي نسبة التلاعب والهدر التي تقدرها؟ وبالمقابل من هي الجهة التي تطالب الجهة التي تقوم بعملية المنح، وهي هنا منظمات المجتمع المدني بمثل هذا التوثيق، خصوصاً من ناحية الجدوى وفعالية ما يتم الانفاق عليه ومدى مساهمته برفع جزء من المعاناة والسوية الاجتماعية المنوط بها للمنطقة التي يُتخذ قرار بدعمها. يعتقد كثير من السوريين أن هناك كمية هدر كبيرة جداً في مشاريع لا تفيد ولا تغني عن حجم الفاقة والمعاناة الكبيرة التي طالت السوريين.

لقد عملت على مبادرة مراقبة للمجالس المحلية السورية مع مجموعة كبيرة من السوريين كان هدفها مراقبة كل الاموال القادمة للمجالس المحلية وتحسين الشفافية وأعتقد أنها كانت فعلا ناجحة وقد تم الكشف عن حوالي مئة ألف دولار هدر وتم أخذ التدابير اللازمة.

أعتقد أن التوثيق ضروري ولكن على هذا التوثيق أن يكون لعامة الناس وليس فقط للمنظمات وهذا ما حاول ان يقوم به المرصد السوري للشفافية. كان بإمكانك حقيقة رؤية كل الذي تقوم به المجالس المحلية.

التوثيق والشفافية التي تطالبه المنظمات الدولية هو لأن الاموال التي تصرف، هي أموال عامة وبالتالي من حق الناس الوصول اليها والتأكد ان الصرف يتم ضمن القانون وليس عبر الفساد. أعتقد بأن علينا كناس أن نعرف أيضا من يحصل على الأموال ومن أين لكي نعرف كيف نحاسب المجالس المحلية ودولنا أيضا.

لا يمكننا أن نعرف مستوى الهدر دون أن نعرف مستوى الصرف وان ينشر الفرقاء موازناتهم على الانترنت. أنا من المؤمنين بذلك. يجب أن نطالب المنظمات الدولية بالشفافية المالية مثلما يطلبون من الفاعلين على الأرض تقديم التقارير، فليقدموا التقارير عن أعمالهم. المرصد السوري للشفافية فعلا قام بذلك.

ماهي انتقاداتك المباشرة للثورة السورية، أين هي المطبات التي لاحظت أنها وقعت فيها؟ هل هناك مبررات منطقية ومسوغات أرغمتها على الصورة التي وصلت اليها؟ كيف تصنف الناشطين الثوريين من حيث تبني القضية والكفاءة والفعالية بحمل رسالة التغيير؟

هناك العديد من المشاكل، برأيي المتواضع:

المراهقة السياسية وسوء التنظيم: ليس من المعقول وبعد سنوات طويلة، أن الثورة السورية ما زالت مقسمه ومشرذمة وهذا موضوع داخلي بحت. يتحمل الجميع عدم قدرتهم على العمل الجماعي.

لا يوجد مشروع سياسي: المعارضة للآن لم تنتج مشروعا سياسيا مقبولا في سوريا، فنجح النظام في تصوير الثورة على أنها مجموعة من الإسلاميين المتطرفين المدعومين من دول خارجية وبأن قوى المعارضة غير عقلانية. لم يعد كافيا بعد وقت محدد من التبرير للمجموعات السلفية على أن العنف هو صنيعة النظام. فالسؤال الذي طرحه النظام على المعارضة هو: كيف ستحكمون بعدي؟ ولم يتلق الجواب ميدانيا، فكان الإسلاميون المتطرفون يحكمون الأرض والمعارضة المعتدلة منفية في غازي عنتاب وتتكلم عن الديمقراطية وحقوق الانسان. بالإضافة إلى ذلك لم تقم المعارضة بالحد الأدنى لجلب الاكراد صوبها في بداية الثورة. فما المشكلة بالاعتراف بالكردية كلغة رسمية أو حتى اعطاؤهم حكما ذاتيا، على الأقل لجلبهم صوب الثورة أكثر من النظام؟ المشروع السياسي أصبح أكثر وأكثر مرتبطا بأحلام ترانس-سورية من نوع تأسيس الخلافة وهذا موضوع خسّر الثورة شرائح واسعة من الطبقة الوسطى ومن سوريون من أديان مختلفة.  نجح النظام بتصوير المعارضة كمرتهنة للخارج وأنها تحمل مشروعا دينيا. لم تنجح المعارضة بأي شكل من الاشكال بمحاربة هذا الخطاب.

فشل في فهم الصراع الإقليمي: أعتقد بأن معظم “أصدقاء الثورة” كانوا بالمحصلة يستعملون الثورة لتصفية حساباتهم مع النظام وتحسين شروط هيمنتهم الإقليمية. لم تستطع المعارضة ان تمسك بخيوط توازن القوى الإقليمي بشكل يمنحها الشرعية الإقليمية، بينما نجح النظام بذلك.

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات سوريتنا

فيسبوك يتاجر ببيانات المستخدمين ويتحكم بتوجهاتهم ويتلاعب بمصائرهم

منوعات عنب بلدي

“الستاند أب السوري” يترنح بين الهواية وشركات الإنتاج