سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

منشور  كلنا سوريون

الأديب والناقد السوري، سامي الدروبي (1921-1976)

ولد سامي مصباح الدروبي في مدينة حمص، ربيع عام 1921، لعائلة عُرفت بحبها للعلم والثقافة ومواقفها الوطنية تجاه الفرنسيين. نشأ في كنف والدته سامية السباعي وبين أخوته الذين كان لهم حظاً وفيراً من التعليم، إلا أنّ سامي كان الوحيد الذي سطع نجمه في تلك العائلة.

تحصيله العلمي

أمضى الدروبي الثلاثين عاماً الأولى وهو يتعلم كل ما أمكنه من علوم، فبدأ بتلقي علومه الابتدائية والإعدادية في مدارس حمص، لينتقل أثناء التحضير لشهادته الثانوية إلى “تجهيز دمشق، القسم الثانوي للبكالوريا”. ثم تابع دراسته في دار المعلمين العليا لمدة عامين، في تلك الفترة مارس التعليم في مدارس الجولان الابتدائية، ليُعيّن معلماً بعد ذلك مباشرة في قرية المخرم الفوقاني في حمص، لكن عمله لم يستمر أكثر من عام واحد، لأنه قد أُرسل إلى مصر في أواخر1943 ليدرس في كلية الآداب في القاهرة قسم الفلسفة ويتخرج منها عام 1946.

بعد إنهاء دراسته وعودته كانت سوريا قد استقلت عن فرنسا، فعُيّن مدرساً للفلسفة والمنطق بثانويات حمص، لينتقل في العامين التاليين إلى دمشق ويصبح معيداً في جامعتها. لكن في عام 1949 تم إرساله إلى باريس لتحضير الدكتوراه في الفلسفة، ليعود عام 1952 ويصبح مدرساً في كلية التربية ثم أستاذاً لعلم النفس.

كل ذلك التاريخ التعليمي أثر على نمط الدروبي العلمي ليصبح فيما بعد أحد أهم أعلام الثقافة السورية.

في تلك الفترة التي أصبح فيها مدرساً للفلسفة، وقع سامي عام 1954 في الحب أثناء لقائه الأول داخل الحرم الجامعي مع إحدى الطالبات التي تدرس الإذاعة، وكانت تدعى إحسان بيات، وبعد أربعة أيام من ذلك اللقاء طلب الدروبي يد إحسان التي ستصبح زوجته حتى لحظة وفاته.

حياته الشخصية

تقول إحسان عن تلك الحادثة: “لعله كان أسرع قرار اتُخذ في قضية زواج قُدّر له فيما بعد أن يكون ناجحاً كل النجاح”. وبالفعل بعد يومين من ذلك كان أن أُعلن عن خطوبة سامي وإحسان أمام الملأ. بعد الخطوبة طلب سامي من إحسان الاستقالة من عملها الإذاعي لتتفرغ كسكرتيرة له، وبالفعل لم ترفض إحسان طلبه، فقاما بأول عمل مشترك بينهما وهو ما سيفتح تاريخاً عظيماً من الثقافة لهذه البلاد، وكانت ترجمة كتاب مذلون مهانون لدويستوفسكي.

كانت تجربة العمل المشترك قد وفرت على الدروبي الكثير من الوقت والجهد، فقد كان سامي يقرأ العمل من النص الفرنسي وتقوم إحسان بكتابته مباشرة باللغة العربية.

استمر زواجهما بنجاح قل مثيله لما يقارب العشرين عاماً فأنجبا ثلاثة أبناء، هم: ليلى، ومصباح، وسلمى.

بالإضافة إلى عمله في الترجمة، كان الدروبي يقوم بدور وكالة الأنباء في وقتنا الحالي، فقد كان عضواً في حزب البعث، وبعد حرب السويس عام 1956 اتخذ الحزب قراراً بتحويل جريدته البعث إلى جريدة يومية لمتابعة الأحداث السياسية الطارئة، وكان المسؤول عن هذا العمل ثلاثة أشخاص، هم: عدنان الفرا، وعلي الأشقر، وسامي الدروبي.

وكان الدروبي يخرج من جامعته متوجهاً إلى مبنى الإذاعة؛ ليستمع إلى الأخبار العالمية، ويكتب مع الأستاذ نجاة قصاب حسن بعض التعليقات على الأحداث، كما كان يترجم بعض الأخبار ليتم نشرها في الجرائد.

“إحسان بيات: قال لي يومها إن هناك كلمة يجب عليه إصلاحها، فقد بقي في اليوم السابق يفكر بها طوال الليل لإيجاد المعنى المناسب.. وبعد ذلك الحدث بساعة أسلم روحه لباريه”

مناصب تقلدها

بقي مواظباً على ذلك العمل حتى قيام الوحدة عام 1958 فتم إرساله إلى مصر كمدير في وزارة الثقافة ومدرس في جامعة القاهرة حتى عام 1960، حين تم تعيينه كمستشار لجمهورية الوحدة في البرازيل حتى الانفصال، فعاد إلى دمشق، وفي تلك الفترة توفيت ابنته سلمى بحادث اختناق بالغاز أثناء الاستحمام، وهو ما ترك أثراً في نفس الدروبي؛ ليصب جل اهتمامه لنسيان تلك الحادثة في العمل السياسي السري، فقد كان رافضاً للانفصال من المبدأ الوحدوي المهم لتطور البلاد، وفي عام 1963 تم تعيينه كوزير للتربية بعد انقلاب الثامن من آذار، فعاد إلى جامعة دمشق مدرساً، وبدأ بتولي المناصب، فعُيّن سفيراً لسوريا في المغرب عام 1963، ثم سفيراً في يوغوسلافيا بعد عام واحد، واستمر في ذلك العمل حتى عام 1966، حين تم استدعاؤه ليكون مندوباً في جامعة الدول العربية.

بقي في ذلك المنصب حتى إصابته بجلطة قلبية عام 1971 وهو في القاهرة، وبقي للعلاج ثلاثة أشهر قبل عودته إلى سوريا. في نفس العام قرر الدروبي إعطاء مكتبته إلى الجامعة السورية كهدية منه، وبعد تعافيه بفترة تم تعيينه سفيراً في إسبانيا وبقي في منصبه حتى عام 1975 مع بقائه في عمل الترجمة وإنجاز مشاريعه الأدبية، حيث مرض بشدة في مدريد، فطلب إعادته إل دمشق، وبقي يعمل في حقل الترجمة والأدب رغم ظروفه الصحية القاسية، وأنجز خلال مسرة حياته ترجمة ما يعادل 17 ألف صفحة من أهم الأعمال الأدبية في العالم.

كلمة.. شغلته وهو يحتضر

قبل ساعة من وفاته، تقول زوجته إحسان عن تلك الحادثة: نهض سامي إلى مكتبه رغم تعبه وهو يقول لها: إن هناك كلمة يجب عليه إصلاحها، فقد بقي في اليوم السابق يفكر بها طوال الليل لإيجاد المعنى المناسب، وبعد ذلك الحدث بساعة كان الدروبي قد أسلم روحه لباريه، وهو محاط بأولاده ليلى ومصباح في الثاني عشر من شباط عام 1976.

في تأبين الدروبي حضر عدد كبير من الشخصيات الثقافية السورية والعربية والسياسية ومنهم نجلا عبد الناصر بالإضافة إلى وزراء ثقافة عرب وأجانب، لما كان للدروبي من مساهمة وتأثير في نقل الثقافة الغربية إلى العالم السوري والعربي.

مؤلفاته

كان لسامي مساهمات كبيرة في كتابة المقالات والمخطوطات والتأليف والترجمات في الأدب والسياسية والتربية وعلم النفس والفلسفة. ومن أهم ما أنجزه مترجماً: ” تفكير كارل ماركس، المذهب المادي والثورة، المجمل في فلسفة الفن، منبعا الأخلاق والدين، مسائل فلسفة الفن المعاصر، الضحك، الطاقة الروحية، الفكر والواقع المتحرك، مدخل إلى علم السياسة، معذبو الأرض، علم النفس التجريبي، سيكولوجية المرأة، الأعمال الكاملة لدوستوفسكي، الأعمال الأدبية الكاملة لتولستوي بالإضافة لترجمات متفرقة في الأدب الروسي”.

كما كانت لمؤلفاته حظوة الحضور ومنها: “علم النفس ونتائجه التربوية، دروس علم النفس، الموجز في علم النفس، علم النفس والأدب، معرفة الإنسان بين بحوث علم النفس وبصيرة الأديب والفنان، علم الطباع.. المدرسة الفرنسية، الرواية في الأدب الروسي”.

لقد عمل الدروبي خلال خمسة وخمسين عاماً من حياته في كل ما استطاع لتقديم فكره وإبداعه إلى سوريا؛ كي ترتقي إلى مصاف أعلى. ليس كشخص ناقل فقط، بل كأحد عباقرة الترجمة الأمينة القلائل في العالم.

ربما كان من الأجدر بالنسبة لبعضهم الحديث عن الدروبي كرجل وطني وله مواقف قومية ونضالية، لكن ذلك الجانب في شخصيته يوجد لدى أغلب السوريين الذين عايشوا مراحل سوريا في زمن الاحتلال الفرنسي، لكن الدروبي المترجم، الذي عرف تماماً كيف يستفيد من الاحتلال ليقدم لسوريا جانباً ثقافياً مميزاً هو ما يستحق الحديث عنه، إنها تمكنه من اللغة التي احتله يوماً فأعاد تدويرها ليُنتج ثقافة مرسخة ما زالت حتى اليوم شهادة لا تُمحى.

على الرغم من أنه ترجم الأعمال الروسية عن الفرنسية، فإن ذلك قد كان بمثابة عبقرية فريدة، فلو أراد أحد أن يترجم عن اللغة الأم لما استطاع أن يقدم ما أراده الأدباء الروس بتلك القوة. لم تكن الترجمة بالنسبة إليه نقلاً من لغة إلى لغة؛ بل كانت تأملاً في المشاعر والجمال.

الدروبي ودوستوفسكي

لقد استحوذ دوستوفسكي على قلب الدروبي منذ أن كان في السادسة عشرة، ومنذ ذلك الوقت أراد أن تضم المكتبة العربية تلك الأعمال لما تحتويه من عمق فلسفي ونفسي. لقد عمل بجدية منقطعة النظير على ترجمتها، وفي عام 1966 تم التعاقد مع وزارة الثقافة المصرية على نشر الأعمال الكاملة.

إن تعلّق سامي بدوستوفسكي كان منبعه بالدرجة الأولى الاختصاص الذي درسه في فرنسا بعلم النفس، ذلك المزج الفريد بين أكاديميته وعشقه للأدب وإتقانه للفرنسية، خلق لديه هاجساً بالترجمة الأمينة، فلم يكن سامي يترجم إحساسه بل نظرته المتميزة والمقارنة النقدية لمدارس علم النفس وتطورها، وهذا ما فعله أيضاً مع تولستوي في ترجمة أعماله وأعظمها على الإطلاق كانت الحرب والسلم، حيث رسم ملامح شخوص ذلك العمل بطريقة جعلت منه أحد النصوص الخالدة في قلب مثقفي الوطن العربي.

يبقى سامي نموذجاً ساطعاً في تاريخ سوريا، لأنه لم يقدّم فقط الثقافة بل الرؤية الحية والدرس الأبدي: إن العمل في أي مجال هو مساهمة في بناء البلاد والعقل والإنسان، إن حياة الدروبي هي درس حرية من نوع آخر من الصعب والمستحيل على أصحاب العقول المحدودة والمؤدلجة استيعابه.

 

خالد علوش / كلنا سوريون                                                                  للمزيد اقرأ أيضاً..

الحضارة والعقلانية والقومية.. الأقانيم الثلاثة للمؤرخ السوري قسطنطين زريق

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى