من التطبيل إلى التطبيل

منشور  كلنا سوريون

الفنان السوري همام حوت، مقدم برنامج السيناريو (يوتيوب)

منذ فترة أصدرت قناة الأورينت برنامج انتقادي لأحد الشخصيات المسرحية والثورية في سوريا، وهو همام حوت، ببرنامج سيناريو.

للحقيقة لم أكن راغباً في متابعته بداية الأمر، وذلك لموقف قديم من طريقة الطرح التي كان همام يتعامل بها مع مفهوم المسرح، عند سطوع نجمه في سوريا وعرض مسرحياته التي كانت، مثلما قال عن نفسه في أحد اللقاءات مع جو شو المصري، أنّ النظام قد حوله خلال عروضه المسرحية سابقاً إلى مطبّل للنظام، وبالتأكيد ليس مُعيباً أن يدرك الشخص ولو متأخراً، مثلنا جميعاً، كيف كنا مخدوعين بسفالة هذا النظام.

تغاضيت عن ذلك الموقف القديم من عروضه المسرحية السابقة وقررت متابعة إحدى حلقات سيناريو، وهناك تحدث همام عن السيناريو المكتوب لحافظ الأسد من قبل دول العالم وكيف أنه سيكون الكلب الوفي لإسرائيل، وخيانة الأسد للقضية الفلسطينية ولياسر عرفات ولجميع المعارضين لبلادهم حيث كان حافظ يحتويهم.

ما استوقفني في ذلك الخطاب، ليس عدم صحة ما يقوله همام، فمثل هذا النظام ليس سوى عميل منحطّ، وأصبح من البديهي بعد سبع سنوات، معرفة أي سوري وحتى أي عربي بالسياسة القذرة لآل الأسد، لكن ما أذهلني هو قبل انتهاء الحلقة شاهدت نفس الشكل القديم الذي كان يمارسه همام حوت يوماً في مسرحياته السابقة عندما كان مخدوعاً بوطنية النظام، وأحاديثه عن هيبة الشعب السوري وقدرته على الصمود وتضحياته المثالية، وأن مشكلة السوري ليست برجل مخابرات أو وزير، بل لأننا لا نستطيع أن نحب بعضنا البعض.

وتحمّل أي سوري لرشوة شرطي مرور أو إهانة من رجل أمن لكنه لا يقبل بأن تُنكّس الراية الوطنية السورية (مع الاعتبار، أن تلك المرحلة تتطلب خطاباً من ذلك النوع داخل نظام أمني). ذات الشكل كان يقدمه في برنامج سيناريو وإن اختلف نسبياً شكل الخطاب من شعب تحت راية نظام إلى شعب تحت راية معارضة، مع احتوائه على نفس البُعد التوهيمي.

ذلك الشعب العظيم المقاوم الذي وقف في وجه أكبر طغيان بالمنطقة، تحدّى أشرس آلة دموية في العالم، ذلك الشعب الذي رضي الموت ولم يرضى الذل، ذلك الشعب الذي سيحقق الانتصار، شاء من شاء وأبى من أبى، لأنه شعب مؤمن بالله، ذلك الشعب الذي قدّم التضحيات. شعب الصمود والكبرياء.. الخ.

“ما يقدمه في برنامج سيناريو وإن اختلف نسبياً شكل الخطاب من شعب تحت راية نظام إلى شعب تحت راية معارضة، مع احتوائه على نفس البُعد التوهيمي.”

بالتأكيد يا سيد همام، أن هذا الشعب الذي ما زال يمتلك القدرة على الحياة، هو شعب عظيم، لكن ليس لأنه يؤمن بالله أو لأنه قدّم التضحيات، بل لأنه بعد كل شيء أصبح قادراً على التفكير الحر والفهم والإبداع والبحث عن طرق حياة مختلفة، وتحرّره في الدرجة الأولى من أوهام الإيديولوجيات السياسية والأخلاقية والوطنية التي كانت تحكمه، والتي ما زال البعض (بمن فهم فئة من المعارضين المؤدلجين) يحاولون الترويج لها حتى اليوم..

وإن بقي جزء من هذا الشعب (ونقصد هنا بالضبط) المزمرين التابعين لسياسيات دولية وينفثون إيديولوجيات خاصة ووسائل إعلام معينة، يعملون كآلة تطبيل للآخر بصورة نضال الشعب. إنها استبدال منظومة بأخرى.

إن خطاب همام بتلك الرومانسية الوهمية التي تعمل كإبر مورفين للتهدئة – مثلما كانت أثناء عروضه المسرحية في زمن النظام – ما زالت تعمل بذات الآلية للتوهم.

إننا على الأرض كشعب قد هزمنا، وهذه حقيقة، والإيمان بالله خلال سبع سنوات لم يقدم حلاً لهذا التشرد والموت الذي عانيناه، واستمرار خطاب العظمة والصمود لن يُغيّر في هذه الحقائق شيئاً.

وتوهيمنا أننا سننتصر لأننا مؤمنون لم يعد يقطع بدماغ أي شخص يحمل ذرة من العقلانية ولو قليلاً. لقد أصبح القاصي والداني يعلم تماماً أن حلول الواقع لسوريا وللشعب، هي حلول سياسية دولية بحتة لا شأن لنا كشعب بها.

إن خطاب همام يشبه تماماً خطاب المعارضة المُلتحية، التي فقدت كل شيء، سياسياً وعسكرياً، ومن بقي منها (يعلم الجميع مقدار إما عمالتها للنظام نفسه أو لجهات أخرى) وما زالت حتى الآن تُقدّم نفسها كموقف أخلاقي ثوري أنها لا تقبل أي حلول سياسية غير إسقاط النظام، مع أن واقع السياسة يفترض فهم العجلة التي يدور في فلكها الواقع السوري.

الخطاب الوهمي المبتذل بينما يوجد في ذات الوقت، 800 طفل سوري في الغوطة يموتون، ليس جراء الحرب، بل جراء الجوع. والمعارضة ما زالت تحمل لواء (العلاك المصدي) باسم الأخلاق الثورية والسياسة العبقرية.

ما يفعله همام حوت في برنامج سيناريو، هو تماماً ما تفعله المعارضة في موقفها الأخلاقي من حضور مؤتمرات لإيجاد حلول، وهم لا يملكون أي موقف قوة. الاستمرار بتوهيم الأحياء \ الأموات بأخلاقية الموقف، وأحقيتنا بالنصر لأننا أصحاب حق ووطن لا أنّ الواقع والسياسة الغبية للمعارضة، مثل عمالة النظام (شاء من شاء وأبى من أبى) أصبحت جليّة بهزائمنا.

وفوق كل هذا تتجلى الآلة الإعلامية المعارضة كالأورينت وهي تعمل جاهدة – تحت اسم النضال الوطني – لتمرير مشروعها الخاص التابع لإيديولوجيا محددة.

“الخطاب الوهمي المبتذل بينما يوجد في ذات الوقت، 800 طفل سوري في الغوطة يموتون، ليس جراء الحرب، بل جراء الجوع. والمعارضة ما زالت تحمل لواء (العلاك المصدي) باسم الأخلاق الثورية والسياسة العبقرية”

وعندما يقبل همام حوت بالظهور في برنامج مثل سيناريو، بخطاب عاطفي قدري، مثل إرادة الشعب المؤمن الذي لا يُهزم، والشعب الذي ضرب مثلاً في الصمود ولم يسبقه عليه أحد غير صحابة رسول الله، ومن تلك الجمل التي تضع ألمنا اليومي كشعب بسيط ومقهور تحت آلة المورفين، ليست سوى جرّ الثورة التي انتهت من الواقع وأصبحت عبارة عن ثورة في الذاكرة والحس الداخلي فقط، نحو موقع إيديولوجي يخص فئة دون سواها.

عندما خرجت الناس في سوريا نحو الشارع مطالبة بإسقاط النظام، لا لأنهم كانوا يريدون سوريا كالسعودية أو قطر أو تركيا، وعندما كان الناشطون والثوريون يعملون في الخفاء، بعض البرامج ويكتبون ويتظاهرون، لأنهم كانوا يريدون سوريا كسوريا، دون إيديولوجيات تقود البلد نحو موقع معين.

مشكلة سوريا أن السلطة فيها كانت عميلة بستار وطني وإيهام شعبي، وستبقى مشكلة سوريا حتى لو سقط الأسد والنظام، هي وصول أي جهة لسدة الحكم تعمل بإيديولوجيا معينة كعمالة للآخر.

واسمح لي يا سيد همام أن استخدم عبارتك التي تستخدمها في برنامجك.. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولجميع من خُدِعوا وجميع من يتم خداعهم حتى اليوم.

وفي النهاية ليس يأساً، بل لأن هذا الشعب فهم ووعى المشكلة الكبرى.. نحن الشعب السوري البسيط، لن ننتصر كثورة، وأي دعوة لإعادة إحياء الثورة بشكلها القديم ليس سوى نوع من دعوة لموت مستمر..

لن ننتصر لسببين مهمين، أولهما أننا لا نعمل لأي إيديولوجيا خارجية (لا بشكل مقصود ولا بشكل غير مقصود)، وثانيهما لأننا فهمنا الثورة بعد سبع سنوات، أنها ليست الدوران في حلقة الموت من أجل هدف سياسي كما يريده البعض، بل الثورة هي أن تعيد صياغة كل التجربة بإطار عقلاني وليس عاطفي للاستمرار في الحياة.

وعندما نقول نحن، فنقصد الشعب الذي دفع ضريبة كل الانحطاط الدولي والسوري (النظام والمعارضة) نحن الشعب الذي لن تُعرف وجوهنا أبداً.

 

علي الأعرج / كلنا سوريون

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد