خيارات السوريين المؤلمة

منشور  كلنا سوريون

لم يعد خافياً على عموم السوريين، وليس اكتشافاً القول: إن من يتحكم بقضية الثورة السورية هم القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي يعكس مزاجاً يائساً لدى غالبية الناس، بأن الحل، إن كان ثمة حل قريب، ليس بمتناولهم، وليس عليهم سوى الانتظار وتلقي الصفعات، وتلك المعرفة يجب أن تدفعنا إلى التفكير بما هو ممكن تحقيقه ضمن عملية التصارع تلك، وما يلبي أو يقترب من حاجاتنا.

يمكن تلخيص واقع الحال: بأن ما يجري الآن هو صراع من أجل تقاسم النفوذ بين عدة دول إقليمية ودولية، وانسحاب بعض ممن كان لهم دور سابق، لينحصر تقريباً في أربعة دول، وهي: تركيا، وإيران، وروسيا، والولايات المتحدة.

وتقف بقوة كل من روسيا وإيران إلى جانب النظام، دفاعاً عن مصالحهما وبغية الحصول على مكاسب أكبر من خلال هذا النظام- الألعوبة- القائم، بينما تبقى تركيا بوضع الصديق الضعيف، الذي اضطر حفاظاً على مصالح البلد، إن لم يكن خوفاً من تعرض البلد لاهتزاز كبير يعرض وحدته للخطر، لإقامة علاقات جديدة مع روسيا بوتين، ومع إيران الحرس الثوري وولاية الفقيه، خاصة بعد تفضيل الولايات المتحدة لخصم تركيا التاريخي، حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي على تركيا، والتشارك معه في المعركة ضد داعش، وهو الأمر الذي اعتبره الأتراك تهديداً لأمنهم القومي.

من خلال تلك التشابكات التركية الجديدة، مع كل من روسيا وإيران، تمكنت من التشارك بإقامة مناطق خفض التصعيد في جزء من سورية، فكان نصيب تركيا منطقة درع الفرات في الريف الشمالي والشرقي لمدينة حلب، بعد أن استبيحت حلب من قوات النظام، ليضاف إليها حالياً مناطق إدلب والريف الغربي لحلب.

بينما تتشارك روسيا وإيران إلى جانب النظام- الألعوبة، بالسيطرة على معظم المدن الكبرى (دمشق وحلب وحمص وحماة ومدن الساحل السوري)، إضافة إلى جزء من دير الزور التي يجرى الاقتتال عليها وحولها.

تنفرد الولايات المتحدة بعلاقة مميزة وقوية مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي يسيطر على مساحات كبيرة في الشمال والشرق من سورية، حيث الزراعة والنفط والغاز، إضافة إلى منطقة عفرين، التي توضع على طاولة المساومات حالياً بين روسيا وتركيا.

كما شاركت الولايات المتحدة وأشرفت مع كل من الأردن، (وإسرائيل، بشكل غير مباشر) على إقامة منطقة خفض التصعيد في الجنوب السوري.

بقراءة بسيطة للوقائع القائمة في سورية، يمكن القول بأنه ليس هناك سوى بعض الخيارات المفروضة كلها على السوريين، والتي يمكن إجمالها بالخيارات التالية:

أولاً- استمرار العلاقة مع تركيا، ومن خلفها التهدئة مع روسيا إلى حد ما، والقيام بخطوات في تلك المناطق (درع الفرات، وريف حلب الغربي وإدلب، وإن أمكن عموم مناطق الجيش الحر) بتنظيم نموذج للحكم الديمقراطي من خلال انتخابات عامة في جميع هذه المناطق وبنفس التاريخ، وفق شروط ديمقراطية، وأهمها المسؤولية والمحاسبة، إضافة إلى ترتيب أجهزة الشرطة والقضاء، وبناء تعليم وفق معايير الحياد، بدلاً من الحالي الذي يعتبر مؤدلجاً بامتياز، والعمل مع الأتراك لتكوين جيش موحد مهني في عموم هذه المناطق.

ثانياً- قد يبدو الخيار مؤلماً أكثر، وهو التعاون مع قوات سورية الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية، التي تقودها وحدات حماية الشعب، بتشكيل جسد عسكري واحد يمكن أن يشكل قوة ومصدر تهديد للمصالح الإيرانية أولاً، التي تعتبر الخطر الأكثر بشاعة في سورية، ثم السعي لتأسيس نموذج حكم ديمقراطي.

ثالثاً- وهو الخيار الأكثر إيلاماً، وهو التعاون مع الروس ومصر والإمارات والسعودية، ومن دون عداء لتركيا، لخلق توازن معين يسعى إلى الحد من النفوذ الإيراني، ويؤسس لحكومة على الطريقة الروسية في ديمقراطيتها وعلمانيتها.

رابعاً، وأخيراً: وهو التشبث بمبادئ الثورة، في الوقت الضائع، الذي لم يعد سوى جدار أخلاقي ومعنوي للسوريين، بعد أن ارتهن معارضوهم وعسكريوهم لمختلف القوى الإقليمية والدولية؛ أي: التحول إلى حاملي المفاتيح وأحاديث الذكريات، وشحذ الهمم عل فرصة تاريخية أخرى تتكرر.

بعد سرد هذه الخيارات المؤلمة، لا بد من التذكير بأمور بسيطة، وهي: إن السياسة عملية موضوعية بين قوى اجتماعية وعسكرية واقتصادية، وليست إرادات وتمنيات، من دون الانتقاص من دور العزيمة والمجازفة اللتين يتطلبهما أي قرار سياسي.

لنحدد المطلوب، أي الهدف، والإمكانيات المتوفرة لدينا، وكيفية الوصول إلى ذلك الهدف في ظل الوقائع القائمة، وبمعنى آخر: ما هي فرص خلق واقع جديد من الممكنات المتاحة؟

يتفق غالبية السوريين على ضرورة الخلاص من النظام الاستبدادي، والانتقال إلى نظام ديمقراطي يسعى إلى تأسيس دولة محايدة مع مواطنيها وفق دستور وقانون لا يفرق بينهم اعتماداً على العرق أو الدين أو المذهب، كما يحظى هذا الخيار بتأييد دولي إلى حد ما يضمن مصالح الدول الكبرى، والإقليمية المتصارعة، ولا بد من تطمين تلك الدول، وتبقى إيران الدولة الوحيدة التي تعارض جدياً مثل هذا الطرح؛ كونها تسعى إلى تحقيق مشروعها الخاص القومي والمذهبي، من خلال دعم بقاء النظام الحالي، بعد أن وصل إلى حالة من الضعف جعلته رهينة وألعوبة بيد روسيا وإيران، كما لا يغيب عن ذهنها حالة العداء للشعب السوري الذي تسعى جاهدة لتفتيته، مما يسهل لها تنفيذ مشروعها المذهبي والقومي.

كما ينبغي الأخذ بالحسبان وأولاً، الحالة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيش فيها أكثرية الناس في سورية في مناطق التشريد، التي أصبحت تضم كتلة بشرية كبيرة موزعة في مخيمات تفتقد لأدنى مقومات الحياة، من معيشة وتعليم وصحة وغيره، والتي تؤثر بشكل سلبي على معنويات وإرادة الناس.

بعد السنوات السبعة من التدمير والتهجير والقتل، ينبغي إعادة الاعتبار للسياسة، التي تدرك جيداً مصالح الناس، وتسعى إلى تحقيق أفضل الممكنات، وهذا لا يعني أبداً التخلي عن مطلب الخلاص من النظام الاستبدادي أولاً وعاشراً، والعمل على تأسيس الآليات التي تجعل الانتقال إلى نظام ديمقراطي عملية ممكنة.

 

احمد عيشة / كلنا سوريون

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد