في أوروبا.. لاجئون يقعون ضحية الاستغلال الجنسي

منشور  صدى الشام

“الاتحاد الأوروبي ليس عبارة عن فتيات عشرينيات شقراوات سَيسقطنَ أرضاً عندما يجدن اللاجئ الشاب الوسيم قادماً من المشرق العربي.” بهذه الكلمات يشرح الشاب السوري “أيمن” الواقع كما عاشه في أوروبا من خلال تجربته وما جرى معه حين كان لاجئاً في السويد.

ويعيش أيمن حالياً في ألمانيا منذ أكثر من عامٍ ونصف، بعد أن غادر السويد بسبب الإجراءات القانونية التي أعادته إلى ألمانيا، استناداً إلى ما تنصّ عليه اتفاقية “دبلن” بخصوص إعادة اللاجئ إلى أول بلد أوروبي بصم فيه.

لكن شيئاً ما حدث مع الشاب البالغ من العمر 32 عاماً، دفعه إلى الاستمرار في المحاولة في ذلك الوقت، فبحسب قوله فإنه لم يرتح للحياة في ألمانيا “التي تغص باللاجئين” حسب تعبيره. لكن الدافع الأقوى الذي تحفّظ هذا الشاب بدايةً على ذكره هو تعرّفه إلى امرأة سويدية مسنّة عرضت عليه مساعدته للبقاء في السويد. “كُنّا نتواصل باللغة الانكليزية، وكانت لطيفة جداً معي” يقول أيمن، ويضيف: “أُعجبت بعرضها حتّى طلبت مني ممارسة الجنس معها بشكلٍ مستمر فرفضتُ العرض وعدتُ إلى ألمانيا”.

استقر الشاب في ولاية دورتموند الألمانية لاحقاً، وهو يعمل حالياً على إنهاء دراسة اللغة بهدف دخول سوق العمل. لكن ما حدث معه في السويد يبقى ماثلاً في ذاكرته في ظل تكرار التجربة في أوساط الشباب، ويوضح أن عدداً كبيراً من اللاجئين تعرّضوا لحالات مشابهة مع نساء أوروبيات.

منافع وهواجس مختلفة تحرّك هذا النوع من العلاقات، في مقدمتها هاجس الترحيل لدى اللاجىء، والدافع المادي أيضاً. كل ذلك أوصل إلى انتشار علاقات جنسية مشبوهة قائمة على مبدأ “تبادل المنفعة” والذي لا يخلو في أحيان كثيرة من الابتزاز.

بديل

يعيش اللاجئون السورييون وغيرهم في أوروبا تحت وطأة ظروف تفرض نفسها عليهم عند التفكير بالارتباط، فمن جهةٍ أولى بات الزواج أمراً صعباً بالنسبة لهم، بسبب عدم قدرتهم على لم الشمل لفتيات من سوريا، كما أن السوريات اللاتي وصلن إلى أوروبا يضعن شروطاً مادية تعجيزية- بالنسبة لكثيرين-على الشاب الساعي للزواج، بما في ذلك المؤجل والمعجّل والحفلة وباقي المصاريف وغيرها.

ومن جانب آخر فإن صعوبة الاندماج والحواجز الاجتماعية مع المجتمع الجديد تجعل من الصعب على اللاجئ أن يرتبط بفتاة أوروبية من مواطنات البلد الذي يعيش فيه.

كل هذه الأسباب والمقدمات أدت بالشاب السوري “رياض” المُتحدّر من مدينة الباب في ريف حلب، للدخول في علاقة مع امرأة تبلغ من العمر 58 عاماً.

يحكي رياض قصّته لـ “صدى الشام” وكيف أنّه حصل على منزل في قرية ألمانية قرب هامبورغ، وهناك استضاف أكثر من مرّة عدّة سيدات من جيرانه يعشن في الشارع نفسه. “كان لديهم فضول للتعرّف على حياة السوريين ومناقشة الأوضاع”. يتطرق رياض إلى الأجواء التي سادت هذا التعارف مشيراً إلى أنه قام بدعوتهم لتناول الطعام السوري في سبيل توطيد العلاقة، ولكن إحدى النساء دعته إلى منزلها عدّة مرات، وعرضت عليه القيام بعلاقة جنسية معها وأن يكونا “أصدقاء عاطفيين”.

المرأة المنفصلة عن زوجها منذ سنوات، قالت له “إن الأمر طبيعي ويحدث كثيراً في ألمانيا” حسب وصفها، فما كان من رياض إلا أنّ وافق على العلاقة بعد فشله في إيجاد شريكة حياته سواء كانت سورية أو ألمانية.

ويبرر هذا الشاب السوري ما جرى بأنه علاقة قائمة على “تبادل المصالح”، حسب قوله لكنه يتسائل في الوقت ذاته: “لماذا لا يوجد أي لاجئ تلقّى هذا العرض من فتاة عشرينية ألمانية؟”. ويستطرد أن عدداً كبيراً من أصدقائه كانوا على علاقة مع نساء طاعنات في السن اللاتي يعجزن غالباً عن إيجاد مواطنين ألمان يخوضون معهن تلك العلاقات لذللك فإنهن يلجان إلى المهاجرين.

“لاجئون سوريون: الكامبات تحوّلت إلى مقصد للنساء الألمانيات، المتقدمات بالسن، تصعّب عليهن إيجاد (شريك)”

العصا والجزرة

في السويد، تعرّف “لطفي” (اسم مستعار لشاب ينحدر من مدينة دوما قرب العاصمة دمشق) على امرأة من أوروبا الشرقية. رفض لطفي في المرّة الأولى الحديث عن قصّته لـ “صدى الشام”، ولكنه وافق بعد إخفاء اسمه الصريح. وبعد تردد يروي الشاب كيف تعرّف على المرأة في إحدى حفلات الاندماج بين السوريين والسويديين، حينها أخبرته بأنّها وحيدة ولا تمانع في استضافته عندها في المنزل، ليتخلّص من شبح “الكامبات” العشوائية.

“من الشائع في السويد وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول أن تقوم عائلات من البلد باستضافة لاجئين كنوع من المساعدة الاجتماعية والدعم للاندماج”. يتحدث لطفي، مبرراً علاقته تلك والتي بدأت بعد انتقاله إلى منزل تلك المرأة، “واستمرّ الأمر بعدها عدّة مرّات” حتّى قرّر لطفي ترك المنزل بعد أن سئم “العلاقة معها”، على حد تعبيره.

ويضيف أنّه عندما قرّر الانسحاب قامت بتقديم مغريات مادية له، مثل راتب شهري مقابل بقائه، إضافة لمساعدته على الحصول على منزل مستقل به والذي لا يحصل عليه اللاجئ إلا بعد فترة من حصوله على الإقامة، لكنه أصرّ على الرفض، فهدّدته بـ “العمل على ترحيله من البلاد”.

يقول الشاب إنّه خاف من كلامها لأنّه كان يظن أنّها قادرة على فعل ذلك، ولكن اتّضح له لاحقاً أنّه لا يحق للمواطن ترحيل اللاجئ إلّا إذا قدّم أدلة للقضاء، تثبت ارتكاب اللاجئ لأفعال تستوجب الترحيل.

هذا النمط من الارتباط كانت قد سلطت مجلة “داس بيبر” النمساوية الضوء عليه قبل فترة، وتحدثت في تقرير مفصل عن علاقات “عاطفية” باتت تنشأ “بين سيدات متقدمات في السن، ولاجئين شبان ذوي أجسام جميلة، قائمة على تبادل المصالح بين الجانبين؛ مثل ممارسة الجنس مقابل المال”.

وتمحور تقرير المجلة حول حياة ثلاثة لاجئين، بينهم عربيان اثنان، وأوردت تفاصيل عن كيفية دخولهم في مثل هذه العلاقات، وما الذي يدفعهم إلى مواصلتها، على الرغم من أنها ليست قسريّة.

وبحسب ما كشفته المجلة النمساوية فإن حسان، وهو اسم مستعار للاجئ عراقي في الرابعة والعشرين من العمر، التقى بسيدة في الخمسين من العمر تقريباً في ملهى قبل 8 أشهر، بعد تناول بعض المشروبات، وأخبرته أنه مثير، قبل أن تسأله “إن كان يريد مرافقتها إلى منزلها”، لتنتهي الليلة بممارستهما الجنس، وهو ما تكرّر لمرات لاحقاً.

وبالنظر إلى كونه يعيش مع ثمانية لاجئين آخرين في شقة مكونة من غرفتين، فإنه لم يتردد عندما عرضت عليه السيدة الانتقال للعيش معها في شقتها، على مبدأ أنه “ليس لديه ما يخسره”.

“لطفي: في إحدى حفلات الاندماج بين السوريين والسويديين تعرّفت على امرأة، أخبرتني بأنّها وحيدة ولا تمانع في استضافتي عندها في المنزل، لإنقاذي من شبح (الكامبات) العشوائية”

علاقات متعدّدة

فتحت باب سيارتها ودخلت إلى نُزُل اللاجئين المؤقّت في ألمانيا. يصفها محمد، بأنّها امرأة شقراء لا يقل عمرها عن 60 عاماً، كانت تضع نظارات شمسية حتّى لو كان الوقت ليلاً ولا يوجد ضوء.

تعرّف محمد إلى هذه المرأة في الكامب، وكانت تتردّد إليه كثيراً وتقدّم نفسها على أنّها “خبيرة اجتماعية متطوّعة لمساعدة اللاجئين” وكانت تتقرّب كثيراً منهم.

يروي محمد كيف دعته إلى منزلها لكي تجري نقاشاً معه حول آثار الحرب عليه، ولكن “عند الوصول إلى المنزل كان الحديث جنسياً بحتاً”، حسب قوله، إذ طلبت منه علاقة بحجّة “إراحته نفسياً من ضغط الحرب”، وبعد انتهاء العلاقة عاد للكامب.

يقول إنّه رآها بعد أيام في الكامب ذاته، كانت تدعو لاجئاً آخراً للغرض ذاته، وحين تحدث عن الأمر أمام أصدقائه في كامب آخر أكّد له معظمهم بأنّهم عاشوا علاقات مشابهة، إذ أن الكامبات تحوّلت إلى مقصد للنساء الألمانيات اللاتي وصلنَ إلى مرحلة عمرية متقدّمة تصعّب عليهن إيجاد “شريك”.

“قوّادون”

ولكن تبادل المنفعة لم يكن الأمر الوحيد الذي يحكم تلك العلاقات، فثمّة ما هو أفظع من ذلك، حيث أفاد تقرير إعلامي أن موظفين في شركات أمن بالعاصمة برلين يتوسطون لحث لاجئين على ممارسة الدعارة.

التقرير الاستقصائي الذي أعدّته القناة الثانية الألمانية أوضح أنه يوجد بين المعنيين أشخاص دون سن الرشد أي “قُصّر”. واستند التقرير التلفزيوني إلى شهادات موظفين اجتماعيين وعاملين في شركات أمنية ولاجئين.

وتحدّث مندوب أمني، مسؤول عن عدة دُورْ للاجئين، عن وجود شبكة قوادين داخل دور السكن هذه، وغالباً ما يعمل رجال الأمن على إقناع اللاجىء بالتوجه نحو الدعارة مقابل الحصول على المال. ويقول أحد الأشخاص الذين ظهروا في التقرير التلفزيوني إنه “كلما كان السن صغيراً، كلما ارتفع السعر” على حد تعبيره.

وأكد موظف وجود شبكة دعارة، موضحاً أنه يحصل على 20 يورو لكل وساطة، في مقابل لاجئين أكدوا صحة هذه التصريحات.

وأوضح شاب أفغاني في العشرين من عمره رُفض طلب لجوئه، أن موظفاً أمنيّاً سأله ما إذا كان يرغب في تحقيق صفقات، وقال:” رجل الأمن أكد لي الحصول على 30 يورو مقابل ممارسة الجنس مع امرأة وربما 40 يورو”. وصرّح الشاب الأفغاني أنه “مُجبر على كسب المال للبقاء”، وأنه “يخجل للأفعال التي اقترفها”.

غير أن عضوة مجلس شيوخ برلين، إيلكه برايتنباخ أعلنت أن :”أجهزة برلين المعنية لم تحصل إلى حد الآن على معلومات ملموسة”. وطالبت بأن تتعقب الشرطة والنيابة العامة هذه المعلومات، وأوضحت أنها “ستواجه دوماً بقوة أعمال الدعارة الإجبارية”!

وبعد انتشار هذا التقرير، أكدت الحكومة الألمانية متابعتها لما نقلته وسائل إعلامية حول قيام عناصر شركات أمن مكلفة بحماية دور استقبال للمهاجرين، بممارسة تحريض لاجئين على “الدعارة”.

“مسؤول امني: غالباً ما يعمل رجال الأمن على إقناع اللاجىء بالتوجه نحو الدعارة مقابل الحصول على المال”

وقال الناطق باسم الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت: “إن الحكومة تتعامل مع الأمر بجدية”، مشيراً إلى أهمية “التحقيق بشكل ملموس في هذه المزاعم، التي ساقتها القناة الألمانية الثانية. وأضاف زايبرت في تصريحات صحفية: “علينا التأكد من حقيقة هذه الأقاويل، ومعرفة ما إذا كانت دور الرعاية المذكورة، والقائمون على شركات الأمن المعنية بحمايتها، لهم صلة بهذا الأمر أم لا”. وشدد على عدم استغلال الحاجة المادية للاجئين والمهاجرين لإجبارهم على الدعارة، قائلاً: “هذا الأمر مستهجن وغير مقبول”.

إتجار بالبشر

يقول المحامي السوري المقيم في تركيا عبد الرحمن ابراهيم: “إنّه من الصعب إطلاق حكم قانوني واحد على جميع تلك الحالات”. ويشرح الابراهيم لـ “صدى الشام” أنّ ظروف كل حالة وكل طريقة لهذه العلاقات تختلف عن الأخرى، وفيها ما هو “مبني على الإكراه وما هو برضى الطرفين”، ويضيف: “في حال كان اللاجئ موافق على إجراء العلاقة الجنسية مع المرأة ويقوم بذلك برضا الطرفين وبكل قواه الجسدية والعقلية فإن القانون لا يدين المرأة كما لا يدينه هو، كونها علاقة قائمة بالتراضي”، موضحاً أن بعض اللاجئين يبحثون بأنفسهم عن علاقاتٍ كهذه لسد الفراغ العاطفي والوحدة التي يعانون منها في بلاد اللجوء.

وفي الحالات التي يتم فيها إجبار اللاجئ على ممارسة الجنس تحت أي تهديد سواء كان ابتزازاً مادياً مبنياً على حاجته للمال، أو بتهديده بالترحيل أو بأي تهديد آخر فإن هذا الأمر يندرج تحت التعريف القانوني لـ “الإتجار بالبشر” وهي جريمة يعاقب عليها القانون عقوبات شديدة في جميع الدول الأوروبية، التي تحظر إجبار أي شخص على ممارسة الجنس سواء بالتهديد بالقوّة أو بالضغط المباشر أو غير المباشر.

واعتبر المحامي أن الحالة الأخيرة الخاصة بمتاجرة الشركات الأمنية باللاجئين عبر شبكات دعارة، ينطبق عليها أيضاً تعريف الإتجار بالبشر وتكون عقوبتها مشدّدة كون العملية تتم بشكلٍ منظّم وضد أكثر من لاجئ واحد.

وختم المحامي بأن اللاجئ الذي يخوض علاقات جنسية بإرادته يتحمّل نتائج هذه العلاقة ولكن في الحالات التي يتم فيها الضغط على اللاجئ تحت أي مسمّى فإن عليه تبليغ السلطات المعنية، وشرح ما جرى معه وعدم الخوف من أي تهديد كون القانون يحميه في هذه الحالة.

 

عمار الحلبي / صدى الشام                                                                 للمزيد اقرأ أيضاً..

المعايير الدولية الخاصة بحماية اللاجئين

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد