الثورة السورية والمستحيلات السبعة

منشور  كلنا سوريون

وقعت الثورة السورية في دائرة سبعة مستحيلات قادت إلى محنتها التي نعيشها.

المستحيل الأول: جاء نتيجة استحالة فك الارتباط بين النظام والبرجوازية الدمشقية والحلبية؛ لأن نظاماً يمتلك كل هذه القوة، لابد أن يمنع أيّ إمكانية لإسقاطه من الحضور والنمو، حتى وإن كانت تهدف إلى الحد الأدنى، الذي هو: إسقاط رأسه.

هذه الحقيقة البسيطة الملموسة لا تنفي إمكانية تأتي من خارج إطار سيطرته، وهي: طريقة الصدمة، أي: إسقاطه خلال أيام أو أسابيع معدودة، كما حصل في تونس ومصر؛ لأن هذه الطريقة هي الممكن الوحيد الذي يحرم النظام من إمكانية استنهاض واستجرار كامل قوته الداخلية، التي كانت تعيش حالة رعب وخوف يصل إلى حدود الانهيار، نتيجة الصدمة التي أحدثها الربيع العربي في أيامه وأسابيعه، وحتى أشهره، الأولى، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية، لأنها هي الممكن الوحيد الذي يحرم النظام من استجرار واستقدام القوى الإقليمية الحليفة له، التي لم تكن متيقنة يقيناً قاطعاً من إمكانية صموده حتى ساعات معدودة. مادام ذلك الاستجرار يحتاج بالضرورة إلى عامل الوقت؛ فالوقت ضروري لاستجرار التدخل الفاعل من حلفائه الدوليين روسيا والصين. إن هذا الوقت هو ذاته الذي أفسح المجال للتدخل الفاعل الذي أضر بالثورة، هذا التدخل الذي انخرط ضد أهداف الثورة، ولإعاقة انتصارها من خلال اللعب في أحشاء الثورة، واللعب في المجتمع السوري.

والقصد هنا، هو: تدخل القوى الدولية والإقليمية التي ادعت مناصرة الثورة كذباً. إن سقوط النظام بطريقة الصدمة كان يستلزم دخول البرجوازية السورية في ـ حلب ودمشق ـ مع قاعدتهما الاجتماعية على خط دعم ومساندة الثورة؛ ولأن هذا الدخول كان من المستحيلات، نتيجة بنية وطبيعة البرجوازية السورية التي أصبحت ما بعد 1970 جزءاً شبه عضوي من الطبقة العليا للدولة الاستبدادية الحاكمة، التي يصح أن نسميها: برجوازية الحركة التصحيحية؛ لتمييزها عن البرجوازية السورية التي نشأت في سياق التحرر الوطني، تلك التي قادت المجتمع السوري بعد الاستقلال، وبنت أول دولة وطنية في التاريخ الحديث.

وعلى هذا، فإن أول المستحيلات، وأولى إعاقات انتصار الثورة السورية، هي: هذه البنية، وهذه الطبيعة الجديدة للبرجوازية السورية هي التي قادت إلى تمنعها عن الانخراط بالثورة ونصرتها.

المستحيل الثاني: وهو الذي أعاق توسيع الهوية الوطنية للثورة، وبالتالي أعاق تصاعدها وامتدادها القادر على إسقاط النظام، وقد تجلى في استحالة فك الارتباط بين النظام وقاعدته الاجتماعية الطائفية، التي لو لم تنجر وتنجرف خلف أكاذيب وألاعيب النظام خلال الأشهر الأولى للثورة، لما تم: أولاً- أسلمة الثورة. وثانياً- عسكرتها.

وثالثاً- تدمير سوريا واستباحتها من النظام ولصوص العالم. ورابعاً- لكانت سوريا انتقلت من الحلقة المغلقة إلى الحلقة المفتوحة للتطور. ولكن، لأن قوة المحنة الأخلاقية لهذه القاعدة، التي تراكمت، وتكاثرت على مدى خمسة عقود من الفساد والإفساد، قد كانت أقوى من روحها الوطنية؛ فقد تم ما تم من اصطفاف خلف النظام، بدل الاصطفاف خلف الثورة.

وبتعبير من علم النفس الجنسي لفرويد نستطيع القول: إن قوة الرغبة، وهي هنا الرغبة، في الحفاظ على الوضع القديم ومكتسباته، قد كانت أقوى من قوة الخجل، الذي هو هنا: الخجل من خيانة الثورة …

المستحيل الثالث: وهو الذي تأتى، من كون الثورة قد هبت في وجه نظام صاحب مشروع، كان قد أسس له خلال مدة تصل إلى نصف قرن من الزمن، وهو مشروع يقوم على العصيان في السلطة وبها إلى الأبد. وهو مشروع مرتبط مع مشروع إقليمي تقوده إيران، التي ترى سوريا ونظامها كساحة نفوذ، وقد اشتغلت للوصول إليه مدة تصل إلى أربعة عقود من الزمن.

الأمر الذي يعني: إن صاحب مشروع العصيان بالسلطة، وصاحب مشروع تركيز النفوذ وتوسيعه والحفاظ عليه، قد كانا مستعدين لحرق سوريا والمنطقة وعدم التراجع قيد أنملة عن الوضع القائم. وهنا أقول: حتى لو كان جان جاك روسو، ومعه كارل ماركس، قائداً للثورة السورية، وحتى لو كانت شعارات الثورة كلها، قد اشتقت من شعارات الثورة الفرنسية، وحتى لو كانت كل القوى المنخرطة والمشاركة في الثورة ذات ثقافة علمانية، وحتى لو لم تكن على الخريطة: قطر، وتركيا، والسعودية، ومعها أمريكا، وإسرائيل، حتى لو كان كل ذلك فإن النظام سيقوم بما فعل: من تدمير، وتخريب، وقتل.

إن النظام الذي نطق، وقال: “الأسد أو نحرق البلد”، لم يكن معنياً بهوية الثورة الثقافية، أو الطبقية، أو السياسية. لقد نطق وعمّم شعاره ذاك؛ لأنه نظام قد عمل طيلة خمسة عقود من تاريخ سوريا لتحويل سوريا إلى مزرعة خاصة ببيت الأسد. بما يعني أن النظام قد كان لديه قرار مسبق بعدم ترك هذه المزرعة، حتى لو قاد ذلك إلى تدميرها فوق رؤوس من يطالبه بحقه فيها، سواء أكانوا علمانيين أم إسلاميين…

المستحيل الرابع: هو استحالة السلمية، أو لنقل: استحالة استمرار الطور السلمي للثورة. إن هكذا شروط، من: استحالة جر القاعدتين الطائفية والطبقية للنظام إلى مجرى الثورة، وممارسة النظام أقصى حالات العنف البربري، هي التي شكلت في الحالة السورية، ما يمكن تسميتها: المناطق العازلة أمام الثورة، وبنفس الوقت هي المناطق التي يختبئ، ويحتمي بها النظام، أقصد: مناطق الساحل السوري بشكل خاص، والمناطق التي تقطنها غالبية سكانية، تنتمي إلى العصبية التي يرتكز عليها النظام في بعض المدن السورية، إضافة إلى القاعدة الطبقية والاجتماعية للبرجوازية السورية في مركز أكبر مدينتين سوريتين – دمشق، وحلب – وهو الأمر الذي ترك الثورة معزولة في الأرياف والمدن المتوسطة والصغيرة، وهو الأمر ذاته الذي فرض ضرورة العسكرة لمد شرارة ولهيب الثورة إلى مناطق رأس النظام السياسي والاقتصادي؛ فكانت العسكرة الممر الوحيد للسوريين لإسقاط النظام.

المستحيل الخامس: وهو ما تأتى من استراتيجية قيادة النظام الرأسمالي العالمي – أمريكا تحديداً- اتجاه الربيع العربي عموماً؛ لأن جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على تفريغ الربيع العربي من مضمونه التحرري عبر احتوائه أولاً، ثم حرف مساره ومجراه ثانياً، من خلال إفساح المجال للدول الإقليمية ( قطر، وتركيا، والسعودية ) الحليفة للإدارة الأمريكية لأسلمة هذا الربيع وتحويله إلى خريف.

ولقد كان وصول شرارة الربيع العربي إلى الساحة السورية، ومواجهة النظام البربرية للربيع السوري، فرصة مناسبة للإدارة الأمريكية ولحلفائها في المنطقة حتى تضع سداً وجداراً أمام امتداد حريق الربيع العربي. وذلك من خلال عمل المستحيل -بالتشارك غير المعلن مع النظام- لأسلمة الثورة السورية، وتفريغها من محتواها التحرري. كيف لا، والمجتمع الذي نتحدث عن تحريره وتحرره، ليس إلا جاراً لدولة إسرائيل التي تغتصب أرض فلسطين.

المستحيل السادس: من جاء نتيجة الموقف الإقليمي المتمم للموقف الأمريكي، فقد كان الربيع فرصة بالنسبة إلى تركيا لأسلمته، كمقدمة إلى وضع شعوب المنطقة تحت سقف الباب العالي العثماني الجديد. كما كان الربيع فرصة للسعودية، التي يبدو أنها اكتشفت متأخرة: لا مدى النفوذ الإيراني في المنطقة فحسب؛ بل ضرورة مواجهة هذا النفوذ على الأرض السورية، وبأدوات إسلامية طائفية، كأفضل الطرق- من وجهة نظرها ونفوذها ومصالحها- للمواجهة، وبنفس الوقت أفضل طريقة لمواجهة خطر امتداد الربيع العربي إلى أراضيها، وذلك من خلال تحويل هذه المواجهة إلى حرب طائفية سنية شيعية.

المستحيل السابع: لقد جاء نتيجة لعدم إدراك الإسلام السياسي الإخواني السوري للدروس والعبر، التي أدركها من قبلهم شيوعيون وقوميون، وهي الدروس والعبر التي تقول: إن منطق الغلبة، والاحتكار للسلطة والثورة لن يقود في النهاية إلا إلى هزيمة الجميع، ومعهم المجتمع برمته. وهي دروس القرن العشرين مع النظم الشيوعية والقومية التي لم تحصد في النهاية سوى الخيبة، ولم تورث لمجتمعاتها غير الخراب، كنتيجة لعقلية الغلبة والاحتكار السياسي.

ولقد كان- على ما يبدو- لزاماً، أن يصعد الإسلامي الإخواني على مسرح التاريخ السياسي؛ لكي يصل بعد تجربة مريرة ودامية له، وللشعوب التي يعمل في كنفها، إلى الحائط المسدود. أو لنقل: كان عليه أن يناطح حيطان التاريخ؛ حتى يأتي الوقت الذي يدرك فيه: إن المجتمعات لا تبنى بمنطق الغلبة والاحتكار السياسي. ولكن، ويا للأسف! يبدو ألّا بارقة أمل، لأن يفهم الدرس قريباً، وقبل فوات الأوان.

 

نبيل ملحم / كلنا سوريون

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد