المخابرات الغربية تفرج عن وثائق سرية تثبت تورط رفعت الأسد بمجازر حماة

منشور  سوريتنا

قتل واعتقل عشرات الآلاف ورفض القتال على الجبهة وحاول قتل خدام وأجبر الأتاسي على توقيع استقالته واقترب من الموت ولم يحاكم.. صحيفة سوريتنا تنفرد في عرض وثائق سرية أفرجت عنها المخابرات الغربية تثبت تورط رفعت الأسد بمجازر حماة و سجن تدمر.

صورة أرشيفية: حافظ الأسد مع وزير دفاعه مصطفى طلاس وأخيه رفعت (من اليسار إلى اليمين)

بعد مرور 37 سنة على وقوع مجزرة سجن تدمر وبعدها مجازر مدينة حماة على يد نظام حافظ الأسد، فتحت رسمياً النيابة العامة في سويسرا تحقيقاً جنائياً، بناء على تقديم منظمة “ترايل إنترناشيونال” بلاغاً تطلب فيه من النيابة تحديد مسؤولية رفعت الأسد عن مجزرتي تدمر حماة.

وخلال السنوات الأربع اللاحقة التي تلت تقديم البلاغ الجنائي، بدأت منظمة “ترايال” بإجراء تحقيقات في ثماني دول، وقدّمت للنيابة العامة عشرات الأدلة والشهادات ووثائق صادرة عن أجهزة سرية وسفارات دول عدة، كما عثرت المنظمة على العديد من الذين شاركوا في أحداث تلك الفترة من الجانبين الذين أبدوا استعداداً لتقديم شهاداتهم.

ولكن رغم كل تلك الأدلة الدامغة التي تم تقديمها للنيابة العامة السويسرية وفق ما ذكر “بنديكت دو مورلوز” أحد المحامين المكلفين بالتحقيقات في منظمة “ترايال الدولية”، إلا أن المحامين الموكلين عن الأشخاص الذين قدموا شكاوى ضد رفعت الأسد، شعروا أن هناك تقصيراً من النيابة العامة مثل إلغاء الجلسات ورفض استدعاء المتهم واستجوابه.

النيابة العامة الفيدرالية قالت إن طول الاجراءات في هذا النوع من الحالات يمكن تبريره بأن “التحقيقات تستغرق وقتاً طويلاً”، لأن الوقائع حصلت “منذ زمن طويل”، إضافة إلى ذلك فإن الأماكن التي حصلت فيها الوقائع والطبيعة المعقدة للقضية، عوامل أخرى قد تفسر طول الإجراءات.

ولم يكن توجيه الاتهامات ضد رفعت الأسد مستنداً إلى مجرد رفع دعاوى ضده، وإنما كان هناك وثائق تثبت تورطه في مجازر تدمر وحماة وكيف كان دوره في سوريا، وحصلت “سوريتنا” على عدة وثائق صادرة عن المخابرات المركزية الأمريكية CIA، وصنفت عالية السرية تم الكشف عنها مؤخراً، بالإضافة لوثائق أخرى من منظمة “ترايل إنترناشيونال”، تكشف تفاصيل ارتكاب تلك المجازر وكيف تم التخطيط لها ومن المسؤولين عن تنفيذها، بالإضافة لوثائق توضح الدور الأسود لرفعت الأسد في المشهد السوري، والذي بدأ بإجباره للرئيس نور الدين الأتاسي على توقيع الاستقالة والتمهيد لشقيقه، وزير الدفاع حينها، للاستيلاء على السلطة في سوريا.

 

محاولة اغتيال ثمنها بحر من الدماء

في السادس والعشرون من حزيران من العام 1980 تعرض حافظ الأسد لمحاولة اغتيال في قصر الضيافة بدمشق، وسط غموض أحاط تنفيذ العملية، وسارع النظام باتهام جماعة “الإخوان المسلمين” بالوقوف وراء المحاولة بشكل صريح، ما أعطى رفعت الأسد الذريعة للإجهاز على عناصر الحركة المعتقلين في سجن تدمر، وبعد ذلك في مدينة حماة.

في حين أشارت إحدى وثائق المخابرات الأمريكية التي حصلت عليها سوريتنا، إلى خلاف امتد لسنوات بين رفعت الأسد وقائد “القوات الخاصة” علي حيدر، حيث كان الأخير ينتقد سراً وعلانية تورط رفعت في عمليات فساد، خاصة ضمن المؤسسة العسكرية.

وامتد الخلاف بين الطرفين على مدار سنوات لدرجة قيام علي حيدر في منتصف عام 1980، مع مجموعة من كبار قادة الجيش، باتهام رفعت الأسد بالإعداد لمحاولة اغتيال أخيه.

وثيقة صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في أيلول 1984 تشير إلى اتهام علي حيدر ومجموعة من ضباط الجيش لرفعت الأسد بالتدبير لعملية إغتيال أخيه منتصف العام 1980 (سوريتنا)

رفعت يأمر بإعدام كل السجناء

ورداً على محاولة الاغتيال، قام رفعت الأسد صباح اليوم التالي بتوجيه مجموعة من القوات نحو سجن تدمر لإعدام كل من فيه من المعتقلين الإسلاميين، حيث أقلعت 12 مروحية من مدينة حماة، تحمل 350 جندي كوماندوس من “سرايا الدفاع”، وعشر مروحيات من دمشق، تحمل 100 عنصر من “فيلق الأربعين”، و100 عنصر من “اللواء 138” لتحط جميعها في مطار تدمر العسكري.


فقرة من تقرير صادر عن «أمنيستي إنترناشيونال» يصف ما جرى في سجن
تدمر ويشير إلى مسؤولية سرايا الدفاع وقوات أخرى بمجزرة سجن تدمر (سوريتنا)

وفور دخلوهم السجن تلقوا أوامر بإعدام حوالي 1000 من السجناء في زنزاناتهم، وفق تقرير أصدرته منظمة “أمنستي انترناشينال” التابعة للأمم المتحدة عقب المجزرة.

وأوضحت وثائق المخابرات الأمريكية، أنه بعد المجزرة تم إزالة الجثث ودفنوا في مقبرة جماعية خارج السجن، واعترف جنديان سوريان من قوات “سرايا الدفاع”، اعتُقلا في الأردن لاحقاً، على خلفية تورطهما في محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأردني مضر بدران، بمشاركتهما بالمجزرة واعطوا تفاصيل دقيقة عن العملية.


وثيقة صادرة عن CIA في أيلول 1984تشير إلى مسؤولية رفعت الأسد عن مجزرتي تدمر وحماة تدمر (سوريتنا)

 

 

معركة في حماة حُسمت بمجازر مروعة

ولم تكن مجزرة تدمر الأخيرة كما اعتقد البعض، وإنما كانت تمهيداً لمجزرة أفظع ارتُكبت في حماة، فبحسب “أمنيستي إنترناشيونال” حاولت مجموعة من قوات “الجيش السوري” في الثاني من شباط 1982 بمداهمة أحد البيوت في الجزء الغربي من المدينة القديمة، حيث طوق 90 عنصراً منزلاً قالوا إنه يحتوي على أسلحة وذخائر تعود لجماعة “الإخوان المسلمين” المحظورة.

وحالما بدأوا باقتحام المنزل تفاجأ عناصر الجيش بكمين أعده لهم ما أطلق عليهم التقرير اسم “المنتفضين”، الذين قاموا بقتل وأسر المجموعة، ونزعوا اللباس العسكري عن الجنود، وانتشروا بعدها على الأسطح والأبنية المرتفعة في أحياء المدينة.

ووفقاً للمنظمة، فقد سيطر “المنتفضون” على الأبنية الحكومية والأمنية في المدينة، بما فيها مخازن السلاح المحلية، وبدأوا بإعدام مسؤولين أمنيين ومخبرين، وصل عددهم لحوالي 50 شخصاً في ذلك اليوم.

في حين قالت صحيفة التايمز في مقال لها نشر حينها، إن الخسائر كانت كبيرة في صفوف الجيش، حيث سقط حوالي 400 قتيل، وحوالي 3200 جريح، امتلأ بهم مشفى حرستا العسكري.

وجاء الرد بعد ذلك بإقفال مداخل المدينة، وأفادت التقارير أنه تم إرسال حوالي 8000 جندي من اللواء “21 الميكانيكي” التابع للفرقة الثالثة، واللواء “47 المدرعات” المستقل، و”سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد، و”القوات الخاصة” بقيادة علي حيدر، و”سرايا الصراع” و”ميليشيا البعث” بقيادة عدنان الأسد.


فقرة من تقرير امينستي انترناشيونال يوضح الوحدات العسكرية التي شاركت في أحداث حماة (أمنيستي)

وبحسب تقرير السفارة الأمريكية في دمشق، تم قصف الأجزاء القديمة للمدينة من الجو، لتسهيل عملية دخول القوات والدبابات إلى الشوارع الضيقة، حتى أن المنطقة القديمة من حي الحاضر قُصفت وسُويت بالأرض من خلال الدبابات بعد 4 أيام من القتال.

وفي 11 شباط بث التلفزيون السوري ما قال إنه مخبأ للأسلحة في حماة يحتوي على بنادق وذخائر للأسلحة الخفيفة وقواعد صواريخ محمولة على الكتف، وفي 15 شباط أعلن وزير الدفاع مصطفى طلاس، عن قمع حركة “المنتفضين”، إلا أن المدينة بقيت مطوقة ومعزولة، وتبعها أسبوعين من عمليات التفتيش والاعتقال، مع تقارير متضاربة عن فظاعات ومجازر جماعية ارتُكبت بحق المدنيين العزّل.

ولا يمكن تحديد كل ما حدث، لكن تقرير منظمة “أمينستي” تحدث عن أحداث عدة كعملية إعدام جماعي لـ 70 شخصاً خارج المشفى الوطني في 19 شباط، وإعدام جماعي آخر لأهالي حي الحاضر من قبل في نفس اليوم، إضافةً إلى اتهامات باستخدام خزانات ممتلئة بغاز السيانيد، موصولة بأنابيب بلاستيكية تم توجيه فتحاتها إلى بيوت اختبأ فيها بعض المشاركين في الانتفاضة، ما أدى إلى مقتل جميع سكان تلك الأبنية، كما تم جمع المئات من أهالي المدينة في مطار حماة العسكري والملعب الرياضي وفي الثكنات العسكرية وتُركوا لأيام دون طعام أو مأوى.


فقرة من تقرير امينستي انترناشيونال تصف بعض الجرائم التي ارتكبت في حماة عام 1982 (أمنيستي)
وذكرت اللجنة السورية لحقوق الإنسان أن ضحايا المجازر في حماة بلغ بين 30 إلى 40 ألفاً، غالبيتهم العظمى من المدنيين، بينما تقول بعض التقارير بأن العدد أكبر من ذلك بكثير، ويصعب التأكد من العدد الكلي الدقيق للقتلى، نظراً لدفن الضحايا في مقابر جماعية، بعضها غير معروف إلى الآن، وصعوبة التعرف على جميع الضحايا، كما أن ما بين 10 و15 ألف مدني اختفوا منذ وقوع المجزرة في عام 1982.

واقتبس الصحفي جاك اندرسون، في مقال له بصحيفة “الواشنطن بوست” حرفياً من تقارير الخارجية الأمريكية وCIA، معلومات أشارت إلى أن جماعة “الإخوان المسلمين” تمثل عنصر المعارضة الأبرز في وجه سرايا الدفاع التي يقودها رفعت الأسد، حيث شنت قوات الأخير مزودة بالدبابات هجوماً على عدة مئات من أعضاء الجماعة في حماة 1982، وأن أعداد الضحايا نتيجة الهجوم بلغ أكثر من 20 ألفاً خلال أسبوعين.


وثيقة صادرة عن وكالة المخابرات المركزية الامريكية في 10 شباط 1982 تشير الى دور رفعت الأسد وسرايا الدفاع في مجازر حماة 1982 (سوريتنا)

مجزرة حماة: أكبر جريمة في التاريخ الحديث

بعد خروج ما حدث في حماة للعلن، وتداول الأخبار بين أبناء القرى والبلدات المحيطة بالمدينة، ساد الحديث عن فظائع رهيبة ارتُكبت بحق أهالي حماة، وقالت منظمات وهيئات دولية أن ما حصل في حماة يعد أكبر جريمة في التاريخ الحديث.


وثيقة صادرة عن وكالة المخابرات المركزية الامريكية في 17 نيسان 1980 تشير الى دور رفعت الأسد وقواته في ارتكاب انتهاكات وفظاعات حتى قبل أحداث تدمر وحماة (سوريتنا)

صور فظيعة من المجزرة

وثقت تقارير حقوقية وصحفية معظمها، ومنها مجزرة بحق أطفال من المدينة، ارتكبت في نهاية شارع الثامن من آذار، بعد أربعة عشر يوماً على بداية الحملة، حيث بدأ الناس يخرجون قليلاً إلى الشوارع، وطلب الجنود من الأهالي التوجه نحو سيارات الخبز في طرف الشارع، فأسرع عدد كبير من الأطفال وكانوا بالعشرات، حملوا الخبز وفي طريق العودة إلى بيوتهم اعترضهم جنود الجيش، وطلبوا منهم الدخول إلى الجامع الجديد، وهناك فتحوا عليهم النار، ليقتلوا جميعاً وتسيل دمائهم على الخبز الذي كان لا يزال في أيديهم.

ومن الصور الفظيعة أيضاً، قصة امرأة من آل السواس في منطقة الباشورة، اقتحم الجنود منزلها، فقتلوا الزوج ثم أرادوا الاعتداء عليها، فقاومتهم بشدة حتى يئسوا منها، فصبوا عليها مادة المازوت وفي أرجاء غرفتها، وأشعلوا النار فيها فقضت نحبها حرقاً.

كما حاول كثير من الجنود الذين اقتحموا المدينة الاعتداء على النساء، وسُجلت حالات كثيرة جداً قُتلت فيها نساء دافعن عن شرفهن، وكان الجنود يحاولون الاعتداء على النساء وهن في أسوأ حالة نفسية، بعد رؤية أزواجهن أو أبنائهن وآبائهن يُقتلون، ولكن كثيرات قاومن بشدة.

معتقلات في كل مكان

كما كان ضمن مدينة حماة سجون أقامها عناصر القوات المشاركة في الحملة، وبلغ عددها 14 سجناً، بينها مدارس ومرافق عامة استُخدمت كمعتقلات، وفق تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان، والسجون هي “معتقل اللواء 47، معتقل الثكنة، معتقل المطار، معتقل المحلجة الخماسية (محلجة أبي الفداء)، معتقل المنطقة الصناعية، معتقل مدرسة غرناطة، معتقل مدرسة الصناعة، معتقل معمل البورسلان، معتقل المخابرات العسكرية، معتقل الأمن السياسي، معتقل أمن الدولة، معمل الغزل، معمل البلاط، مركز الدفاع المدني”.

مورس التعذيب في السجون على نطاق واسع، وسلِم بعض المعتقلين من الموت بالإفراج عنهم بعدما دفع أهلهم رشاوي طائلة، كما شهدت السجون مجازر جماعية عدة، منها ما حدث في أحد السجون، إذ دخل اللواء علي حيدر إلى السجن، وخاف المعتقلون في أحد المهاجع مما قد يحل بهم بعد زيارته فهتفوا بحياته، فأمر لهم بطعام وبطانيات.

غير أن السجن كان تابعاً لسرايا الدفاع التي يقودها رفعت الذي يكن العداء لعلي حيدر، فجاء جنود من السرايا يحملون رشاشاتهم وصرخوا في وجوه المعتقلين بأن “لا قائد إلا الزعيم رفعت”، ثم فتحوا نيران الرشاشات على كل من كانوا في المهجع وهم نحو 90 شخصاً، فقتلوهم جميعاً.


وثيقة صادرة عن وكالة المخابرات المركزية الامريكية في أيلول 1984 تشير الى دور حيدر في قمع الأنتفاضات في حلب وحماة (سوريتنا)

وفي الأيام الأخيرة من شباط، شنت القوات الحكومية حملة اعتقالات واسعة لاستكمال التحقيقات، وقدر عدد المعتقلين في ذلك اليوم وحده بنحو 1500 مواطن، بينهم بعض الأعيان كمفتي المدينة ورئيس جمعية العلماء فيها وعدد من المشايخ المسلمين، ولم يعد أحد من أولئك المعتقلين، وقيل إنهم دُفنوا في منطقة قرية “براق”، حيث وُضعوا في حفرة جماعية.

رفعت الأسد ينفي مسؤوليته وتاريخ أسود يلاحق سيرته في المشهد السوري

على الرغم من الوثائق والتقارير التي تؤكد تورط رفعت الأسد في مجازر تدمر وحماة، نفى الأخير أي صلة له بالمجزرة على هامش مؤتمر باريس الذي انعقد مؤخراً بهدف البحث في مستقبل سوريا، والذي شارك فيه رفعت وضم العديد من الأحزاب والشخصيات الوطنية السورية المعارضة.

وقال رفعت أنه بعد سيطرة الفصائل المناوئة للدولة على حماة، شكّل حافظ الأسد لجنتين، واحدة في دمشق للدفاع عن العاصمة، والثانية في حماة، وترأس لجنة حماة العماد حكمت الشهابي رئيس أركان الجيش، كما ضمت اللجنة وليد حمدون عضو القيادة القطرية، علي أصلان نائب رئيس الأركان.

وبيّن رفعت أن هذه اللجنة هي التي قادت العمليات العسكرية في حماة، وأنه لم يكن لأي من أعضاء هذه اللجنة أي اتصال معه، بل كان يعلم بما يجري عن طريق البلاغات الدورية التي كانت ترسلها هذه اللجنة إلى قيادة الجيش، والتي كانت بدورها تعمم هذه البلاغات على كافة وحدات الجيش الأخرى، ومنها قيادة الوحدة 569 التي كان يقودها.

كما أشار إلى أنه لا علم له بأمر المفقودين وأنه لم يتحدث إليه أي سوري عن أي شخص مفقود له، موضحاً أن الضحايا الذين وقعوا في حماة من عام 1963 إلى عام 1982، اغتالهم أشخاص دخلوا عبر الحدود السورية ينتمون إلى دولة العراق وبعضهم كان بحوزته جوازات سفر مزورة، بعدما تلقوا تدريبات للقتال على الحدود السورية العراقية.

أجبر الأتاسي على الاستقالة وحاول اغتيال عبد الحليم خدام

في محاولته انتزاع السلطة لصالح أخيه، قام رفعت الأسد منتصف تشرين أول من العام 1970، باقتحام بيت الرئيس نور الدين الأتاسي دون إذنه، وأجبره على توقيع استقالته، وهو ما مهد لوصول حافظ الأسد إلى السلطة في الشهر التالي.


وثيقة صادرة عن وكالة المخابرات المركزية الامريكية في أيلول 1984 تشير الى قيام رفعت الأسد بإجبار لرئيس السوري الأسبق نور الدين الأتاسي واجباره على توقيع استقالته (سوريتنا)

وبناءً على الوثائق، كان من غير المحتمل أن ينجح رفعت في الوصول إلى الرئاسة بعد موت الأسد، في ظل العداء الطويل مع ومنافسيه، وسلوكه المتهور والمتطرف، والانقسامات داخل الطائفة العلوية حول صلاحيته للحكم، كل تلك الأمور أكدت أنه لا يتمتع بالمواصفات اللازمة للقيام بصفقات سياسية أو تحقيق قاعدة شعبية واسعة كوريث سياسي للأسد.

وكان دور رفعت في الأمن الداخلي جعل منه ذو سمعة سيئة نتيجة عنفه وفساده، فعلى سبيل المثال كانت أخبار تلاعب رفعت بعقود تسليح الجيش السوري منتشرة جداً، إضافةً إلى ادعاءاته باحترام المثقفين وإسرافه الشخصي وبذخه، حيث كان يتفاخر بأن لديه 17 ولداً شرعياً ما جعله مكروهاً من قبل السوريين، بالمقارنة مع أخيه الذي عاش حياة بسيطة.

كما أنه وفقاً لتقارير في الخارجية الأمريكية، توجهت أصابع الاتهام إلى رفعت الأسد بمحاولة اغتيال استهدفت عبد الحليم خدام في تموز عام 1984.

وكان خدام على قناعة بأن رفعت هو المسؤول وهدد بالاستقالة إذا لم يتحرك حافظ اتجاه أخيه رفعت، وبشكل عام شعر العديد من قادة الجيش وقادة الأمن بأنهم سيفقدون مناصبهم في حال وصول رفعت إلى رأس السلطة بسبب حالة العداء تلك.


وثيقة صادرة عن وكالة المخابرات المركزية الامريكية في أيلول 1984 تشير الى اتهام عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري لرفعت الأسد بتدبير محاولة اغتياله (سوريتنا)

ورغم كل فساد رفعت وممارساته، فإن دوره كان حاسماً في قيادة القوات التي قمعت جميع التحديات التي واجهت النظام من قبل الخصوم السنة، إضافة إلى العلاقة الأخوية بين رفعت وحافظ والتي ساهمت في تحمل الأخير لسلوك أخيه، فقد كان حافظ في حالة تجمع كلاً من الكراهية وعدم القدرة على الاستغناء عن خدماته.

عداء طويل مع منافسيه

كانت علاقة رفعت مع منافسيه سيئة، ففي منتصف السبعينيات اتهم شفيق فياض قائد “الفرقة الثالثة” رفعت بالانتهازية واستغلال منصبه، كما اتهمه بالسعي للوصول إلى السلطة عام 1984.

كما وضع حافظ الأسد فياض في قيادة اللواء المدرع 70 في أوائل السبعينيات، وهي إحدى أهم قطع الجيش وأكثرها حساسية، إذ سبق أن شاركت هذه الوحدة في عدة انقلابات في الخمسينيات والستينيات.

كما أن العقيد عدنان مخلوف قائد الحرس الجمهوري وأخ زوجة الأسد، كان يكن لرفعت الأسد الكراهية منذ عام 1979 عندما اتهمه رفعت باختلاس أموال وطرده من منصبه كقائد عمليات سرايا الدفاع، بدوره اتهم مخلوف رفعت والموالين له بعمليات شراء للطريق من لبنان إلى الشمال السوري وتهريب البضائع إلى هناك.

ووفقاً للوثائق نشأ أيضاً خلاف بين رفعت الأسد ومصطفى طلاس وزير الدفاع في بداية عام 1972، حيث بقيت قوات رفعت خارج سلطة طلاس، وفي حرب تشرين عام 1973 حاول طلاس نشر قوات رفعت على الجبهة رغم اعتراضات رفعت، وهو ما أدى إلى قيام أحد مساعدي رفعت بقتل أحد مندوبي طلاس.


وثيقة صادرة عن وكالة المخابرات المركزية الامريكية في أيلول 1984 تتناول العداء بين رفعت الأسد ومصطفى طلاس وتشير الى امتناع رفعت عن نشر قواته على الجبهة في حرب تشرين 1973 | سوريتنا

 

أبرز من خطط وشارك في مجزرة حماة

  • العقيد رفعت الأسد، قائد سرايا الدفاع، أصبح نائباً لرئيس الجمهورية، يبلغ من العمر الآن ثمانين عاماً، ويقيم بين فرنسا وبريطانيا وإسبانيا.
  • اللواء علي حيدر، قائد الوحدات الخاصة، أحيل للتقاعد في العام 1994 بعد وضعه في الإقامة الجبرية 45 يوما ويقيم اليوم في محافظة اللاذقية.
  • محمد حربا، محافظ مدينة حماة إبان المجزرة، أصبح وزيراً للداخلية، يشغل حالياً منصب عضو هيئة التدريس في كلية نايف العربية للعلوم الأمنية في السعودية.
  • العقيد يحيى زيدان، كان ضابطاً في سرايا الدفاع، ثم فُرز إلى المخابرات العسكرية، وأصبح رئيس فرعها في حماة.
  • العقيد نديم عباس، قائد اللواء 47 دبابات، شغل منصب قائد الفرقة التاسعة، ثم أصبح رئيساً لأركان أحد الفيالق في الجيش السوري.
  • العقيد فؤاد إسماعيل، قائد اللواء 21 ميكانيكي، توفي في العام 2010، ابنه مجاهد إسماعيل يقود حالياً كتائب البعث في سوريا.
  • المقدم رياض سلمان عيسى، قائد اللواء 142 في سرايا الدفاع، يعرف أيضاً باسم رياض شاليش، وهو ابن عمة الأسد، أصبح لاحقاً مديراً لمؤسسة الإسكان العسكري.
  • المقدم وليد أباظة، رئيس فرع الأمن السياسي وأحد أشرس المحققين فيه، عمل مديراً لمكتب غازي كنعان، يدير حالياً الدفاع الوطني.
  • الرائد محمد رأفت ناصيف، وهو محمد ناصيف خيربك، ضابط في المخابرات العامة، أشرف على التعذيب في سجن الثانوية الصناعية، رفع لاحقاً إلى رتبة لواء، توفي في العام 2015 في الولايات المتحدة.
  • الرائد إبراهيم المحمود، شارك في التحقيق والتعذيب في فرع أمن الدولة، والشعبة السياسية في المخابرات، وفي سجن الثانوية الصناعية، رفّع إلى رتبة لواء، وشغل منصب رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشعب السوري.
  • العقيد علي ديب، أحد قادة الوحدات الخاصة، قتل في نيسان 2017 في ريف حلب الجنوبي.
  • الرائد محمد ياسمين، كان قائد الفرقة الانتحارية 22 التابعة لسرايا الدفاع، متقاعد حالياً.
  • الرائد محمد الخطيب، كان ضابطاً ومحققاً في فرع أمن الدولة آنذاك، لا تتوفر معلومات عنه حالياً.
  • عبد الله زينو، كان ضابطاً ومحققاً في فرع أمن الدولة آنذاك، لا تتوفر معلومات عنه حالياً.
  • محمد بدور، محقق في شعبة الأمن السياسي، تحدث شهود عن قتله بيديه لسبعة معتقلين تحت التعذيب على الأقل، متقاعد حالياً.

 

شهادات السوريين على مجزرتي حماة وإدلب

جدران المهاجع تشهد على المجزرة

محمود عاشور، ويعرف باسم صلاح الدين الحموي من أهالي حماة ومعتقل سابق في سجن تدمر

“تم زجي بداية في المهجع 34في الباحة السادسة في سجن تدمر حيث رأيت آثار القنابل والرصاص جلية على الأرض والجدران وبشكل أوضح في الزوايا لانهم نفذوا المجزرة داخل مهاجع سجن تدمر ، نقلت بعدها الى المهجع 5-6، الجدران كانت محفرة أيضا وعثرنا هناك على فوارغ وشظايا مقاذيف، تنقلت بعدها في أكثر من مهجع، تتشابه الآثار فيها جميعاً.

أبلغنا المعتقلون السابقون ممن وصلوا قبلنا الى سجن تدمر من نزلاء المهجع 4 والمهجع 5-6، أنهم عثروا على الكثير من الأشلاء وفوارغ الرصاص أثناء تكليفهم بتنظيف المهاجع المذكورة.

في العام 1989، اجتمعت وزملائي إبراهيم كباري وخالد سليمان عويد ابو محمد وهم من مجموعة ، كانوا الباحة الرابعة في السجن وعددهم 20 شخصاً من المهجع 17، كانوا الوحيدين الذين نجوا من المجزرة، كون تهمهم ليست إسلامية، وحدثونا كيف نجوا يومها:

دخل أحد الأشخاص إلى المهجع 17، وطلب منهم جمع أعراضهم في وسط المهجع والوقوف في إحدى الزوايا، وقبيل حلول موعد ظهر الجمعة، بدأت أصوات الرصاص والانفجارات الشديدة تصل أسماعهم من باقي المهاجع، استمرت الأصوات لمدة ساعة تقريباً قبل أن يدخل شخصين إلى مهجعهم، أحدهما أخبر الآخر أن هؤلاء مستثنون نظراً لإدانتهم بتُهم لا تمت بصلة للإخوان المسلمين، بعضهم من الفلسطينيين وبعث العراق وأحزاب اليسار.

وأكد بعض ممن كانوا يخدمون في سرية الشرطة العسكرية، أن القوات التي نفذت تلك العملية تنتمي لسرايا الدفاع.
استمر اعتقالي في سجن تدمر حتى 25 حزيران 2001، قبل أن يتم نقلنا إلى سجن صيدنايا.


جانب من الدمار في حماة بعد انتهاء العمليات العسكرية عام 1982

البحث عن الأحياء بين الجثث

محمد.ب، من أهالي حماة، شهد المجزرة وما بعدها وساهم بالبحث عن المفقودين

توجهت بعد أيام من المجزرة إلى المشفى الوطني في المدينة، استجابة لطلب خالي للتحقق من وجود ابنه فيها، حال دخولي لبوابة المشفى الجنوبية فوجئت بتكدس حوالي مئة جثة، أغلبهم نزعت ملابسهم، وكانت أثار التعذيب واضحة على أجسادهم، وأكثر ما أثار انتباهي كان جثة لشخص كسرت رقبته باستخدام ملزمة كالتي يستخدمها النجارون وتركت معلقة في رقبته.

لاحظت في الشوارع المحيطة انتشاراً لقوات ترتدي اللون الأبيض، أخبرني بعض ممن كانوا بالمشفى أن هؤلاء قوة خاصة تتبع سرايا الدفاع، وصلوا مؤخراً وأوكلت إليهم مهمة عمليات الدهم والاعتقالات وتصفية من بقي في حي جنوب الملعب القريب من المشفى.

بعد مرور حوالي الشهر علمت أنهم عثروا على عشرات الجثث، ووجدوا بينهم ثلاثة أشخاص كانوا على قيد الحياة في مبنى الأوقاف في منطقة الدباغة، عند وصولي للمكان بحثت عن ابن خالي الذي انقطعت أخباره بعد اقتياده يوم المجزرة، بحثت بين الجثث ولم أعثر عليه، توجهت بعدها نحو المشفى الوطني لسؤال الباقين على قيد الحياة علّ أحدهم قابله أو رآه.

وصلت إلى المشفى، دون أن يتعرض لي أحد، بحكم حيازتي مهمة أمنية من رئاسة إحدى مؤسسات الدولة، وجدت هناك الناجين، وهم الأستاذ طاهر الأسود، ورجل يدعى غازي الفحام، إضافة إلى طفل في مقتبل العمر، كنت على معرفة سابقة بالأستاذ طاهر، وكانت تسري الشائعات أن القوات المتواجدة في المشفى تنقل الجرحى لجهة غير معلومة للتحقيق حيث يتم التخلص منهم، طلبت من الثلاثة مغادرة المكان بأسرع وقت قبل مجيء المحققين، الأستاذ طاهر لم يكن يقوى على الحركة، فقمت بلفه ببطانية وحملته على كتفي، كان خفيفاً جداً نتيجة لثلاثين يوماً من الجوع، لم يتجاوز وزنه الأربعين كيلو، ولحسن الحظ لم يوقفني أحد، فالفوضى كانت تسود المكان، وضعته بالسيارة، وانطلقت به إلى مدينة حمص لإيصاله إلى مشفى الأسود الذي يعود لأحد أقاربه.

من مدخل المدينة بدا انشغال سكانها بمباراة فريقي الوثبة والكرامة، الأعلام والاحتفالات تملأ الشوارع، لا حديث سوى عن المباراة بين الفريقين آنذاك، أخبرت أشخاصاً بما يحدث في حماة، سخروا مني وضحكوا غير مصدقين ما أروي لهم.


جانب من الدمار في حماة بعد انتهاء العمليات العسكرية عام 1982

على قيد الحياة بين الجثث

أم حسان.م، من أهالي حماة شهدت المجزرة وفقدت أفراداً من أسرتها

تم اقتياد زوجي في يوم الجمعة الأسود (أكبر مجزرة بعد انتهاء العمليات العسكرية) من بيتنا الواقع في حي الشيخ عنبر، نقل مع العشرات إلى مدرسة الصناعة الثانية بالقرب من دوار عين اللوزة، اعتقل هناك لمدة 18 يوماً، تعرض خلالها للتعذيب حتى ظن المحققون أنه مات، تم رميه مع عشرات الجثث بالقرب حارة الجسر، ورغم بقائه على قيد الحياة إلا أنه فشل في التحرك والخروج من كوم الجثث، ليعثر عليه أحد الأشخاص ممن كان يبحث عن أقاربه، ويسحبه من بين الجثث لينجو بصحبة شخص آخر من آل العرعور.


جانب من الدمار في حماة بعد انتهاء العمليات العسكرية عام 1982

أم كلثوم علامة الليل وأصوات التعذيب تعلن بداية النهار

س ن، من أهالي حماة، نجا من المجزرة، واعتقل بعدها لأربعين يوماً في فرع الأمن السياسي

اقتادني عناصر من الجيش مع والدي وأعمامي وأولادهم إلى فرع الأمن السياسي، وضعونا ليلاً مع ثلاثين شخصاً آخرين في غرفة باردة جداً، صباح اليوم التالي دخل علينا أحد الجنود، نادى على اسمي مع سبعة آخرين، عصبوا أعيننا وساقونا رتلاً كل يمسك بحزام من أمامه، صعدنا عدة طوابق وأوقفونا أمام إحدى الغرف، كانت هي غرفة التحقيق ،كنا ندخل للتحقيق واحداً تلو الآخر، بفارق زمني حوالي الساعة.

أثناء التحقيق كانوا يسألون عن بعض الأسماء، ويقولون إننا مجرمون وننتمي للإخوان المسلمين ونريد الانقلاب على الحكم، ويريدون معرفة أسماء المعارضين ومن يؤيدهم، وتخلل ذلك أصناف بشعة من التعذيب والضرب والإهانات، ثم نقلت إلى غرفة صغيرة جداً مع رجل آخر، عرفت أنه طبيب من منطقة الحاضر، توفي تحت التعذيب بعد عدة أيام، وبقيت في الغرفة وحدي.

لم أعد أعرف شيئاً عن والدي وبقية أقربائي، كانوا يأخذونني كل يوم إلى غرف التعذيب تحت الأرض، لم نكن نعرف الليل من النهار، والتعذيب يفوق الوصف، أصوات الصراخ أثناء التعذيب تملأ المكان، في كل مرة ينقطع صوت أحدهم أعرف أنه توفي من التعذيب، وما كان يبكيني ويثير الرهبة في قلبي أكثر أنين المعتقلين المسموع من كل الغرف ليلاً.

الطعام اليومي ربع رغيف وكأس من الماء العطن، كنت أتقاسمها مع الطيب الذي شاركني الغرفة، لخمس وعشرون يوماً حرمت من دخول دورة المياه.

بعد بضعة أيام تعاطف معي أحد الحراس، طلبت منه السؤال عن والدي وأعمامي، لكنه لم يتمكن من معرفة أي شيء عنهم، كان يعطيني سيجارة كل يوم، وحين يأتي من هو أعلى منه رتبة يبدأ بشتمي وتمثيل القسوة حتى لا ينكشف تعاطفه.

كنت أميز الليل من صوت مذياع السجان عندما يبدأ بالاستماع لأم كلثوم، وعندما أسمع أصوات التعذيب أعلم أن النهار قد بدأ.

بعد أربعين يوماً جاء الحارس وقال لي سيفرجون عنك، وفعلاً أخرجوني ووضعوني في سيارة سارت لحوالي الساعة دون أن أرى شيئاً، ورموني في طريق مهجور خارج المدينة، بعد عدة ساعات مرت سيارة نقل وأشرت للسائق بالوقوف، عرف أنني خرجت حديثاً من المعتقل، وعرفت منه أننا على طريق حلب وطلبت منه أن يصحبني إلى قرية شمال حماة لنا فيها أقرباء، عندما وصلت عرفت أن أهلي كانوا هنا وذهبوا إلى الرقة حيث تقيم خالتي، بعد أن فقدوا الأمل بخروجي بحسب ما أخبرني قريبي، إلا أن جدتي أوصته بأن يقوم بتأميني إلى الرقة في حال خرجت، وصلت الرقة واجتمعت بأهلي بعد يومين، وظل البعض من أقاربي مفقوداً حتى اليوم.


جانب من الدمار في حماة بعد انتهاء العمليات العسكرية عام 1982

تلة الجثث في جامع عمر بن الخطاب

س.ز من أهالي حماة، شهدت المجزرة بعمر عشر سنوات

كنت طفلة حينها، من المحال أن أجد كلمات تعبر عما رأيت وشاهدت. كان يوم الثلاثاء، استيقظنا في الصباح الباكر على أصوات الرصاص والقصف، بقينا محاصرين في المنزل حوالي عشرة أيام، نفد الطعام والشراب، كنا نسترق النظر إلى الطريق ونرى مرور الدبابات وتهديمها للبيوت بالقذائف، شهدنا عدة إعدامات عشوائية تمت بسهولة أمام أعين الجميع.

أصابت بيتنا عدة قذائف ثم جاء الجيش وأخرجونا منه، أخذوا والدي وأمرونا بالتوجه نحو أحد المنازل، كانوا يرغمون الرجال، وبينهم أطفال، أن يصطفوا معصبي الأعين ومقيدي الأيدي إلى الخلف ووجوههم إلى الحائط، ووالدي كان معهم.

بقينا تلك الليلة في منزل جيراننا، في صباح اليوم التالي أخرجونا نحن والجيران وكامل أهل الحي من النساء والأطفال وطلبوا مننا الذهاب بعيداً.

لم نعرف أين نتجه، إلى أن اقترحت إحدى النساء أن نقصد جامع عمر بن الخطاب القريب، ذهبنا وجلسنا بالقرب من المواضئ، بعد عدة ساعات تجرأنا على التجول ورأينا أكواماً على شكل تلال مغطاة بنايلون كتيم وملون، لم أستطع استيعاب ما الذي أمامنا حتى لمحت يداً بشرية مخضبة بالدم، رفعت أختي الصغرى حافة الغطاء فعرفنا حينها أن تلك الأكوام كانت جثث أهالي الحي .

علمنا بعد عدة ساعات أن والدي ما زال حياً، دلنا على مكان وجوده أحد الجنود، اصطحبناه وتوجهنا خارج المدينة، مشينا حوالي 20 ساعة، وصلنا قرية معردس شمال حماة، وجدنا معظم أهالي حماة من النساء والأطفال في هذه القرية، أما الرجال فمن لم يُقتل اعتُقل.

رأيت إحدى قريباتنا ، تدعى صفية الحاج حمد، كانت في حالة يرثى لها، علمنا أن عناصر سرايا الدفاع قطعوا أيديها لسرقة مصاغها، وقتلوا أفراد من أسرتها أمام أعينها.

عدنا إلى حماة بعد أسبوع، فلم نعرفها، كانت المدينة مدمرة بالكامل، ذهبنا لمنزل عائلة من أقارب والدتي، في منطقة جنوب الملعب، والتي لم تشهد اشتباكات كثيفة قياساً بوسط المدينة، إلا أن تلك العائلة صفيت بالكامل، أكثر من 90 شخصاً بين عمر سنة ونصف والستين عاماً قتلوا رمياً بالرصاص.

العدالة لا تنسى ولو بعد حين

رأي الخبير الحقوقي فادي القاضي

نحنُ الآن بصدد تطور ثانٍ غير مسبوق على صعيد مسألة العدالة والمُحاسبة في السياق السوري، الأول كان قد حصل ليلة 21 ديسمبر / كانون أول من العام الفائت، حين أقر أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك مسودة مشروع قرار تقدمت به 38 دولة من أعضاء الجمعية، يقضي في أهم وأبرز ما جاء فيه على إنشاء آلية دولية مستقلة وغير مُنحازة للمساعدة في التحقيق ومقاضاة المسؤولين عن ارتكاب جرائم خطيرة وفق مقتضيات القانون الدولي في سوريا منذ مارس / آذار 2011، تحت مظلة الأمم المتحدة.

والثاني هو قيام النيابة العامة في سويسرا بفتح تحقيق، بناء على بلاغ جنائي تقدمت به منظمة “ترايل إنترناشيونال” تطلب فيه من النيابة تحديد مسؤولية رفعت الأسد عن مجزرتي مدينة حماة وسجن تدمر إبّان أحداث بداية الثمانينات.

وبالرغم من مرور ما يقاربُ 10 أشهر على صدور القرار الأممي الخاص بإنشاء آلية التحقيق، إلا أنها ما زالت تفتقر إلى الدعم المالي والسياسي الكافيان، وبما يمكنها من الشروع في بداية مهامها، والتي تأخذ طابع التحقيق الجنائي، وليس التوثيق لجرائم الحرب على النحو الذي تقوم به المنظمات الدولية، أو حتى اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق حول سوريا.

إلا أن البلاغ الذي تقدمت به “ترايل إنترناشيونال” ليس غريباً ولا مُستهجناً، وفي الإطار المعروف باسم “الولاية القضائية العالمية” تقوم المنظمات غير الحكومية أو الأفراد برفع دعاوى ضد أشخاص مُتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بغض النظر عن المكان الذي ارتكبت فيه هذه الجرائم، وبغض النظر عن جنسية المتهمين أو مكان إقامتهم أو جنسية الجهة القضائية التي تنظر الدعوى.

وتتيحُ القضية التي تقدمت بها المنظمة غير الحكومية التي اتخذت من جنيف مقراً لها، الإمكانية، وللمرة الأولى، للنظر في تفاصيل موثقة، وأدلة لم تتوفر سابقاً عن الفظاعات التي ارتكبتها القوات الحكومية السورية في حماة ومحيطها، فيما عُرف تاريخياً باسم “مجزرة حماة” في عام 1982، كما وتقدمُ القضيةُ براهين على تورط رفعت الأسد في هذه المجازر.

وبالرغم من أن سوريا في ذلك الوقت لم تكن تُصنفُ بموجب القانون الدولي الإنساني بلداً يمر في حالة نزاع مسلح محلي أم دولي، إلا أن المحاسبة عن ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، كما كان الحال في حماة، لا يحتاجُ صفةَ خاصة بموجب هذا القانون أو غيره.

ولا يتقاطع عمل الآلية الدولية المستقلة مع مُوجبات ومُجريات هذه الدعوى الجديدة في سويسرا، من زاوية المكانة القانونية، أو الفترة التاريخية، كون هذه الآلية تختص بالنظر في الأحداث التي وقعت بعد مارس / آذار 2011 حصراً. إلا أن مجرى كل من الآلية، والدعوى في جنيف، يصبان في سياق تعزيز المسيرة نحو العدالة والمحاسبة ووقف الإفلات من العقاب. أشياءُ تفتقدها سوريا على نحو دموي.

فادي القاضي هو خبير في حقوق الانسان وقضايا الإعلام والمجتمع المدني في الشرق الأوسط @fqadi
روابط الوثائق الخاصة بصحيفة سوريتنا

http://www.souriatnapress.net/images/2017/10/خاص-سوريتناCIA-Rifats-prospects-1984.pdfhttp://www.souriatnapress.net/images/2017/10/6.-خاص-سوريتناNational-Intelligence-Daily-10.02.1982.pdfhttp://www.souriatnapress.net/images/2017/10/4.-خاص-سوريتناCIA-04.1980-pages-131415.pdfhttp://www.souriatnapress.net/images/2017/10/3.-Amnesty-international-report-1983.pdf

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

ثقافة تمدن

مكتبة متنقلة في عربة تجوب أنحاء إدلب

اقتصاد تمدن

التشجير بدل الزراعة البعلية في جبل شحشبو بريف حماة

فئة رائجة

منوعات زيتون

فن التصوير الفوتوغرافي.. ماهية الصورة وضوابطها

منوعات عنب بلدي

دمشق تستلهم قهوة الشعير من غوطتها (فيديو)