إنتاج الزيتون في إدلب.. يتراجع بسبب الجفاف والتكاليف الباهظة

منشور  سوريتنا

تنكة الزيت تتجاوز الـ 30 ألف والأهالي يعزفون عن تموينها

أحد بساتين الزيتون في ريف إدلب لموسم هذا العام بانتظار (سوريتنا)

يقف المزارع أبو أنس فالح، 55 عاماً، في معصرة الزيتون يراقب الزيت وهو يخرج من المعصرة بعد إفراغ “شوال” الزيتون المقطوف من أرضه، لينظر جانباً ويجد أن أكياس الزيتون المصطفة والمحضّرة للعصر، أقل مما كانت عليه في الأعوام الماضية بكثير، لضعف موسم إنتاج الزيتون لهذا العام.

وقال أبو أنس لـــ سوريتنا: إن “الإنتاج هذا العام انخفض كثيراً، إلا أن ما ساعد الفلاحين على الخروج لأراضيهم والعناية بها بشكل جيد، هو توفر الأمان مع غياب القصف في الفترة الممتدة من أيار إلى أيلول، على خلاف الأعوام الماضية التي لم يتجرأ الفلاحين خلالها على الذهاب لأراضيهم في ظل كثافة القصف”.

أنواع متعددة أفخرها في إدلب

يُزرع الزيتون في مناطق بيئية متعددة، وتختلف كثافة زراعته حسب المنطقة، حيث تبلغ أعداد الأشجار في المنطقة الشمالية (إدلب وحلب) 115 شجرة في الهكتار الواحد، بينما يرتفع العدد إلى 200 شجرة في المناطق الساحلية (حيث معدلات الهطول المطري أعلى)، أما في المناطق المروية فتصل كثافة الزراعة إلى 300 شجرة في الهكتار الواحد، وفق احصائيات مديرية الزراعة التابعة للنظام.

وتختص المحافظات السورية بــ 11 نوعاً من ثمرة الزيتون من أصل سبعون صنفاً، وهي الدان والسوري ويتركز انتشاره في مناطق ريف دمشق ودرعا والسويداء والقنيطرة، والدعيبلي والخضيري والصفراوي وتتركز زراعتها في الساحل وغرب حماة، والحمبلاسي في ريف دمشق والساحل، وأنصاصي في إدلب، والقرماني في جسر الشغور بريف إدلب، إضافةً إلى أصناف (قيسي وصوراني وزيتي) والتي تنتشر في معظم المحافظات السورية.

وقال مدير زراعة إدلب الحرة خالد الحسن لـــ سوريتنا: إن “تُزرع في محافظة إدلب أصنافاً عديدة من الزيتون، ولكنها تتميز بكثرة زراعة صنف (أنصاصي) والذي يتميز باحتوائه على نسبة عالية من الزيت خلال شهريّ تشرين الثاني وكانون الأول، فيما تشتهر منطقة جسر الشغور بصنف (القرماني) المتميز بقلة التأثر بالظروف البيئية السيئة مثل (الجفاف والبرد القارص)”.

وبحسب إحصائية لمديرية الزراعة التابعة للنظام الصادرة عام 2014، فقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في محافظة إدلب 128.554 هكتار، فيما تجاوز عدد الأشجار 146 ألف شجرة، منها 132 ألف شجرة مثمرة، فيما بلغ الإنتاج السنوي 36.379 طن، يستخدم السكان منها 19 ألف طن للأكل، و17 ألف طن للعصير.

“تختص المحافظات السورية بــ 11 نوعاً من ثمرة الزيتون من أصل سبعون صنفاً، وهي الدان والسوري (ريف دمشق ودرعا والسويداء والقنيطرة)، والدعيبلي والخضيري والصفراوي (الساحل وغرب حماة)، والحمبلاسي (ريف دمشق والساحل)، وأنصاصي (إدلب)، والقرماني (جسر الشغور)، إضافةً إلى أصناف قيسي وصوراني وزيتي (معظم المحافظات)”

ارتفاع في التكاليف وانخفاض في الناتج المحلي

التحضير لموسم الزيتون يبدأ في شباط من كل عام، حيث يقوم المزارع بتقليم أشجار حقله بعد الانتهاء من عملية قطاف العام الماضي، وذلك ليعيد للشجرة رونقها ويقطع الأغصان الزائدة، وتستمر العناية بالأشجار حتى شهر أيلول، خوفاً من الآفات والتي أخطرها (ذبول الزيتون) حيث تتسبب بجفاف الأشجار ويباسها، وإلحاق التلف بأوراق الأشجار، وبالتالي ضياع الموسم.

ويبدأ القطاف من شهر تشرين الأول وحتى نهاية كانون الأول، وقد تختلف فترة القطاف حسب المنطقة والصنف والظروف الجوية.

ساهمت تكاليف الإنتاج المرتفعة وشحّ المياه وغلاء الوقود في انخفاض انتاج العام حسب ما أفاد به المزارع مازن قباني من بلدة سرمين (شرقي إدلب) والذي يملك 150شجرة زيتون.

وأضاف مازن “كان هذا العام الأشد حرارة بين الأعوام السابقة، ففي الماضي كانت المعارك وقذائف النظام تعيق أي عمل زراعي في البلدة، واليوم نعاني من صعوبة تقديم الخدمات للأشجار، فالجميع يعلم أن النسبة الأكبر من الأهالي تعتمد على موسم الزيتون لتأمين لقمة العيش”.

ومع ارتفاع الحرارة وانتشار الجفاف، زاد الطلب على صهاريج المياه، ما أدى إلى ارتفاع تكاليفها، حيث وصلت إلى 1500 ليرة للصهريج الواحد، بعد أن كان ثمنه عام 2011 لا يتجاوز 125 ليرة سورية، ويحتاج الدونم الواحد لخمسة صهاريج على الأقل لسقايته ولترتفع جودة الثمرة، إضافة للمبيدات الحشرية والتي تتجاوز تكلفتها 50 ألف ليرة سورية، فضلاً عن تكلفة اليد العاملة.

وأشار مازن إلى “توفر الأدوية والمبيدات الخاصة بمكافحة حشرات الزيتون، والتي يتم تأمينها غالباً من تركيا أو مناطق النظام ما يؤدي إلى ارتفاع ثمنها بشكل جنوني”.

“مزارع: ساهمت تكاليف الإنتاج المرتفعة وشحّ المياه وغلاء الوقود في انخفاض انتاج موسم الزيتون في هذا العام “

القطاف اليدوي الأمثل والأكثر تكلفة

ويتم قطف الزيتون حسب نوعه، فالزيتون الكبيس يُقطف قبل ثلاثة أسابيع من قطاف زيتون العصير والذي يحتاج لمدة أطول لاكتمال الزيت داخل الثمرة، ومن ثم يتم قطاف الزيتون الأسود الذي يحتاج لأشعة الشمس لنضجه.

ويبدأ المزارع بتأمين الفعّالة اللازمة لجني الثمار وهو ما يعرف بالقطف اليدوي، يقول المزارع محمد سليم أن “القطف اليدوي من عادات وتقاليد السكان في محافظة إدلب، كبار السنّ يعتنون بالأشجار وكأنها أحد أبنائهم، ويرفضون قيام الفعالة بضرب الأشجار بالعصى خشية من إيذائها، فكان القطف اليدوي الحل الأمثل لضمان سلامة الأشجار والمحصول”.

وتعتمد طريقة القطف اليدوي على وضع قطع قماش تحت الأشجار ليتساقط الثمر المقطوف عليها، وتتساقط الأوراق المريضة المصابة بآفة (عين الطاووس) مع الثمار ليتم غربلتها وتعبأتها في أكياس لتنقل إلى المعصرة”.

وأضاف سليم “السيء في عملية القطف اليدوي التكاليف الباهظة من أجور للعمال، وثمن للمفارش البلاستيكية وأجور النقل، حيث بلغت تكلفة العامل الواحد 2000 ليرة العام الماضي، أي عليك أن تدفع نسبة 25 % من أرباح الموسم ثمن أجور اليد العاملة ونقل المحصول”.

ارتفاع تكاليف عصر الزيتون

يُسارع المزارع مصطفى بلشة إلى حجز دور في طابور الانتظار في إحدى معاصر الزيتون القريبة من مدينة إدلب لعصر موسم الزيتون، قائلاً: إن “المدة المستغرقة بين القطاف والعصير يجب ألّا تتجاوز 24 ساعة، بعدها يبدأ الزيتون بفقدان جودته”.

ومع قطاف كل دفعة من الأشجار يتم نقلها إلى المعصرة بشكل تدريجي، حيث ارتفعت تكاليف عصر الزيتون بشكل ملحوظ نتيجة توقف العديد من المعاصر عن العمل لضعف الإنتاج، وبلغت تكلفة عصير الكيس الواحد قرابة 150 ليرة سورية، فضلاً عن سعر التنكة الفارغة، وبالتالي يرتفع السعر إلى 800 ليرة سورية، أي متوسط عملية العصر تقدر بنحو 60 ألف ليرة سورية.

وعزا صفوح أصفري صاحب إحدى معاصر الزيتون السبب إلى “ارتفاع أسعار الوقود واليد العاملة، والمواد الخام، وتعطل الآلات بسبب الوقود رديء الجودة وندرة قطع الغيار، وقد نضطر أحياناً لإحضارها من مناطق النظام لتشغيل الآلات من جديد”.

غلاء تكاليف العصر دفع بالكثير من المزارعين إلى استخدام عبوات الزيت الفارغة من العام الماضي بعد تنظيفها لإعادة استخدامها من جديد، فيما يلجأ البعض الآخر إلى شراء غالون من البلاستيك يُستخدم لعدة سنوات دون أن يهترئ.

“بلغت تكلفة عصير الكيس الواحد قرابة 150 ليرة سورية، فضلاً عن سعر التنكة الفارغة، وبالتالي يرتفع السعر إلى 800 ليرة سورية، أي متوسط عملية العصر تقدر بنحو 60 ألف ليرة سورية”

تسويق الإنتاج محلياً والى الخارج

مع بدء الفلاحين بعصر الزيتون تنشط محال تجارية مختصة بشراء وبيع زيت الزيتون من البائع ومن ثم بيعه بشكل منفرد أو جملة لتجار محليين ضمن المحافظات الأخرى أو لتجار الدول الأخرى، حيث يتم تصدير زيت الزيتون السوري إلى بلدان الخليج العربي وأوروبا، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الزيت.

وتضم مدينة إدلب قرابة 10 محال تجارية لبيع الزيوت، زارت سوريتنا محل أبو اصطيف لبيع الزيوت والذي تحدث عن نشاط المحل خلال أشهر قطاف الزيتون قائلاً: “لكلّ مهنة سر، وللتجارة في زيت الزيتون أسرار، خلال الأشهر الأولى نقوم بالشراء والبيع بشكل سريع، نختار أجود أنواع الزيوت ونقوم بشرائها ومن ثم المتاجرة بها”.

وأضاف أبو مصطفى “يُقدر إنتاج سورية من الزيتون في الموسم الماضي بحوالي 150 ألف طن، يستهلك الشعب السوري نصف الكمية المذكورة، ويصدر ويهرب الباقي إلى دول الجوار والخليج العربي وأوروبا.

ويتمكن التاجر من معرفة جودة زيت الزيتون من خلال أخذ عينات من بعض الأوعية وتحليلها عبر جهاز يظهر الإشارات على شكل ألوان، ولكل لون درجة، فمثلاً اللون الأزرق يدل على خمس درجات، والأحمر على ثلاث درجات، في حين يرغب السكان بــ 15 درجة وما دون، وهي ذات جودة مرتفعة الثمن، بينما ينخفض ثمنها إذا زادت عن15 درجة.

وأضاف أبو اصطيف “يلجأ بعض التجار إلى خلط زيت من الدرجة الأولى بزيت من الدرجة 20 محاولين تصريف بضاعتهم المخزّنة في المستودعات، وبعض الأهالي يضطرون لشرائها لعدم معرفتهم الجيدة بأنواع الزيوت”.

مع اقتراب نهاية شهر كانون الأول وانتهاء الفلاحين من قطاف الزيتون، يبدأ التجار بشراء وتخزين كميات الزيت ذو الجودة الممتازة لعدة أسابيع ريثما يعاود ثمنها للارتفاع، محققين بذلك أرباحاً خيالية.

“صاحب معصرة: غلاء تكاليف العصر دفع بالكثير من المزارعين إلى استخدام عبوات الزيت الفارغة من العام الماضي بعد تنظيفها لإعادة استخدامها من جديد”

زيت إدلب والمونة الصعبة

غالباً ما تجد عند دخولك إلى كراج الانطلاق في مدينة إدلب عبوات الزيت الممتلئة وهي تُنقل إلى الشاحنات متجهةً نحو مناطق النظام سواءً في حماه أو حمص أو دمشق، مئات العائلات ممن قرروا الانتقال من المناطق المحررة إلى مناطق النظام للإقامة فيها نتيجة القصف أو كونهم موظفين في مؤسسات النظام، يقومون بطلب شراء زيت إدلب ونقله إليهم.

وقالت عروبة المقيمة في مدينة حماة: إنها “لم تعتد على مذاق زيت الزيتون في مدينة حماة، فجودته رديئة ومذاقه لا يُحتمل، ربما مناطقهم لا تصلح لزراعة أشجار الزيتون، أو أننا لم نعتد على مذاق زيوتهم، لذلك اضطررت إلى شراء مونة العام وستصلني خلال الأيام المقبلة”.

ويرى وليد الشامي أحد المقيمين في حي كفرسوسة بدمشق أن “الزيت الدمشقي مذاقه غير محبب لدى السكان، لا أعلم السبب الصحيح للأمر، ولكن رأيت العديد من السكان يقومون بالطلب من أحد أقاربهم تأمين كمية من الزيت وشحنها إلى دمشق، عند تذوق النوعين ستعلم جيداً الفرق بينهما”.

وارتفعت أسعار زيت الزيتون إلى ما يقارب 33 ألف ليرة سورية للتنكة الواحدة، بمعدل 2000 ليرة لليتر الواحد، جراء ارتفاع تكاليف الإنتاج منذ اللحظة الأولى لتفتح الأزهار ونضج الثمار كون هذ المرحلة تتطلب عناية فائقة، وصولاً إلى عملية القطاف واليد العاملة وعصر الثمار.

وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار الزيت، لم يعد بإمكان العائلات ادخار كميات كبيرة من الزيت، كما كانوا يفعلون سابقاً، حيث كانت العائلة المتوسطة تدّخر ما لا يقل عن سبع تنكات، حيث كان سعر التنكة في 2010 حوالي 2500 ليرة سورية.

“سقى الله أيام زيت الزيتون”، يبدأ عثمان جورية كلامه متحسراً بعد أن عجز العام الماضي عن تأمين ثمن مونة عائلته من زيت الزيتون، يقول: “لدي سبعة أطفال وأحتاج سنوياً إلى 13 غالون زيت، أي 400 ألف ليرة سورية، ولم أستطع تأمين المبلغ، فاضطررت إلى الحصول على الزيت النباتي (دوار الشمس) من صناديق المعونة أو أقوم بشرائها عند النقص “.

حال عثمان كغيره من عشرات العائلات التي غيرت من نظامها الغذائي، فكان جنون الأسعار عائقاً أمام الحصول على غالون زيت واحد.

 

صهيب مكحل / سوريتنا                                                                      للمزيد اقرأ أيضاً..

الحرب تُنهك أشجار الزيتون في سوريا وتبعدها عن العالمية في الإنتاج

 

أحدث الأخبار

منشور رائج

حوارات كلنا سوريون

الناشط نزار غانم وقدرة “المجتمع المدني” على القيادة

ثقافة كلنا سوريون

سامي الدروبي.. الثقافة تطغى على السياسة

فئة رائجة

منوعات عنب بلدي

شباب يحيون الحركة المسرحية في إدلب

منوعات عنب بلدي

كأس العالم.. الذهب الأغلى