تسول الأطفال السوريين في تركيا يزداد والأتراك غاضبون

منشور  سوريتنا

بالمناديل والقراءة والدعاء

امرأة سورية مع طفلتها ورضيعها تتسول على قارعة الطريق في اسطنبول (سوريتنا)

يمسك الطفل يحيى سلوم علبة محارم بيده، ويطلب من أحد الأتراك ضمن حافلة نقل ركاب في مدينة إسطنبول أن يشتريها منه، لكن الرجل التركي يشير برأسه بأنه لا يريد، فيُكرر الطفل إلحاحه على الرجل بضرورة أن يشتري منه وهو يمسكه من قميصه، ما أثار غضب التركي الذي صرخ في وجهه وطلب منه الابتعاد، ليذهب الطفل الى شخص آخر ويكرر التصرف نفسه.

على هذا المنوال بات كثير من أطفال سوريا النازحين إلى تركيا، مكررين السيناريو ذاته مع كل من يصادفونه في الشارع، في ظاهرة باتت تنتشر وتزداد كثيراً في المدن التركية، لينقسم الشارع التركي بين متعاطف مع هؤلاء الأطفال، ومتذمر من ازدياد عددهم وتصرفاتهم المزعجة.

وسعياً لكسب المال، لجأ الأطفال إلى وسائل مختلفة للتسول، وكانت الطريقة الأكثر شيوعاً، هي بيع علب المناديل، يقول الطفل يحيى سلوم، ذو التسع سنوات لــ سوريتنا “توفي والدي في حلب أثناء القصف، فنزحت مع أخوتي قبل ثلاث سنوات الى تركيا، واضطررت لترك المدرسة والعمل في بيع علب المحارم، أتجول يومياً بين الشوارع والمطاعم والمحلات لبيع المحارم للناس مقابل مبلغ من المال يبدأ من ليرة تركية فما فوق، وفي كثير من الأحيان يدفع الناس المال دون أخذ علبة المحارم”.

التسول بالقراءة

ولم يعد غريباً أن ترى طفلاً يستلقي على الأرض وبجانبه علبة فارغة لكسب تعاطف الناس والحصول على المال، وهناك من يجلس في مكان مكتظ بالمارة، ويمسك كتاباً يقرأ فيه بينما يضع علبة أمامه لجمع المال، يقول “هاكان روستو” أحد سكان مدينة إسطنبول “إنها طريقة ذكية في التسول، حيث يظهر الأطفال للناس أنهم يتعلمون رغم كل الظروف، ويستطيعون كسب التعاطف معهم”.

هناك أطفال لا يبيعون أي شيء، وإنما يتجولون بين الناس طالبين منهم المال، عبر التشبث بالمارة والتوسل لهم، لكن هذه الطريقة تثير غضب الكثيرين نظراً للإصرار بشكل مبالغ فيه على طلب المال، في حين يلجأ البعض الى طلب المال فقط من سوريين عبر الحديث معهم وكسب عطفهم، من خلال الدعاء والتوسل وشرح ظرفهم، بينما لا يستطيعون استخدام هذا الأسلوب مع الأتراك كونه يتطلب إتقان اللغة التركية.

طفل يتسول بالقراءة لاستعطاف المارة في أحد شوارع اسطنبول (سوريتنا)

ظروف قاهرة أجبرتهم

أسباب كثيرة دفعت الأطفال للتسول، يقول أسامة دندن ذو العشر سنوات “مع تكرر القصف على منطقتنا في التمانعة بريف إدلب الجنوبي، نزحنا إلى مدينة غازي عينتاب، وكان والدي أصيب نتيجة القصف وبُترت قدمه، فتعالج في تركيا ووُضع له طرف صناعي، إلا أنه لم يقوَ على العمل، فاضطررت أنا وأخوتي الثلاثة لبيع المحارم والبسكويت في الشوارع لمساعدة أهلنا”.

وكذلك كان حال الطفلة ياسمين من ريف حلب الشرقي، والتي تبيع على بسطة صغيرة مناديل ومسابح وأكسسوارات برفقة أمها التي تقف جانباً لتنتظرها وهي تدور على المطاعم والمحلات طالبةً من الناس أن يشتروا منها، لتجد كثيراً من الأشخاص يتعاطفون معها، وخاصةً عندما يشاهدون طفلة جميلة أجربتها الظروف على ترك مدرستها واللجوء للتسول.

تقول أم ياسمين “اعتقل النظام زوجي قبل أربع سنوات وبعد فترة علمت أنه توفي تحت التعذيب، صُدمت كثيراً وخاصةً أني لا أملك عمل وليس لدي سوى هذه الطفلة، جمعت قليلاً من المال ودفعته لمهرب كي يساعدني في الدخول إلى تركيا، وحين وصلنا إسطنبول لم أجد أي عمل يحفظ كرامتي ويؤمن قوت يومي، فلم يكن أمامي سوى التجول في الشوارع مع ابنتي لبيع ما يتيسر لنا”.

“التسول يساهم في صناعة جيل مستسلم، فيصبح التسول هو الحيلة التي يلجأ إليها الطفل عندما يتخطى مرحلة الطفولة كلما تعثر وواجهته المشكلات، ولا يقوى على مواجهة الحياة كباقي الأقران، ويصبح الطفل محبطاً وبلا ثقة أو يقين أو قدرة في إمكانياته”

عصابات منظّمة للتسول

ولكن ظاهرة التسول لم تكن فقط نتيجة ظروف أجبرت الأطفال على التسول، وإنما تبين أن هناك أطفال يعملون لصالح عصابات تقوم بتشغيلهم ودفعهم للتسول وجمع الأموال مقابل مبلغ من المال شهرياً، وهو ما تأكد قبل فترة، حين ألقت قوات الأمن التركية القبض على عصابة أفرادها سوريين، يقومون باستئجار أطفال من أسرهم مقابل أجر مادي قدره ألف ليرة تركية، أي ما يعادل 300 دولار أمريكي للشهر الواحد.

وقال عضو تجمع المحامين السوريين الأحرار حسام السرحان إن “المادة 229 من قانون الإجراءات الجنائية في القانون التركي تنص على أن استغلال الأطفال وخاصةً ذوي الاعاقة الجسدية والذهنية بحكم عجزهم عن إدارة شؤونهم في التسول، يُعاقب عليه القانون بالسجن من سنة حتى ثلاث سنوات، وتضاعف عقوبة الجريمة بمقدار النصف في حال كان المستغل قريب بالدم أو قريب من الدرجة الثالثة، أو في حال تم التسول في إطار منظم”.

وأضاف السرحان “وبالنسبة لنا نحن السوريين في حال كان المتسول بالغاً، فالعقوبة تصل إلى حد الترحيل باعتبار التسول هو مخالف للنظام والأمن العام”.

الأتراك غاضبون

بعض الأطفال المتسولين أثار غضب الأتراك نتيجة تصرفاتهم، يقول سعد جدعان، وهو لاجئ سوري مقيم في أزمير “تصرفات بعض الأطفال المتسولين لا تطاق، فتجدهم يدخلون إلى وسائل النقل ويصرخون ويتدافعون داخل الحافلة، ويرمون الأوساخ”.

وأضاف جدعان “مرةً شاهدت طفلاً لا يتجاوز الثانية عشر يُدخن داخل الحافلة، ما سبب استياءً كبيراً لدى الأتراك، فأصغيت لحديثهم كوني أجيد التركية وسمعتهم يتحدثون فيما بينهم عن الفوضى والإزعاج الذي يُحدثه اللاجئون السوريون في تركيا وأن حكومتهم يجب أن تقوم بطرد جميع السوريين”.

ومع تزايد استياء الأتراك من تلك الحالات ومطالبتهم بعودة السوريين الى بلدهم عبر هاشتاغ قاموا بإطلاقه على مواقع التواصل الاجتماعي، قال والي إسطنبول “واصب شاهين” في مقابلة تلفزيونية، “إنّ المتسولين المنتشرين في طرقات المدينة، وخاصة الأطفال منهم، ليسوا من اللاجئين السوريين فقط”، مؤكداً أن “الدولة التركية فتحت أحضانها للاجئين السوريين، وبالتالي ليس من الصواب بمكان تحميلهم أوزار الآخرين”.

كما أطلقت مديرية أمن منطقة إسطنبول حملة تحت عنوان “لا تتعاطفوا مع الأطفال المتسولين”، وذلك للحد من ظاهرة التسوّل لدى الأطفال، مبررةً ذلك بأن هؤلاء الأطفال سيستمرون بالتسول، وسيبقون ملازمين للشارع، طالما يستمر المواطنون بإعطاء نقود لهم.

 

طفل يتسول في أحد شوارع اسطنبول (سوريتنا)

وأشارت “أوزلام تيمور” مديرة أمن الأطفال في منطقة أوسكُدار في اسطنبول، إلى أن الأطفال المتسولين لا يستفيدون من النقود التي تُعطى إليهم من قبل المواطنين، وأن الفائدة تذهب إلى من يجبر هؤلاء على التسوّل من ذويهم وغيرهم.

وأضافت تيمور أن المديرية تقوم بتوزيع بروشورات تعمل على تجهيزها ومن ثم توزيعها في شوارع ذات كثافة سكانية، والتي تشهد تجمعا كبيراً للمتسولين، مثل شارع “تقسيم، وأكسراي” وغيرهما، مضيفةً أن الغاية من هذه الحملة إنقاذ الأطفال من الشارع، ومن ثم التأكد من عائلاتهم وتقدير حاجاتهم الشهرية، لتقديم مساعدات مادية لهم، وبالتالي ضمان مستقبل هؤلاء الأطفال.

التسول يُدمر الأطفال

ظاهرة التسول لها أثار سلبية كثيرة على الأطفال، ولعل أبرزها أنها ساهمت في إبعاد الأطفال عن المدارس وبقائهم دون تعليم، وأوضحت وزارة التربية التركية في آخر إحصائية لها في آب الماضي، أن هناك ما يقارب الـ 41 % من الأطفال اللاجئين السوريين خارج المدرسة.

فمن أصل 3 ملايين لاجئ سوري في تركيا هناك 833.039 طفلاً، بينهم 492.544 فقط يذهبون إلى المدرسة هذا العام، سواء كانوا مسجلين في مراكز التعليم التي بنيت خصيصاً للاجئين أو في المدارس العامة التركية.

وقال “برهان الدين دوران” منسق عام في مركز الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية (SETA) في تقرير لمركز أبحاث تركي، “إن هناك أهمية وأولوية لعملية دمج الأطفال السوريين في المجتمع، والتعليم عامل أساسي للاندماج الاجتماعي، كما أن هذا الجيل مهدد بالضياع إذا لم تقدم له فرصة التعليم بسبب الأزمة التي تشهدها بلادهم”.

“من أصل 3 ملايين لاجئ سوري في تركيا هناك 833.039 طفلاً، بينهم 492.544 يذهبون إلى المدرسة هذا العام”

كما قال الباحث الاجتماعي خالد كيالي لــ سوريتنا: إن “التسول يساهم في صناعة جيل مستسلم، فيصبح التسول هو الحيلة التي يلجأ إليها الطفل عندما يتخطى مرحلة الطفولة كلما تعثر وواجهته المشكلات، ولا يقوى على مواجهة الحياة كباقي الأقران، ويصبح الطفل محبطاً وبلا ثقة أو يقين أو قدرة في إمكانياته”.

وأضاف كيالي أن “التسول يُشجع الطفل أيضاً على السرقة والعنف، وخاصةُ عندما يمتنع عنه الأشخاص الذين يلجأ إليهم لينال حاجته، فيلجأ الطفل المتسول إلى السرقة في ظل عدم إدراكه لماهية السرقة وخطورتها مستقبلاً، فضلاً عن مساهمة التسول في زيادة شعور العنف بين الأطفال، فتجد كثيراً من الأطفال يتشاجرون من أجل ليرة تركية أعطاها رجل لأحد الأطفال”.

وأوضح الباحث الاجتماعي “أننا لا نستطيع أن نغفل الأثار النفسية التي تسببها هذه الظاهرة على الحالة النفسية لدى الطفل، وخاصةً حين يشاهد أطفالاً آخرين من نفس عمره يرتدون أفضل اللباس ويذهبون مع أهلهم الى المنتزهات والحدائق، بينما يجلس هو على الأرض بلباس مهترئ، لذلك فإن هناك الكثير من الضرورات التي تحتّم على المؤسسات الأهلية والخيرية، بالتعاون مع المؤسسات الحكومية، العمل على مواجهة هذه الظاهرة، والحذر كل الحذر منها على الدوام”.

 

عبد الكريم مهنا / سوريتنا                                                                   للمزيد اقرأ أيضاً..

والي اسطنبول يصف المتسولين: ليسوا سوريين بل أتراك

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد