نساء من رحم الحرب

منشور  زيتون

صورة تعبيرية (الإنترنت)

المرأة نصف المجتمع، مقولة لا تصلح في الوقت الراهن الذي غلبت فيه الأفكار المتطرفة والمتشددة على كافة مفاصل المجتمع، وتحكمت في آلية الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وحدّت من فعالية المرأة في المجتمع، وقيّدت حريتها، إلا أن الكثير من النساء وقفن في وجه التغيرات الراهنة والظروف الصعبة، وأبين إلا أنيمارسن دورهن في الحياة، فكانت منهن العاملة والطبيبة والممرضة والمعلمة، ومنهن من عملن على إقامة مشاريع ونشاطات هادفة بنّاءة، برغم الصعوبات.

يستعرض هذا التحقيق عدة نماذج من نساء سوريات عملن بكِد ليعيشن بكرامة، وليتركن بصماتهن في الحياة.

نجاح معهد الكندي وراءه “طالبة هتفت للحرية”

كانت تتطلع إلى أن تأخذ المرأة دورها كاملاً في الحياة، وكانت ترى أن التعليم والعمل هما أكثر ما يعززان وجودها، فانطلقت إلى افتتاح معهد “الكندي لتعليم اللغات” عملت في بداية افتتاحه على دورات لتقوية الطالبات في الشهادتين الإعدادية والثانوية، بأجور رمزية، لتتوسع فيما بعد لاستقبال جميع الأعمار والصفوف بشكل مجاني.

بمقومات بسيطة شرعت “علا الأسعد” بالعمل بمعهدها “الكندي” في معرة النعمان، إذ ابتاعت عدداً من الكراسي مع ألواح متحركة لشرح الدروس عليها، ولاقى المعهد إقبالاً من شريحة الطلاب، ما دفعها لتطويره أكثر وذلك على مدار ثلاث سنوات ونصف، حتى بلغ عدد طلابه 350 طالباً من جميع الفئات العمرية من الصف الأول حتى الشهادة الثانوية، وازداد عدد المدرسات المتطوعات للعمل مجاناً حتى بلغ عددهن 12 مدرسة لجميع المواد يعملن تطوعاً دون أي دعم من أي جهة خارجية، الأمر الذي وبحسب رأيها لم يفرض عليها وطلابها أي توجه سياسي أو ديني.

“تمثل “علا” الوجه الحقيقي للمرأة السورية في مشاركة الرجل، بعدما حاولت الكثير من الجهات في السنوات الأخيرة تهميش وترسيخ صورة معيبة عن المرأة”

لم تكن تدرك “علا الأسعد” وهي الطالبة في كلية الآداب، قسم اللغة الفرنسية، أن هتافها للحرية في بداية الثورة، ستدفع دراستها الجامعية ثمناً له، ومع أولى مظاهرات مدينتها معرة النعمان، وجدت “علا” نفسها بين المتظاهرين السلميين، حالمة كغيرها من السوريين بالتخلص من نظام جائر.

وبعد أن أُدرج اسمها بين الأسماء المطلوبة للجهات الأمنية بحجة التظاهر، اقتيدت “علا” بوحشية إلى أحد الأفرع الأمنية في حلب، ليفرجوا عنها في وقت لاحق، لتسارع بالعودة إلى مسقط رأسها معرة النعمان، تاركة ورائها كل ما يربطها بجامعتها في مدينة حلب، على أمل أن تعود إليها بعد تحريرها.

نزحت “علا” مع أهلها عن معرة النعمان إلى بلدة كفرعويد، أثناء معارك معسكر وادي الضيف، وعملت في هذه الفترة في بلدة كنصفرة، في القطاع التعليمي، لتعود فيما بعد إلى مدينتها لتمارس مهنة التعليم في مدارس شبه مهدمة.

وكانت المدارس في حال يرثى لها، إذ افتقدت لأبسط مقومات العملية التعليمية، فضلاً عن كونها هدفاً للقصف، ما دفع “علا” للتفكير بإنشاء معهد لغات خاص في بداية عام ٢٠١٤، وذلك بمساعدة أختها خريجة كلية الآداب، قسم اللغة الإنكليزية، وصديقتها.

أطفال يمرحون في “معهد الكندي” الذي تديره علا الأسعد (زيتون)

 

ولم تكتفِ “علا” بالعمل في المعهد، بل عملت على تطوير مهاراتها، وخضعت لدورات عديدة لتنمية القدرات وطرق التدريس والتواصل البشري، وانضمت لمنظمة “أمان وعدالة” للترميم.

واليوم تشارك “علا” في جميع المظاهرات المنددة بالتوجهات المسيئة للثورة والدخيلة عليها، والتي باتت العدو الأول في نظرها للثورة السورية.

تمثل “علا” الوجه الحقيقي للمرأة السورية في مشاركة الرجل، بعدما حاولت الكثير من الجهات في السنوات الأخيرة تهميش وترسيخ صورة معيبة عن المرأة.

علا في عامها السابع والعشرين قدمت ما يمكن تقديمه بنشر التعليم، وتقوية دور المرأة، مبدية سعادتها بما تقدمه لأبناء مدينتها، ناصحة النساء بإثبات ذاتهن بالعمل والتعلم.

 

منزلها عيادة وحقيبتها صيدلية.. أم سامي قابلة بنش

عند بداية الثورة وفي بداية عام 2013 تحديدا، عندما كانت مدينة بنش بحالة يرثى لها، وكانت تعيش حالة من نقص الأدوية بمختلف أنواعها، سطع نجم امرأة في المدينة والقرى المحيطة بها عرفت بـ “أم سامي” التي كانت أشبه بصيدلية نقالة.

لم يكن حصولها على الدواء سهلا، حيث عمدت إلى تهريبه من مدينة إدلب عبر حقيبتها الشخصية عندما كانت تحت سيطرة النظام، متحدية مخاطر اكتشافها، بشجاعة تنقص العديد من الرجال.

“منى محمد” من مواليد 1972 خريجة معهد قبالة، عملت في المشفى الوطني في مدينة إدلب من عام 1996 وحتى عام 2013 إضافة لعملها في مشفى “المطلق” الخاص في إدلب من عام 2005 وحتى عام 2013.

“أم سامي: ولّدت أكثر من 1000 طفل مابين عامي 2013 و 2015 في قرية عين شيب، كما دربت أكثر من 5 فتيات على إعطاء الإسعافات الأولية والحقن بكافة أشكالها داخل عيادتها الصغيرة”

غير آبهة بحواجز النظام وتشديداته الأمنية، واظبت أم سامي على نقل الأدوية لفترة من الزمن إلى المناطق المحررة، ولكن سرعان ما تم الإبلاغ عنها، ليقوم فرع أمن الدولة في آذار من عام 2013 باقتحام المستشفى الوطني بحثا عنها، وشاءت الأقدار أن تنجح بما فشل به الكثيرين، الإفلات من قبضة فرع الأمن بمساعدة زملائها، وكان عمرا جديدا يكتب لها، قررت مرة أخرى أن تبذله في حفظ أعمار الآخرين، عائدة إلى توليد النساء في بنش، إضافة للمساعدة في إسعاف مصابي القصف والمعارك.

وبعد فترة وجيزة انتقلت “أم سامي” برفقة عائلتها لقرية عين شيب، تلك القرية المنسية التي تقع غربي مدينة إدلب، حيث تفتقر لأي مركز صحي أو مشفى، وربما هو السبب الرئيسي الذي جعلها وجهة دسمة لأم سامي التي افتتحت عيادة صغيرة ضمن بيتها في القرية، وبدأت بتوليد النساء وتقديم الإسعافات الأولية وفق استطاعتها، فأصبحت ملاذا للمصابين جراء الاشتباكات مع حواجز قوات النظام في محيط مدينة إدلب، وملاذا للنساء اللواتي ينجبن في القرى المحررة لصعوبة وخطورة وصولهن إلى المستشفيات.

تقول “أم سامي” إنها ولدت أكثر من 1000 طفل خلال فترة عملها في قرية عين شيب، والتي امتدت من أيلول عام 2013 وحتى آذار 2015، مقابل مبالغ بسيطة لشراء حاجيات العيادة من أدوية ومعدات، كما دربت أكثر من 5 فتيات على إعطاء الإسعافات الأولية والحقن بكافة أشكالها لمساعدتها في العمل، داخل عيادتها الصغيرة.

وبعد تحرير مدينة إدلب وإعادة تنشيط المستشفيات في المدينة، عادت “أم سامي” لعملها في مشفى مدينة أريحا إضافة لعملها في عيادتها التي نقلتها إلى بلدة “سيجر” غرب مدينة إدلب.

 

أم سامي خلال عملها بتوليد نساء القرية (زيتون)

كيف ينظر أهالي بنش إلى عمل المرأة؟

عبر معظم الأهالي في مدينة بنش عن رضاهم وتأييدهم لانخراط المرأة في المؤسسات والعمل، ولا سيما في المجالات المتعلقة بالمرأة.

“وسيم الأسعد” أحد أهالي بنش قال: “عمل المرأة واجب، وخاصة في هذه الظروف التي نعيشها، كون المرأة هي المساعد للرجل، أما تعليم المرأة فهو الشيء الأهم على الإطلاق”.

بينما رأى “بيرق السيد علي” أن عمل المرأة ضروري جدا، ولكن ليس في جميع المجالات فهناك مجالات لا تصلح لها، وأخرى يجب أن تكون هي العضو الفاعل فيها، مثل القبالة وغيرها من الاختصاصات والأمور المتعلقة بالنساء.

أما “أحمد جمالو” فقد أكد أن الأوضاع التي تعيشها المحافظة في ظل قلة نسبة الرجال، جراء المعارك والقصف وارتفاع نسبة الوفيات، تستوجب أن يكون للمرأة دوراً هاماً في بناء المجتمع، كما تستوجب تواجدها في جميع منشآت الدولة من خدمية وصحية وغيرها.

 

“أماني العلي” قصة فتاة لا تعرف الهزيمة

“أماني العلي” فتاة من مدينة إدلب السورية في العقد الثالث من عمرها، حاصلة على شهادة جامعية في هندسة الحاسوب، لا تختلف عن باقي فتيات عصرها، سوى بعزيمتها وإصرارها الكبيرين على أن تكون فرداً نافعاً في مجتمعها، تحاول تحسين المجتمع وزيادة ثقافة أبنائه بدل الجلوس في المنازل كسائر الفتيات.

رسمت أماني خطتها، ووضعت مشروعاً لإنشاء روضة لتعليم الأطفال الصغار، تضم هذه الروضة ثلاثة مراحل تعليمية، وما أن أوشكت “أماني” في البدء بالعمل وافتتاح روضتها، حتى تم تحرير مدينة إدلب في 28 آذار من عام 2015 من قوات النظام.

وكان تحرير مدينة إدلب نقطة تحول كبيرة في حياة “أماني”، التي رفضت الجلوس في المنزل وانتظار الموت بصواريخ الطائرات، وعادت لتجهيز روضة في حي شعبي بسيط وأسمتها “جنة الطفولة”، افتتحتها في ظل ظروف صعبة على سكان المدينة وعليها، وبمبلغ مادي بسيط، والذي اضطرها لاختيار موقع غير مناسب لها في منطقة معرضة للقصف الدائم، مع نزوح معظم سكان مدينة إدلب خوفاً من شبح الموت.

ومع نهاية عام 2015 كان عدد طلاب روضة جنة الطفولة 20 طالباً فقطـ، وكانت رسوم التسجيل فيها لا تتجاوز 2000 ليرة سورية، إلا أن هدف “أماني” كان أكبر بكثير، فقد تجاوز اهتمامها المال ليتركز على تشجيع الأهالي على تعليم أطفالهم.

وواجهت “أماني” على مر السنوات الماضية الكثير من الصعوبات، كإيجاد كوادر متعلمة ذات خبرة جيدة بأجور زهيدة، مما أجبرها بعد مضي عامين على افتتاح الروضة، على مضاعفة رسوم التسجيل فيها، إلا أنها مع ذلك لم تكن كافية لتغطية نفقات الروضة وأجور معلميها.

من داخل الروضة التي تديرها أماني العلي (زيتون)

وكان عدم رضا أهلها عن عملها ضمن روضتها، وعملها كمراسلة إحدى المشاكل التي عانت منها، كونها فتاة في زمن تمر فيه المدينة بحالة حرب، ولم تزدها محاولاتهم بإقناعها بترك عملها إلا إصراراً على مواصلته.

وتحرص أماني في روضتها كل أربعاء على عمل نشاط ترفيهي للأطفال في الحديقة العامة، كما تحرص على سلامة الأطفال، والذي دفعها لاقتناء قبضة لاسلكية خاصة للروضة لتتبع حركة الطيران، فما إن يحذر أي مرصد من قدوم الطائرات، حتى تهرع أماني مع معلماتها لإدخال الطلاب إلى ممر تظن أنه آمن.

ومن ناشطة بعد تحرير مدينتها، إلى مديرة روضة، إلى مراسلة صحفية لجريدة سوريتنا تكتب التقارير والتحقيقات، إلى رسمها للوحات كريكاتورية تنشر في الصحف، إلى اهتماماتها الخدمية والاجتماعية التي تخص مشاكل المدينة ومعاناة أهلها.

تقول أماني: “حبي للأطفال لم يمنعني عن ممارسة عملي كمراسلة وصحفية أنقل أحوال نساء وأطفال مدينتي وأحكي همومهم، بل على العكس، أصبحت أقرب إلى مشاكلهم، أحكي أوجاعهم ومعاناتهم، وأنقل الصورة بشكل أصدق”.

وتضيف: “مهما واجهتني المشاكل والعقبات وحاول الناس الوقوف في طريقي، وتهميش دور النساء العاملات وتعويدهم على الجلوس في المنازل، سأستمر في دربي الذي اخترته، وسأعمل على تطوير مشروعي وتعليم أكبر قدر ممكن من أطفال بلدي”.

 

 

للمزيد اقرأ أيضاً..

قابلة نسائية في زمن الحرب.. وولادات بين فكي الموت

أحدث الأخبار

منشور رائج

تقارير وتحقيقات سوريتنا

من يقود حافلات التهجير؟

مجتمع سوريتنا

“زواج المتعة” أسلوب إيران الجديد لنشر التشيّع في سوريا

فئة رائجة

تقارير وتحقيقات صدى الشام

غابات إدلب الخضراء.. ضحية أخرى للحرب في سوريا

تقارير وتحقيقات صدى الشام

قاعدة حميميم.. أرض روسية في سوريا للأبد